وداعا “لينين الرملى” ..كوميديا تنتصر للحرية والعدل وتواجه الارهاب

329

بقلم: محمود دوير
رحل عنا الفنان الكبير لينين الرملى بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء الفنى عن عمر 75 عامأ، وكان صاحب مدرسة فى تاريخ المسرح المصرى جمعت أوجاعنا ونواقصنا وتناقضاتنا من خلال كوميديا شديدة الرقى تحمل رسالة مهمومة بالإنسان العربى كاشفة بجلاء كل ما يعانيه وما يحلم به .. هو من قدم لنا المسرح “وجهة نظر” وتحدث بتلقائية وبساطة رغم أنه “بالعربى الفصيح ” كشف عن “الهمجى “بداخلنا ” ووصنع من السينما صورة “البداية”، وكان صلبا فى مواجهة “الإرهابى”.
كانت صرخة لينين دائما فى وجه القبح والتطرف واستغلال الدين منحازا لقيم الحرية والعدل والمساواة وصنع مسرحا شديد الجراة، لا يتردد فى اطلاق صرخته مدوية فى وجه الجميع عسى أن نفيق من نومنا العميق فكانت رؤيته للانسان بكل نواقصه وعيوبه فى “الهمجى”.
ولد “لينين” فى 18 أغسطس 1945 من ابوين من رموز الحركة الشيوعيىة المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، فوالده “فتحى الرملى” أحد رواد الصحافة اليسارية وأمه “سعاد زهير” واحدة من رموز الحركة الشيوعيه المصرية، ومن هنا جاء إختيارهما لاسم الطفل “لينين” وكان شقيقه يحمل اسم “ستالين”، حصل على بكالوريوس المعهد العلي للفنون المسرحية، قسم النقد وأدب المسرح عام 1970
وبدأ حياته بكتابة مقال ساخر فى صحيفة “العمال” تحت عنوان “أدب وقلة أدب” وللرملى تجارب عديدة فى كتابة القصة القصيرة كانت تنبىء بقدرات على صنع الدراما وإمكانيات موهبة شديدة الغنى فى الحكى والتقاط اللحظات الهامة والغوص فى التفاصيل الإنسانية والإجتماعية ونشر عددا من أعماله الإبداعية مبكرا.
رفض “لينين” أى محاولة لتغيير اسمه رغم الضغوط التى واجهته فى بداية حياته الفنية ورفض نشر أعماله أو تقديم نصوصه المسرحية، وروى الراحل أن مواقف صعبة مر بها بسبب اسمه خاصة عندما طلب منه “صلاح جاهين” تغيير اسمه لكى تنشر أعماله أو عندما تهرب “فؤاد المهندس” من تقديم أعماله المسرحية فى بدايات “لينين” متسائلا فى دهشة واستنكار “هتكتب اسمك ده على الافيش”، لكن موهبة “لينين” الاستثنائية فرضت اسمه وأعماله رغم كل التحديات.
يمثل مسرح لينين الرملى من وجهة نظر كثير من النقاد أهم حالة مسرحية فى مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وسوف يستمر تأثير ما قدمه للمسرح المصرى لسنوات طويلة، فقد نجح بشكل لافت فى تحقيق عدد من المعادلات الصعبة جدا فى المسرح المصرى عبر تاريخه الطويل، ومن أهم تلك المعادلات ذلك التوازن بين الشكل المبهر من خلال كوميديا تخرج من الوجع وضحكة تعتصر الدموع، كما أنه قدم مضمونا شديد الأهمية والمغزى فى كافة أعماله وناقش أهم القضايا الانسانية والسياسية والاجتماعية وامتلك قدرة نادرة على الجمع بين مسرح – الفرجة – ومسرح المضمون والرسالة، كما نجح “لينين” فى تحقيق نجاح جماهيرى كبير ورضاء واسع من النقاد ويعود الفضل للراحل الكبير فى مواجهة “مسرح الابتذال” الذي سيطر على المسرح المصرى سنوات طويلة وأطلق عليه المسرح التجارى – أو الكباريه المسرحى.
قدم “الرملى” مسرحا ثوريا فى طرحه وأفكاره لكنه خاضع لاعلى درجات الانضباط المسرحى المتعارف عليه، مما ساعد على سهولة أن تصل رسالته الفكرية للمتلقى، وكان الانسان دوما هو قضيته ومحور شخصياته فانشغل بهمومه وأحلامه وناقش معاناته بكل تجلياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
كان من رموز الفن الذين يرون فى الفن رسالة وغاية لتغيير واقع الناس وتوعيتهم بما حولهم ليس مجرد وسيلة للتسليه أو طريقة للالهاء عن تفاصيل يومهم
ظل “لينين” مخلصا للمسرح حتى آخر لحظات حياته، لكن قدم أيضا أعمالا مميزة فى السينما والتلفزيون وحققت تلك الأعمال نجاحا كبيرا، إلا أن مشروعه الأهم كان على خشبات المسرح، والبداية كانت عام 1974 مع أول مسرحية “أنهم يقتلون الحمير” واستمرت تعرض طويلا بنجاح, وعرضتها فرقة المسرح الشعبي بالكويت باسم “أربعة ضد واحد” عام1975 ثم لحقت بها مسرحية ( انتهى الدرس) من إخراج “السيد راضى”، فحققت نجاحا أكبر وقدم مع النجم فؤاد المهندس مسرحية “سك على بناتك ” عام 1980 عرضت له حتى الآن 39 مسرحية منها ست مسرحيات قصيرة.
في عام 80 أسس فرقة ” أستوديو 80 “ مع محمد صبحي، ونجح هذا الثنائى الفنى في تقديم عدد من العروض المسرحية التى حققت نجاحا، وقدم مع “صبحى” من خلال “ستوديو 80 ” ست من مسرحياته حققت نجاحا كبيرا وهى مسرحيات ” المهزوز، أنت حر، الهمجي، تخاريف، وجهة نظر، بالعربي الفصيح “وتكون الأخيرة هى آخر ما قدمته فرقة “استوديو 80 ” وينتهى هذا الحلم المسرحى الذى ملأ المسارح المصرية وهجا وتألقا ونجاحا.
وفى عام 1993 أسس بمفرده فرقة أستديو2000، وقدم من خلالها مسرحيات “الحادثة، وجع الدماغ، جنون البشر، أسرار الكاميرا الخفية، اعقل يا دكتور، آدم وحوا ” كما قدم خمس مسرحيات تجريبية قصيرة وهى مسرحيات “الكابوس” ومثلت مصر في مهرجان قرطاج بتونس عام 1993 و( العار) و”مجد وغلب” عام 1994، و( الشيء ) ‏و( كلنا عايزين صورة ) عام 2000، واسند بطولة كل تلك العروض لوجوه شابة إضافة إلى شباب من الهواة اختارهم ودربهم بنفسه.
وفي 1998 أعاد إنتاج مسرحية “بالعربي الفصيح ” بمجموعة جديدة من الهواة من الإسكندرية وأعاد إخراجها بنفسه وعرضها وسط مسرحيات الصيف بالإسكندرية ثم في المسرح القومي حيث سجلت تليفونيا.
بدأت علاقة “الرملى” بمسرح الدولة عام 1989 بعرض “أهلا يا بكوات” والتى حققت نجاحا كبيرا وحققت أعلى إيرادات فى تاريخ مسرح الدولة منذ تاسيسه ثم “وداعا يا بكوات” و “تحب تشوف مأساة ؟ ” عام 2002، وعرضت له فرقة المسرح الكوميدي ثلاث مسرحيات هى “عفريت لكل مواطن “عام 1988 و ” اللهم اجعله خير ” عام 1997 ” صعلوك يربح المليون ” عام2003.
وفى 2018 قدم المسرح القومى مسرحية “إضحك لما تموت” بطولة محمود الجندى وفاروق الفيشاوى كما قدم له مسرحيات ” ذكي في الوزارة ” و” في بيتنا شبح ” و”اخلعوا الأقنعة ”
رغم بداياته التلفزيونية المبكرة إلا أن إنتاجه للدراما لم يكن كبيرا بالمقارنة بالمسرح، حيث كتب للتلفزيون منذ عام 1967 ومن اشهر أعماله. منها ” فرصة العمر، حكاية ميزو، شراره ، مبروك جالك ولد، هند والدكتور نعمان، دعوة للزواج “.
وقدم الرملى للسينما 12 فيلما سينمائيا، منها ثلاثة أفلام مع صلاح أبو سيف هم: ” و” السيد كاف ” و”البداية” والذى يمثل أهم اسهامات الرملى للسينما ودرة ما كتبه للسينما وحصل على الجائزة الأولى في مهرجان فيفاى للأفلام الكوميدية عام 1987
وبدأت علاقته بالسينما منذ عام 1972 كتب أول أعماله السينمائية مع المخرج الكبير “صلاح أبو سيف” وهو فيلم “النعامة والطاووس” والذى ظلت الرقابة ترفضه لمدة25 سنة إلى أن قدمه المخرج “محمد أبو سيف عام 2002.
وكان فى طليعة الفنانين الذين خاضوا معركة مصر ضد الإرهاب والإسلام السياسى وأول من كتب لمواجهة موجة الارهاب فى حقبة التسعينيات، وقدم مع المخرج نادر جلال والنجم عادل إمام فيلم “الإرهابي” عام 1994 ، كما قدم عددا من الأفلام الكوميدية الناجحة منها “بخيت وعديلة 1 ” و”بخيت وعديلة 2 “.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق