كورونا و الركود العظيم… كيف تحولت خطة بريكست إلى كارثة بريطانية كبري؟

413

 

تقرير مارك مجدي

تحاول جميع الدول تلافي أثار الركود العالمي الكبير قبل حدوثها, و لكن تجد المملكة المتحدة نفسها بالأخص في المأزق الأكبر الذي صنعته بأيديها.

يتوقع بنك إنجلترا أن المملكة  ستواجه الأزمة الاقتصادية الأكبر منذ 300 سنة, و ذلك في إطار أعلي نسب وفيات بالقارة الأوروبية بسبب الأزمة الصحية.

تتضاعف هذه المشاكل مع التزام المملكة باجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي و التي يترتب عليها تغير شامل في المنظومة الاقتصادية و الاجتماعية و المالية, فهي تسابق الموعد النهائي الذي وضعته لنفسها للوصول لخطة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوربي, و هو السوق الأكبر لصادرتها. و حتي الآن لا يبدو أن الاتفاق مع الشركاء الأوروبيين سينعقد, و هو ما يضع احتمالية أن تحدث صدمة كبري قد تقضي علي الاقتصاد البريطاني.

“العالم أجمع في حالة ركود اقتصادي بسبب فيروس كورونا, لكن المملكة المتحدة بالأخص تواجه مشكلة إضافية و هي الخاصة بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من هذا العام و التي لا تبدو أنها تسير علي النحو الجيد” كالوم بيكرنج الخبير الاقتصادي البريطاني المعروف.

ركود اقتصادي تاريخي

حتي دون أخذ  آثار البريكست في الاعتبار يبقي اقتصاد المملكة يعاني من أزمة حادة.

سابقاً كان قد أعلن البنك المركزي للمملكة أن الاقتصاد سينكمش بنسبة 14 % و هي أعلي نسبة انكماش سنوي منذ عام 1706. و توقع البنك أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25% في الأشهر القادمة من هذا العام.

نسبة الانكماش من 1701 ل2020

الأعمال المغلقة تبقي مغلقة, و يميل معظم الخبراء أن النشاط لن يسترد عافيته فور عودة العمل. الأسبوع الماضي بدأت الحكومة ببيع السندات بالفائدة السلبية, و هو ما يؤشر أن الطلب عليها زائد لدرجة أن المستثمرون قد يدفعوا مقابل أن يقرضوا الحكومة أموالاً.

زاد الطلب علي قروض الفوائد الثابتة و هو ما يعني أن المستثمرون قلقون من توقف النمو الاقتصادي المستمر وفقاً لمحللي الاذاعة البريطانية. “تعكس الأسواق الحقيقة الاقتصادية, و هي أن الاقتصاد قد انهار بالفعل” قال روبرت وود, الخبير الاقتصادي.

 

Coronavirus: UK interest rates cut to lowest level ever - BBC News
انخفاض معدلات الفائدة

و أعلن محافظ البنك المركزي أن معدل الفائضة قد يصبح 0,1, و هذه هي المرة الأولي في التي تُعتمد فيها الفائدة سلبية في تاريخ بريطانيا.
“الفائدة السلبية هي الملجأ الأخير”

 

انخفضت قيمة الجنية الاسترليني بقيمة 8% منذ بداية العام حيث تراجع أمام اليورو بنسبة 5%.هبط مؤشر يو كيه اكس المؤشر الرئيسي في البورصة البريطانية بنسبة 9% بينما هبط مؤشر ف ت اس اي بنسبة 26%.

في أبريل , اقترضت الحكومة 75 مليون دولار لتخفيف الضرر الواسع, و هو أعلي مقدار اقتراض حكومي منذ عام 1993. لاحقاً أعلنت الحكومة أنها تعتزم اقتراض 363 مليار دولار بحلول مارس 2021.

 

سباق مع الزمن

ترتفع المخاطر علي خلفية إعلان رئيس الوزراء بوريس جونسون التزامه بإتمام الاتفاق حول علاقة المملكة مع الاتحاد الأوروبي بنهاية 2020.

و تري جوليا هورويتز المحلل الاقتصادي, أن الفشل في التوصل إلى اتفاق قد يجبر الشركات الانجليزية علي فرض تعريفات جديدة و هو ما يهدد  سلاسل التوريدات و يرفع أسعار منتجات و خدمات هذه الشركات في مثل هذه الظروف الصعبة.

من المتاح أن تطلب الممكلة المتحدة توسيع مدة المفاوضات, بينما تصر حكومة جونسون  علي إنهاء المفاوضات هذا العام, و هو ما يعمق الأزمة, بينما لا يخفي علي أحد أن المفاوضات لا تسير علي النحو الجيد. قال مفاوض الاتحاد الأوروبي الرئيسي, مايكل بارنير, أنه ليس متفائلاً حول الوصول إلى اتفاق مع المملكة مضيفاً أن الاتحاد رتب الأوضاع علي أن ينتهي هذا العام دون أي اتفاقات تجارية.

بينما يظن قادة الاتحاد الأوروبي أن الشروط التي تقترحها المملكة المتحدة لخطة ما بعد الخروج ليست مناسبة, حيث قال ديفيد فروست أحد المفاوضين من جانب الاتحاد الأوروبي أن المملكة المتحدة تقدم مقترح أقل من المستوي المطلوب.

و بدون الوصول إلى الاتفاق ستتعمق أزمة الصناعة التي تعرضت لصدمة كبري بسبب الجائحة. يقول ديفيد هينيجو أحد الخبراء بالمركز الأوربي لدراسات الاقتصاد السياسي الدولي : ” إذا فرضت التعريفة المتبعة من الاتحاد الأوروبي علي السيارات القادمة من المملكة(10%) سيؤدي ذلك لخسائر تتراوح ل15 مليار دولار في صادرات هذا القطاع.

و يتوقع بعض الخبراء أن التوقيت المتناقص يؤثر سلباً علي اقتصاد المملكة في النصف الثاني من العام حيث يفترض أن يُسترجع نمو الاقتصاد في هذه الفترة.

الانفاق الأسري  يشكل 70 % من إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة, و هو بذلك سيحدد مسار التعافي للاقتصاد. و مع انتهاء الاغلاق,  يري هينيجو أنه من المقلق التفكير في السلوك الانفاقي للبريطانيين إذا استمروا في الادخار خوفاً من فقدان العمل بسبب ظروف الجائحة, و هو ما سيحد من فعالية الاجراءات التي تتخدها الحكومة و البنك المركزي في سبيل التعافي.

United Kingdom Household Saving Ratio | 1955-2019 Data | 2020-2022 ...
معدلات الادخار المرتفعة

مصير مسار البريكست غير الواضح يزيد من هذا القلق الذي يؤدي لمزيد من الادخار …

حتي لو توصلت المملكة المتحدة إلى اتفاق تجاري جديد مع الاتحاد الأوروبي, فهو لن يكون مكافئاً و يحقق نفس المصالح للطرفين كما كان الوضع سابقاً مع وجود بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي. و هو ما يدفع جونسون لإتمام اتفاق مع الولايات المتحدة كبديل.

 

و وفقاً للمقترح الذي قدمته الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي, أكدت الحكومة أنها لا تريد أن تكون طرفاً في سوق الاتحاد الأوروبي, و هي تسعي لاسبتدال ذلك باتفاق مع كندا و اليابان بشكل موازي لاتفاق الاتحاد مع الدولتين.

يقول كريس وود الخبير المصرفي في بنك أمريكا ” طريقة جونسون في المفاوضة تدفع لمزيد من التدهور في شروط الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي, و ذلك يؤثر بشكل سلبي علي التعافي الاقتصادي”.

و أكد رئيس وزراء أيرلندا, ليو فردكار” مسألة بريكست لم تنتهي, نحن في منتصف طريق يعج بالمشاكل”.

تمديد الفترة زمنية لا يزال مطروحاً

يتمني بعض المستثمرين أن تطلب الحكومة تمديد الفترة الزمنية لمفاوضات الاتفاق لكي لا يواجهوا مشكلات الجائحة و مشكلات منظومة ما بعض بريسكت دفعة واحدة. و لكن لطلب التمديد مشكلاته الخاصة كذلك, في حالة تمديد القترة الزمنية ستفوت المملكة مناقشات الميزانية طويلة الأمد الخاصة بالاتحاد الأوروبي و التي تعقد في 1 يناير, و هي مليئة بالبنود التي تخص المملكة بشكل مباشر حتي بعد خروجها من المنظومة. مما قد يحدث مشكلة كبيرة ستعيق اقتصاد المملكة في بناء منظومته الاقتصادية الخاصة.

من المقرر أن يعقد مؤتمر عالي المستوي بين الطرفين في يونيو القادم لاستمرار المفاوضات, و سيكون عليهم حسم مسألة التمديد.

قال ديفيد فروست المفاوض من الجانب الأوروبي:” التمديد لن يناقش الآن, و لكن جميعنا نعرف أنها مسألة ملحة.. بمجرد أن تمر العاصفة علي القادة السياسيين من كلا الطرفين أن يسألوا أنفسهم ” هل نتعامل مع عامل آخر من عوامل الشك و القلق أم نفكر في التمديد؟”.

يبدو أن المأزق البريطاني شديد الخطورة, فالأزمة الاقتصادية و الأزمة الصحية تجعلان من خطوة خروج الاتحاد الأوروبي هذا العام عملية شبه مستحيلة, و في نفس الوقت لا يمكن أن تتحمل حكومة جونسون الآثار السياسية لتأجيل الخروج, و حتي لو انتصرت الظروف لسيناريو التأجيل ستصبح المملكة في حالة مبهمة كونها لم تعد داخل منظومة الاتحاد الأوروبي بالفعل و لا خارجها كذلك.

 

مصادر و قراءات:

https://www.politico.eu/article/will-the-coronavirus-kill-the-brexit-negotiations/

https://edition.cnn.com/2020/05/07/economy/uk-economy-bank-of-england/index.html

https://edition.cnn.com/2020/05/22/economy/uk-economy-coronavirus-brexit/index.html

https://edition.cnn.com/2020/05/18/economy/europe-economy-merkel-macron/index.html

https://edition.cnn.com/2020/03/11/investing/bank-of-england-rate-cut-coronavirus/index.html

https://www.bbc.com/news/world-52196817

https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/may/06/tories-brexit-coronavirus-boris-johnson

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق