الروائى نصر عبد الرحمن لـ”الأهالي” : وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في هدم المركزية الثقافية 

*كل من ينشر قبل نضوجه فنيًا ضحية لبعض المطابع التي تطلق على نفسها اسم دور نشر..واستحضار الطبيعة القاسية واستلهام العناصر والإيقاعات التراثية .. ملامح تجارب الشعر الأفريقي 

417

حوار: أمل جمال

أكد نصر عبد الرحمن، روائي ومترجم، أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في هدم المركزية الثقافية، وقال فى حواره إلى « الأهالى» : إن كل من ينشر، قبل نضوجه فنيًا، ضحية لبعض المطابع التي تطلق على نفسها اسم دور نشر، ولكنه أكد فى الوقت نفسه أن هناك تجارب جادة فى الفترة الأخيرة.

  لماذا بعيد عن الساحة الأدبية؟

يرجع الأمر إلى تركيبتي الشخصية التي تنفر من الزحام والتجمعات الكبيرة. كما أعاني من بعض المشاكل الصحية التي تجعل من حضوري بعض الفعاليات المهمة أمرًا صعبًا. هذا بالإضافة إلى انشغالي الدائم بالكتابة والترجمة. وأفترض أن التواجد بمنتج جيد من حين لآخر، أفضل من التواجد الجسماني.

ماذا تمثل الترجمة لنصر عبد الرحمن؟

الترجمة رسالة مهمة في تنوير المجتمع وتغيير الواقع. إن استحضار خبرات فنية وثقافية واجتماعية من دول أخرى، يسهم ولو بقدر ضئيل في تطوير ثقافتنا، ومعرفة مكاننا ومكانتنا الحقيقية في العالم. ولقد أدركت من قراءة التاريخ، أن لحظتي النهضة الكبيرتين في المنطقة ارتبطتا بجهود واسعة في الترجمة. الأولى في عصر الرشيد، والثانية في عهد محمد علي؛ على يد رفاعة الطهطاوي. الإسهام في هذا الجهد، مع عدد كبير من المترجمين، يمنحني إحساسًا حقيقيًا بالسعادة.

وجودك خارج القاهرة يعطيك فرصة أفضل للعمل في هدوء أم يبعدك عن الأضواء؟

يبعدني عن الأضواء إلى حد ما. وإن كنت أنظر لفكرة الأضواء نظرة مختلفة. منذ غياب المركزية الثقافية، تغير مفهوم الشهرة أو الأضواء. لدينا الآن، مئات دور النشر وآلاف المبدعين، ما يعني وجود دوائر متعددة للشهرة. أظن أن جمهور روايات الرعب لن يعرف أمل جمال أو نصر عبد الرحمن. وفي النهاية، إذا وضعنا الأمرين في ميزان، فسوف أختار العمل في هدوء بلا أدنى تردد.

ما الفارق بين أديب القاهرة وأديب الأقاليم؟

البيئة ونمط الحياة يؤثران في الإبداع، لأنهما أحد مكونات صناعة الوعي. بالتالي يمكن التفريق بين مبدع القاهرة ومبدع الأقاليم عن طريق رصد المُنتج الإبداعي. وهذا هو العنصر الوحيد المُتبقي من معادلة أدباء القاهرة/ أدباء الأقاليم.

في الماضي، كانت الأولوية لأدباء القاهرة في الحصول على فرص أكبر في النشر والجوائز، ما دفع الكثير من أدباء الأقاليم إلى النزوح للقاهرة بحثًا عن فرصة، وهربًا من الهامش. لكن المعادلة تغيرت بسبب الثورة التكنولوجية، التي أتاحت فرصة أكبر للتواصل والحصول على فرص للنشر، والاشتراك في المسابقات، وترويج الإبداع من الأقاليم.

ما الرواية التي أثرت فيك بشكل عميق أثناء ترجمتها؟

ترجمت عدة روايات حتى الآن، لكل واحدة منها مذاق خاص، لكن الرواية الأهم حتى الآن هي “أنشودة الجلاد”، لأنها منحتني خبرة فنية، ومعرفة أكبر بالمجتمع الأمريكي، وأدركت أن الإنسانية تعيش نفس الظروف، وإن اختلفت الطرق. الرواية عن شخص تحوّل إلى مجرم، لأنه عانى من الحرمان والرفض الاجتماعي، وعدد من الظروف فى القاهرة. لكن الأهم أن نورمان ميللر حرص على إبراز الملامح الإنسانية للمجرم، ليس لكي نتعاطف معه، بل لكي نتفهم أسباب تحوله من عاشق إلى قاتل.

ترجمت العديد من القصائد والقصص لأدباء أفارقة.. ما أبرز الملامح التي رصدتها في شعرهم؟

حرصت على تسليط مزيد من الضوء على الأدب الأفريقي، لأنني لاحظت وجود تجارب إبداعية ومغامرات فنية جديدة لدى شباب المبدعين الأفارقة. نحن نتحدث عن مبدعين من دول أفريقية مختلفة، لكن هناك ما يجمعهم، بداية من التراث الشفاهي الإفريقي، مرورًا بتجربة الاستعمار، وتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية في الوقت الراهن، إضافة إلى الرغبة الحقيقية في تغيير الواقع لدى البعض أو اليأس والسعي للهجرة لدى البعض الآخر.

الملمح الأبرز في تجارب الشعر الأفريقي هو استحضار الطبيعة القاسية واستلهام العناصر والإيقاعات التراثية، وإعادة صياغتها بلغة حداثية. وهو ما اتخذ أشكالًا عديدة. أما عن السرد، فنحن نلاحظ اهتمامًا أكبر بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، ورصد دورها في تشكيل الحالة النفسية للفرد. إذا كان الشعر يضع الذات في مواجهة مع الطبيعة القاسية، فالسرد يضع هذه الذات في مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي المتردي. وما يثير الاهتمام هو أن المبدعين الشباب فارقوا تقنيات الواقعية الاشتراكية، واستعانوا بكل التقنيات الحداثية للتعبير عن الواقع. هذا بالإضافة إلى الروح الإنسانية التي تنطوي على خطاب يتجاوز حدود القارة.

ما هي رؤية نصر عبد الرحمن للساحة الأدبية بشكل عام؟

أشعر بالسعادة لما يحدث في الساحة الأدبية. نحن نعيش لحظة ازدهار. يجب ألا نحاكم الشباب بمعيار الماضي. هناك العديد من التجارب الجديدة التي ظهرت في الساحة الأدبية مؤخرًا، وأتوقع ظهور المزيد. والسبب في هذا هو الانفتاح على النشر. كنا نشكو قديمًا من قلة الفرص المتاحة للنشر، ونشكو الآن من كثرة المنشور من أعمال إبداعية. لكن هذا الإنتاج الغزير من وجهة نظر البعض لا يزال هزيلًا مقارنة بأرقام النشر في الولايات المتحدة وأوروبا. وأتوقع أن يؤدي التراكم إلى طفرة مهمة، تسهم في إثراء الأدب المصري. لا أهتم باللغط حول الجوائز الأدبية، لأنها ليست معيارًا للإبداع، وليراجع الغاضبون تاريخ جائزة نوبل.

وما رأيك في نوادي الأدب؟

كانت تجربة مهمة في اجتذاب الشباب المهتمين بالأدب، خصوصًا في الأقاليم. أدين لنوادي الأدب بالفضل في طباعة مجموعتي القصصية الأولى والمشاركة في عدد من المؤتمرات. وأتمنى أن يُفسح كبار الأدباء مكانًا للشباب حتى تتجدد الدماء، وأن تزال بعض العقبات البيروقراطية التي قد تقيد المبادرات الإبداعية.

وما هو تقييمك لحركة الكتابة عند الشباب؟

تقييم ما يحدث في الوقت الراهن صعب. المنشور يتجاوز القدرة على المُتابعة النقدية. لكن غزارة الإنتاج ليست سيئة في حد ذاتها. وعلينا أن نتقبل فكرة الاختلاف، وعدم وجود معيار واحد لقياس الأدب، إن وجد هذا المعيار. على أي حال، هناك تجارب جادة وتنم عن ثقافة واسعة، وقادرة على التعبير عن جيل يعاني من أزمات مُركبة، تسببت في أزمة وجودية غير مسبوقة.

وماذا عن دور فيسبوك في الكتابة والنشر؟

أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في هدم المركزية الثقافية. أتاح فيسبوك لي ولغيري الاطلاع على تجارب من مصر ومن دول عربية، والتواصل مع مُبدعين كان من الصعب التواصل معهم في الماضي. يؤدي هذا حتمًا إلى نوع من التلاقح الثقافي، ونقل الخبرات الفنية والمعرفية. من جهة أخرى، سمح بالتواصل بين المبدع والناشر، وبين المبدع وجمهور أوسع من محبي القراءة.

من جهة أخرى، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لبعض الظواهر الأدبية السلبية، التي انتشرت وأثرّت في بعض الشباب. لكن الملاحظ المُدقق سوف يكتشف سرعة زوال هذه النماذج الزائفة.

ما هي رؤيتك لعلاقة الأجيال الأدبية واستسهال الشباب لفكرة النشر؟

أعتبر كل من ينشر، قبل نضوجه فنيًا، ضحية لبعض المطابع التي تطلق على نفسها اسم دور نشر، والتي تستغل الشباب من أجل المال. لا تهتم تلك المطابع بالقيمة، ولا تراجع العمل الأدبي لكي تتحقق من امتلاكه للحد الأدنى للشروط الفنية.

من جهة أخرى، أفترض بداهة أن الكاتب الجاد قرأ كثيرًا قبل أن يتخذ قراره بالكتابة. كل كاتب جاد هو نتاج تواصل ليس فقط مع أجيال أسبق، بل كذلك مع مُنتج الثقافة العربية منذ الشعر الجاهلي، إضافة إلى الاطلاع على الأدب العالمي.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق