خطر صناعة الفوضى فى الجنوب الليبى على مصر

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 27 سبتمبر 2017 - 2:17 مساءً
خطر صناعة الفوضى فى الجنوب الليبى على مصر

من دون مناسبة واضحة أصدرت جماعة الإخوان المسلمين فى سورية بياناً سياسياً وجهته «إلى أبناء شعبنا السوري الحر الأبي»، و «إلى أبناء أمتنا العربية والإسلامية الأماجد»، و «إلى أحرار العالم فى كل مكان»، تضمن فقرتين: «تأكيدات» و «إعلانات ومواقف»، عرّج فى الأولى على موقف «الجماعة» السياسي ومشاركتها فى التاريخ السياسي والثورة السوريين، وطبيعة مواقفها وثباتها عليها، وذكّر بالوثائق التي سبق وأصدرتها «الجماعة» فى العقد الماضي (ميثاق الشرف الوطني فى 2001، والمشروع السياسي فى 2004، ووثيقة عهد وميثاق فى 2012)، ومر فى الثانية على الوضع الجديد فى سورية فأورد مواقف «الجماعة» من «الثورة السورية» و «الحل السياسي» و «المنطلقات الإثنية أو الدينية أو المذهبية» و «الاحتلالين الروسي والإيراني» للأرض السورية، وعرض منطلقات «الجماعة» فى تعاطيها مع الوضع الراهن فى سورية من «الحفاظ على هوية الشعب السوري، ووحدته المجتمعية، ووحدة أرضه الجغرافية» إلى رفض «التوقيع على أيّ وثيقة أو حلّ نهائي لا يتضمّن إبعاد بشار الأسد وإنهاء دوره سواء فى المرحلة الانتقالية أو فى مستقبل سورية» مروراً بمحاسبة المجرمين «الذين ارتكبوا المجازر بحق أبناء شعبنا، أمام قضاء حرّ ونزيه وعادل» و «تحقيق أهداف شعبنا بتأسيس دولة وطنية ذات سيادة، تضمن أمن جميع المواطنين وأمانهم وحرياتهم وكرامتهم، والمساواة التامّة فى ما بينهم، كما تضمن وقف جميع أشكال التمييز العرقي والطائفى والحزبي والفئوي».

يقول المثل الشائع لدى قادة حروب العصابات قديما: “الطبول تدق فى الشرق، بينما الضرب فى الغرب”. وهذا ما يحدث فى جنوب ليبيا. فقرع الطبول موجود فى الأمم المتحدة وفى عواصم غربية، بينما الضرب يجري فى الجنوب الليبي، لفصله عن باقي البلاد.
ويبدو أن العديد من الدول الأوربية أصبحت تنفذ مقولة حروب العصابات على العرب، من المحيط إلى الخليج. ضجيج صوتي فى مكان، بينما العمل على تغيير الواقع على الأرض يجري فى مكان آخر.
وأقرب مثال على ذلك جنوب ليبيا. ففى الوقت الحالي تقوم كل من فرنسا وإيطاليا بأكبر حملة لجلب الأفارقة وتوطينهم فى إقليم فزان، وهي تستخدم فى هذا مجموعات من التنظيمات المتطرفة، حتى تجد تلك الدول ذريعة مستقبلا للتدخل العسكري بحجة محاربة داعش، بينما هدفها الحقيقي فصل جنوب ليبيا عن باقي البلاد.
ودخلت قطر على الخط، لتحقيق أهدافها الخاصة، ومنها الاستفادة من مخزون الغاز الطبيعي، وإيجاد ملاذ آمن للمتطرفين الدوليين الذين ترعاهم عبر العالم، وبالتالي زيادة الضغوط على مصر، بالإضافة إلى سعيها للدخول فى شراكات مع كل من إيطاليا وفرنسا لتبادل المنافع فى الجنوب الليبي.
واستضافت قطر قيادات محلية من الجنوب لهذا الغرض، وساعدت على زيارة وفود من هذه القيادات إلى روما وباريس خلال الشهور القليلة الماضية. وهي فى الوقت الراهن تحاول استقطاب قيادات عسكرية من أصول قبلية من الطوارق والتبو، لكي يكونوا زعماء فى المستقبل لـ”إقليم فزان المستقل”.
الجنوب الليبي غني بالنفط، ويوجد فيه أكثر من خمسين فى المائة من مخزون النفط الليبي، وهو غني بالذهب واليورانيوم وغيره من المعادن الثمينة. وبسبب التضييق عليها، بدأت كثير من القبائل الليبية فى الهجرة إلى المدن الليبية فى الشمال، أو الهجرة إلى دول أخرى.
ومعروف أن ليبيا تخضع لرقابة جوية وبحرية وبرية من جانب الأمم المتحدة. لكن هذا لم يمنع وصول عدة ألوف من المهاجرين الأفارقة، وكذلك وصول مئات من عناصر الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها داعش، إلى الجنوب الليبي. يجري هذا مع بعضه بعضا. وأسس تنظيم داعش قواعد جديدة له فى منطقة الكُفرة ومحيط سبها وبلدة القطرون.
أي فوضى فى ليبيا يعني استمرار الخطر على مصر. وأي استقرار فى ليبيا سيؤدي إلى تحسن الأحوال الأمنية والاقتصادية فى مصر. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الذين فشلوا فى اختراق الدولة المصرية عن طريق جماعة الإخوان وباقي الجماعات المتطرفة، يسعون بشكل محموم إلى التضييق على مصر من خلال الأراضي الليبية.
الدول الأوربية تعمل بشكل مستمر على اللعب على الساحة الليبية دون ضابط ولا رابط. وهي تعمل فى الخفاء لتحقيق مصالح اقتصادية لها، وفى نفس الوقت محاصرة الدولة المصرية مستقبلا لاعتبارات كثيرة. ويكفى أن ترجع إلى التاريخ لكي تعلم أن مصر كانت دائما مطمعا للدول الاستعمارية بسبب موقعها الجغرافى الذي يجعل منها بلدا محوريا فى العالمين القديم والحديث.
وتحرص الدول الأوربية وهي تعمل على تغيير الواقع فى ليبيا، على إبعاد وسائل الإعلام عما يجري بالفعل. لقد تمكنت من نشر الفوضى فى كثير من المدن الليبية، فى الشمال، من أجل إرهاق الليبيين، وإجبارهم على القبول بحكم التيارات المتطرفة، وهي تيارات مصنوعة على يد المخابرات الأجنبية، واستغلتها حكومات أوربا وأمريكا على مر السنين لتحقيق مآربها.
أما فى الجنوب فعيون الأوربيين تنظر إلى حقل الفيل وحقل الشرارة النفطيين، وإلى مخزون اليورانيوم والذهب، وإلى الطرق الواصلة إلى قلب القارة الأفريقية التي كانت يوما تخضع لهيمنة ليبيا القذافي. ويوجد تنافس بين فرنسا وإيطاليا لبسط النفوذ هناك، لكن الهدف واحد؛ السيطرة. وفتح الباب لوصول مزيد من أبناء قبائل الطوارق والتبو، ذوي الأصول الأفريقية، للتوطين مع أبناء عمومتهم الليبيين فى الجنوب.. ووفقا لأحدث المعلومات من مصادر قبلية ليبية، فقد وصل عدة ألوف من قبائل التبو من تشاد ومن قبائل الطوارق، من النيجر ومالي، وغيرها من بلدان، للإقامة فى بلدات ومناطق سبها، وأم الأرانب، وتراغن، وتمنهنت، وغيرها. وبالتزامن مع هذه العملية التي تهدف إلى التغيير الديموجرافى على الأرض، فتحت تلك الدول الباب واسعا لأكبر هجرة للدواعش من العراق وسوريا، إلى الجنوب الليبي، عبر عدة مسارات.
المسار الأول نقل الدواعش من العراق وسوريا، إلى تركيا، ثم إلى تونس، ومن تونس يعبرون الحدود إلى بلدة صبراتة الليبية، وبعد التجمع فيها، تنطلق قوافل الدواعش إلى الجنوب. والمسار الثاني نقل الدواعش المهزومين فى العراق وسوريا، إلى تركيا، ومنها، وعن طريق الطائرات، إلى الحدود السودانية الليبية القريبة من الحدود المصرية فى منطقة العوينات. ومن هناك يتم تزويدهم بالعتاد، ويدخلون لمراكز استقبال معدة سلفا فى جنوب ليبيا.
توجد مراقبة جوية على مدار الساعة من دول أوربية على الجنوب الليبي، لكن لا أحد يتحرك. حتى الغارة الحربية التي نفذتها قوات أفريكوم الأمريكية، على مركز للدواعش، لم يكن فى الجنوب، ولكن فى محيط بلدة سرت فى الشمال، وكأن الرسالة التي يريد الغرب إرسالها إلى الدواعش، هي أنه أصبح مسموحا لهم بالعمل فى الجنوب وليس فى الشمال. فالأولويات تغيرت.
لقد تسلطت الأضواء على الكلمات والخطب الرنانة التي ألقاها مسئولون دوليون عن ليبيا خلال اجتماعات الأمم المتحدة قبل أيام، وبينما كان الحديث المعسول، من فوق منصة المنظمة الدولية، عن الديمقراطية والاستقرار والمصالحة فى ليبيا، كانت قوافل المهاجرين الأفارقة وقوافل الدواعش، تستوطن الجنوب، لتمهيد الأرض لفوضى واقتتال وتدخل أجنبي مباشر، من شأنه أن يهدد الدولة الليبية، ويهدد جيرانها أيضا، وعلى رأسهم مصر.

عبد الستار حتيتة

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.