رجاء النقاش.. وصاحب قنديل أم هاشم.. يحيى حقى الفنان والإنسان والمحنة

شاعر القصة المصرية ومنابع السرد

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 20 سبتمبر 2017 - 1:03 مساءً
رجاء النقاش.. وصاحب قنديل أم هاشم.. يحيى حقى الفنان والإنسان والمحنة

«يحيى حقى.. الفنان والانسان والمحنة» هو عنوان الكتاب الذى صدر مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة للناقد الراحل رجاء النقاش وهو عبارة من مجموعة من المقالات والدراسات التي كتبها “النقاش” عن صاحب “قنديل ام هاشم” الذي اثارت اعماله الروائية والسردية جدلا واسعا وتأثرت به الاجيال التالية له باعتباره احد اهم اصحاب الاساليب الادبية العربية فى القرن العشرين.
يقول رجاء النقاش فى مقدمة كتابه: “هذه كلها لقطات تمثل بعض الفتات من ذكرياتي مع يحيي حقي، قصدت بها أن اكشف عن جوانب من شخصيته وأن ارسم بعض الخطوط حول “معني يحيي حقي” فى حياتنا الادبية، وهو معني كبير يحتاج فى شرحه الي دراسات ودراسات، ولكنني احب اخيرا أن اركز على بعض جوانب هذا المعني الكبير” فيحيي حقي متواضع كبير، لو أخذته بالمظهر لتصورت انه رجل بلا عبقرية ولا نبوغ، ولكن المظهر خادع ولا يدل على اعماق تغلي كالبركان بالفكر والفن، وهو محب للانسان المجهول متعاطف معه قادر على فهمه، وهو يبحث عن الاشياء الاساسية فى الفن والحياة ولا يهتم بالاشياء الثانوية، ولذلك لم يدخل معارك ادبية ولم يشتبك فى مناقشات حادة، وهو لا يهتم بالسياسة وإنما يهتم بالحضارة”. وهذه الصفات التي اوردها “النقاش” فى وصف “حقي” انطبعت على الكثير من المواقف التي مرت به فى حياته، سواء على مستوي الكتابة، او على مستوي العمل والحياة الاجتماعية، فالكاتب الذي ولد لاسرة تركية فجده الاول “والد ابيه” وفد على مصر من تركيا، لكنه كان من اكثر المحبين للغة العربية- وآدابها خاصة الشعر، وقد قال “حقي” عن نفسه يوما “انه عاشق من عشاق اللغة العربية” ويورد “النقاش” بعض المسميات التي اطلقها”حقي” على نفسه فى هذا الصدد فيقول: اطلق على نفسه انه “مهووس” بهذه اللغة واحيانا فإنه كان يسمي نفسه باسم “الجاسوس” على “القاموس” فقد كان من عاداته فى بعض الاحيان أن يفتح صفحات المعاجم العربية ويقوم بجولة متأنية بين صفحاتها ليس من أجل البحث عن معني كلمة من الكلمات، ولكن من اجل ايجاد مناخ لغوي عربي حميم يعيش فيه ويشعربالالفة معه، وقد زادته هذه الجاسوسية على القواميس العربية مع معرفة بلغته وما فيها من امكانيات فتفجرت ينابيع الجمال من قلبه الغني بالعواطف والتجارب ومن عشقه للغة العالم، وقد كان حقي محبا للشعر خاصة اشعار شوقي وبيرم التونسي الذي يورد “النقاش” قصة طريفة وقعت رائد العامية المصرية وتبين صاحب القنديل الذي كتب مقالا عن بيرم ونشره فى احدي المجلات وكان “بيرم” وقتها فى “باريس” فارسل المجلة على عنوانه هناك، وظل رجال البريد يبحثون عنه حتي وصلوا إليه وطلبوا منه اولا أن يدفع مبلغا من المال حتي يتسلم الرسالة التي جاءته من القاهرة، وكان بيرم يظن أن بها أموالا وكان بحاجة شديدة لها فدفع كل ما معه من اموال قليلة وتسلم الرسالة وحين وجدها “مجلة” رماها ولم يقرأها، وتشاء الصدف أن يرجع بيرم التونسي إلى القاهرة فيخبره “حقي” بالقصة فإذا بوجه “بيرم” يظهر عليه الغضب، ويفاجئ يحيي حقي بقوله: هو انت؟ الله يخرب بيتك؟.. ورغم ذلك لم يتغير حب “حقي” لبيرم والذي ورثه عن اسرته التي كانت تنتظر قصائد بيرم الساخرة فى المجلات والصحف وقتها.
شخصية الشاعر
كما يكشف رجاء النقاش عن شخصية الشاعر عند يحيي حقي، مؤكدا انه يعد احد رواد الشعر المنثور من خلال بعض الخواطر والقصائد المنشورة له مع رواية “قنديل أم هاشم” عام 1944. ويقول “النقاش فى مقال تحت عنوان “هدية يحيي حقي للفتيات الصغيرات” “الكتاب الصغير الذي ضم قصة “قنديل ام هاشم” قد ضم ايضا مجموعة من “ الاناشيد النثرية تحت عنوان “بيني وبينك”، وعن هذه الاناشيد قال سيد قطب فى كتابه “كتب وشخصيات” أن هذه الاناشيد هي من اروع ما عرفه الشعرالمنثور والمنظوم، ويقول يحيي حقي عن هذه “الاناشيد” لقد تمنيت أن اعيد طبع هذه الاناشيد على ورق انيق مزين برسوم صلاح جاهين واهديها للفتيات الصغيرات.. ويضيف النقاش قائلا: انها قصائد نثرية، أو هي مما يسميه البعض باسم الشعر المنثور، ويسميه آخرون باسم قصيدة النثر”.. ويؤكد النقاش على أن ينابيع الشعر عند يحيي حقي كثيرة، ومن اهمها على الاطلاق أنه كان حريصا على أن يعيش “وحيدا” منذ البداية إلى النهاية، بمعني أنه كان يسعي إلى الاستغلال الذاتي دون أن يندمج فى أي قوة سياسية قد تؤثر على أفكاره ويرجع ذلك إلى أن يحيي حقي كان صادقا مع نفسه، وأن الصدق كان يكفيه كما اراد لكي يبدو للناس معدنه النبيل.
قطب وحقي
ومن اهم فصول الكتاب الفصل المعنون “بين يحيي حقي وسيد قطب” والذي يورد فيه رجاء النقاش العلاقة الادبية التي جمعت بين الرجلين فسيد قطب هو أول ناقد بشر بموهبة يحيي حقي – كما فعل نفس الامر- مع نجيب محفوظ، فعندما صدرت رواية “قنديل أم هاشم” عام 1944 بادر “قطب” بنشر مقالة فيم جلة “الرسالة “ يشيد فيها بالاسلوب الجديد والمبتكر عند يحيي حقي. ويورد النقاش مقولة حقي عن سيد قطب من خلال الحوار معه الذي نشره الناقد الراحل فؤاد دوارة فى كتابه “عشرة ادباء يتحدثون” الذي يقول فيه : “الحقيقة أن قنديل أم هاشم كان يمكن أن تبقي فى الظل لفترة طويلة فلا يلتفت إليها احد لولا أن ناقدا كبيرا احس بقيمتها وادرك اهميتها وانفعل بما فيها من جمال وصدق وعمق وهو سيد قطب الذي كان فى ذلك الوقت أي فى اربعينيات القرن الماضي من اكبرنقاد الادب العربي، وكانت كلمته موثوقا بها فى صفوف الادباء وبين جماهير القراء على السواء، وقد ظل سيد قطب يحتل مكانة الرفيع فى مجال النقد الادبي حتي سافر الي امريكا حوالي سنة 1949 فى بعثة دراسية قصيرة عاد بعدها لينفض يده من الادب والنقد ويدخل ميدان العمل السياسي والدعوة الدينية، وهي المرحلة المليئة بالعواطف التي انتهت بمحاكمته واعدامه سنة 1966.
موقف حكيم
ويكشف رجاء النقاش- فى كتابه الممتع- عن بعض المواقف التي اضرت بيحيي حقي خاصة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فقد كان حقي مديرا لمصلحة الفنون فى وزارة الثقافة المصرية، وقد سرب البعض تسجيلا لبعض الاشخاص الذين تطاولوا على عبد الناصر ومنهم الناقد محمود شاكر والشيخ الباقوري- وزير الاوقاف فى ذلك الوقت، وكان يحضر هذه الجلسة “يحيي حقي”، وقد قرر عبد الناصر عزله من منصبه إلا أن د. ثروت عكاشة تدخل فى الامر، بحكمة بالغة، وطالب عبد الناصر بأن ينقل حقي إلى وظيفة ادارية فى “دار الكتب” وأن يتولي رئاسة تحرير مجلة “المجلة”، لأن عزله سوف يؤدي إلى أن يتحدث البعض فى الخارج عن تراجع الحريات فى مصر، فوافق عبد الناصر.. وفى الفصل المعنوان بـ “ثروت عكاشة ينقذنا من فضيحة ثقافية” يروي “النقاش” تفاصيل القصة كاملة عبر استشهادات من “مذكرات ثروت عكاشة فى السياسة والثقافة” و”مذكرات الشيخ الباقوري”.. وبعد: هذا كتاب جدير بالقراءة لان مؤلفه “رجاء النقاش” صاحب الاسلوب النقدي المتفرد، كتبه بحب شديد عن شخص وشخصية يحيي حقي المصري حتي النخاع وأحد أكثر الذين عبروا عن الشخصية المصرية فى ابداعاتهم. الكتاب يقدم لنا يحيي حقي انسانا اولا عبر تفاصيل من حياته ومواقف اثرت – بالتالي على ابداعه.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.