الاقتصاد من الانكماش إلى الركود

317

انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي.. وضعف الإنتاج والطلبات الجديدة والتوظيف

جودة عبدالخالق: الركود متوقع بسبب سياسات الإصلاح الاقتصادي

شرين الشواربي: من الصعب أخذ إجراءات تحمي القطاعات من الركود وقت الأزمات

عبدالرحمن عليان: عدم الاستقرار في السوق العالمي السبب

 

تحقيق : شيماء محسن

أظهر مؤشر مديري المشتريات (PMI)، انكماشا في نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر، خلال شهر فبراير الماضي، للشهر السابع على التوالي، ومع ظهور فيروس كورونا واتخاذ الحكومة إجراءات احترازية وحظر تجوال، من المتوقع استمرار حالة الركود فى الاقتصاد، وسط توقعات د. هالة السعيد، وزيرة التخطيط انخفاض معدل النمو إلى 4.2 بالمائة فى العام الجديد، وقد يستمر الانخفاض حال استمرار تداعيات كورونا.

كانت الحكومة قد أطلقت عدة مبادرات الشهر الماضى لتنشيط الاقتصاد، وهى المبادرات التى أطلقها طارق عامر، محافظ البنك المركزي، إلا أن كورونا عطل أثر تلك المبادرات مؤقتا فى تنشيط الاقتصاد.

وقال فيل سميث، الخبير الاقتصادي الرئيسي في مجموعة IHS Markit، أن القطاع الخاص غير النفطي في مصر، ظل غارقا في الركود منذ شهر فبراير، مبينا أنه على الرغم من تحسن مؤشر مديري المشتريات من أدنى مستوى خلال 3 أعوام في يناير الماضي، إلا أن البيانات الأخيرة لا تزال تظهر ضعفا واسع النطاق عبر الإنتاج والطلبات الجديدة والتوظيف .

وأشار إلى أن أدلة الدراسة إلى وجود حلقة مفرغة من ظروف سوق العمل الضعيف، التي تؤدي إلى انخفاض المبيعات المحلية، وبالتالي مزيد من الانخفاض في عدد الموظفين، موضحا أنه من المشجع أن نرى الشركات تحاول كسر هذه الحلقة عن طريق خفض أسعار الإنتاج، كجزء من الجهود المبذولة لزيادة المبيعات.

ضعف الطلب الخارجى

ولسوء الحظ بالنسبة للشركات المحلية، فإن ظروف السوق المحلية الصعبة، تتفاقم بسبب ضعف الطلب الخارجي، مع استمرار انخفاض طلبيات التصدير بشكل حاد في فبراير، لافتا إلى أن انتشار فيروس كورونا في الصين، لا يؤثر سلبا على مبيعات التصدير فحسب بل يضعف ثقة الشركات أيضا، حيث إن استمرار تراجع نشاط القطاع الخاص ناتج عن انخفاض معدل الطلب، بعدما أشارت شركات القطاع الخاص إلى تراجع الأعمال للشهر السابع على التوالي.

وأضاف أن ضعف ظروف سوق العمل، استمر في تقويض الطلب المحلي، كما أظهرت البيانات تراجعا حادا آخر في الأعمال الجديدة الواردة من الخارج، حيث إنه انخفضت طلبات الإنتاج وقلصت الشركات غير النفطية خلال فبراير نشاط التوظيف والشراء، كما انخفضت أعداد الموظفين بأسرع معدل منذ سبتمبر 2017 في حين كان انخفاض مستويات الشراء هو الأقوى في 3 سنوات تقريبا، وانعكس انخفاض الطلب على المواد الخام ومستلزمات الإنتاج الأخرى على استقرار مواعيد تسليم الموردين، بعد تدهورها خلال الشهرين السابقين .

سياسات الإصلاح الاقتصادي

وأكد الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن ركود القطاع غير النفطي، كان متوقعا بسبب سياسات الإصلاح الاقتصادي، بسبب رفع الأسعار علي السلع الضرورية بنسب مرتفعة وخاصة شراء الخدمات الأساسية، فمن وجهة النظر الاقتصادية للأسرة، فإنها تحاول أن تتكيف مع ارتفاع الأسعار، بتغيير الأولويات، حيث إن الأسرة أعطت الأولوية للطعام والشراب، بجانب ارتفاع فواتير المياه والكهرباء، وكذلك النقل والمواصلات، وبالتالي تم تخفيض النفقات علي الترفيه والملابس وغيره، مما خلق موجة من التسيب في الأسعار .

وأوضح أن العديد من الصناعات الصغيرة وبعض الصناعات المتوسطة، توقفت والبعض الآخر، بدأ الاستغناء عن العمالة أو العمل لعدد ساعات أقل، بسبب العجز عن تسويق منتجاتهم، لافتا إلى أن الصناعات الحديثة وصناعة مستحضرات التجميل وغيرها والأدوات المنزلية، تأثرت بشكل كبير بسبب انكماش السوق نتيجة للإصلاح الاقتصادي، كما أن مديري المشتريات في الشركات، يؤكدون أن فرص التسويق تنخفض والطلبيات الجديدة تنخفض بشكل أكبر، لذلك تعتمد الشركات على العروض لترويج المشتريات، مؤكدا أن ما يحدث هو ناتج عن خطأ في برنامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التطبيقات .

وشدد أن المشكلة تكمن في أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعلن أن موازنة 2020 سيتم فيها زيادة  7 أو 10% بالنسبة للعاملين سواء المخاطبين بالخدمة المدنية أو غيرهم، ولكن هذه الزيادة أقل من معدل التضخم، لأنها تؤدى إلى انخفاض الدخول الحقيقية، فمعدل التضخم حاليا لا يقل عن 20%، لافتا إلى أن المشروعات غير النفطية، يتم انكماشها، لذلك فالدولة بحاجة إلى تعديل جذري في السياسة المالية، بالإضافة إلى تغيير السياسة الاقتصادية .

وتابع أنه لتخفيف هذا التأثير على المواطنين، يجب تشجيع المنتج المحلي وخفض الأسعار، ويرجع ذلك إلى نية الحكومة في تطبيق مثل هذه المبادرة، ولكن الحكومة تعتمد في مواجهة هذه الظاهرة ” انكماش السوق “، وما يترتب عليه من ضغوط علي المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بتخفيض إنتاج السوق، والسؤال هو كيفية تشجيع الإنتاج المحلي..وكيفية تخفيض الأسعار؟ ! .

وأشار إلى أن التجمع له تاريخ كبير في النضال لضبط الأسعار، فالحكومة تنادى بإتاحة السلع للمواطنين بأسعار منخفضة ومنع الاحتكارات، ولكن على أرض الواقع، ففي كل مجال من المجالات الاقتصادية في كل الأسواق، يوجد أباطرة لهذه الأسواق، كمجال الورق والأدوية ومستلزماتها، مشيرا إلى أن الحل يكمن في المواجهة السياسية، فلابد من إرادة سياسية، للتصدي لهؤلاء المحتكرين، فإذا وجدت الإرادة سوف تتحقق، ولكن هل الحكومة، لديها الشجاعة، للتصدي لأباطرة السوق في كل مجال من المجالات .

وطالب بضرورة تغيير قانون حماية المنافسة ومنع الملابسات الاحتكارية، لتقوية الجهاز وقدرته على مواجهة أباطرة الأسواق، فركود القطاع غير النفطي، بسبب أن معظم هذه الصناعات في نطاق القطاع الخاص والقطاع الخاص محكوم بمقتضيات السوق العرض والطلب، والسعر هو الحل الوحيد، لتوسيع السوق، ولكن كيف يتم تطبيق ذلك في ظل الالتزام مع صندوق البنك الدولي، بأن عجز الموازنة في حدود معينة ؟! .

تدهور الاقتصاد

أما الدكتورة شيرين الشواربي، أستاذ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فأكدت أنه من الصعب أخذ إجراءات تحمي القطاعات من الركود، لأن إجراءات حماية أرواح الناس وصحتهم بالضرورة، ومن الطبيعي التأثير السلبي علي الاقتصاد، قائلة: “لازم نختار أما نعيش أو نحصل على الدعم من الدولة، أحنا عندنا طبقة هتقدر تعدي الفترة دي بدون مشاكل كبيرة كلنا هنتأثر سلبا بدون استثناء” .

وأضافت أن التوقف عن العمل والجلوس في المنازل، يسبب ضررا كبيرا لأى اقتصاد بسبب توقف الإنتاج وضعف الإنتاجية، فالحكومة لا تستطيع تقديم الدعم للفقراء بشكل مستمر في صورة ” تكافل وكرامة “، حيث أن هذه المبادرة تغطى أكثر من 50 % من الشعب المصري، بالإضافة إلى صعوبة التوصل لكافة عمال التراحيل وعمال اليومية والموسمية، وهم أكثر من تضرروا من هذه الأزمة، قائلة: “كل واحد معاه قرش يقسمه مع أخوه الغلبان كل شخص يوصل للأشخاص في منطقته اللي يقدر عليهم” .

وأشار إلى أن الإجراءات الاقتصادية حاليا، محدودة، لأن السياسة الاقتصادية غير فعالة في مثل هذه الأزمات، ومع توقف القوة العاملة عن العمل، فالحكومة يجب أن تأخذ القرار السليم فى الوقت السليم في مثل هذه المواقف، بدون تردد أو تأخر . 

معوقات

كما قال الدكتور عبدالرحمن عليان، الخبير الاقتصادي وأستاذ التجارة بجامعة عين شمس، أن شهر فبراير من كل سنة، يشهد حالة من الركود والبطء الشديد في معظم القطاعات ما عدا قطاع البترول، ولم يتم تحديد السبب حتى الآن، فحركة الشراء والبيع وحركة التجارة نفسها ” الاستيراد والتصدير ” لديها معوقات كبيرة، بسبب عدم استقرار الأسعار العالمية، وخاصة القطاعات غير النفطية” .

وأضاف أن سبب الركود في القطاع غير النفطي، يرجع إلى عدم الاستقرار في السوق العالمي وليس مصر فقط ، وبالتالي فمن المتوقع هذا الانخفاض، مبينا أن القطاع الوحيد الذي لا يتأثر بهذا الانخفاض بخلاف قطاع البترول، هو قطاع قناة السويس، فحركة التجارة في قناة السويس شبه مستقرة، بالرغم من أن حركة الصادرات والواردات قد تتوقف أو بطيئة جدا، لان جزءا كبيرا من وارداتنا من الصين، توقف تلقائيا مع ظهور الوباء ” كورونا المستجد ” بعد وقف التعامل مع الصين .

وأكد أن حركة القطاع في 7 شهور الماضية، حركة طبيعية، مع البطء الشديد منذ ديسمبر الماضي، مع ظهور الفيروس وخصوصا مع الصين وجنوب شرق أسيا، فسبب هذا الانخفاض، يرجع إلى نقص العملة، وغياب الثقافة لدى المواطنين.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق