أمينة النقاش تكتب:سيرة راندا شعث الخلابة

178

ضد التيار

سيرة راندا شعث الخلابة

أمينة النقاش

أمريكية بالمولد، مصرية بالأم والإقامة، فلسطنية الأب والهوية، ولبنانية بجدتها لأبيها. ولدت الفنانة راندا شعث المصورة والكاتبة والباحثة فى الولايات المتحدة، لأم مصرية  الكاتبة والمترجمة “صفاء زيتون” وأب فلسطينى ” نبيل شعث” أمه لبنانية، كان يدرس للحصول على الدكتواره، وعادت من أمريكا فى الثالثة من عمرها للعيش فى القاهرة وبيروت والجزائر وسويسرا. لكن الإسكندرية بقيت دوما فى تلك الرحلة، مبعثا لخزائن لا تنضب من الذكريات المرحة والحزينة, وأيام الصفاء والونسة والهنا. جابت راندا معظم بلاد العالم زائرة وعاملة وعارضة لفنونها المصورة، وفى كل أرض حطت عليها كانت تبحث عن فسطين وعن نفسها: وهل هناك فرق يا ترى ؟! جمعت راندا فى شخصيتها الفريدة بعض سمات الأمة فأمست تبحث فى أشلائها المتناثرة ومنمنماتها وحجرها وبشرها وشوارعها ما يصنع حياة، منذ عشقت التصوير، ورافقت رحلة تطوره من التحميض إلى الديجتال الرقمي، وكانت غرفة التحميض المظلمة بالنسبة لها موطنا للسحر والخيال.

وفى سيرتها “جبل الرمل” الصادرة مؤخرا عن دار الكرمة، انتشلتنى راندا شعث من ليل قائظ الحرارة، وحظر بالغ الوطأة، وما أن بدأت قراءتها حتى تفتحت أمامى، عبر سرد يحفل بحصيلة لغوية عميقة وجميلة تتدفق كنهر، يجمع بين الطلاوة والانسياب، عوالم من الفتنة والجمال والبهجة، وهبت فى المكان نسائم هواء عليل من بحر الإسكندرية وبيروت والجزائر، وروائح ورد وفل منبعث من حدائق تتمايل فيها أغصان شجر الفاكهة والنخلات الباسقة، وحياة أسرية غنية ومتنوعة، تحتضنك تفاصيلها اليومية بأفراحها وأحزانها، وتملأ يومك بالبسمة المكللة بالدموع .

وشائج عدة تربط بين الكاتبة وبين الجدة لأمها “تيتة فاطمة” التى أهدتها الكتاب. فالجدة  التى تعيش فى المندرة بالإسكندرية، امرأة جبارة استثنائية، ترملت وهى فى الثالثة والثلاثين من عمرها، وعكفت على تربية ثمانية أبناء، وتعليمهم حتى المراحل الجامعية ليصبح بينهم صيدلانية ومترجمة وأول مهندسة زراعية فى مديرية التحرير، فضلا عن رعاية بعض الأحفاد بمعاش ضئيل، وبارادة من حديد، وحكمة لا تتناسب مع صغر عمرها، ومحبة غامرة للحياة: تزرع وتطهو وتخبز وتدكر النخل -تلقحه- وتنقش الكحك وتصنع الكحل  وتخلل الثمرات، وتصيغ من كل ذلك لأبنائها ومن حولها حياة عامرة بالخير والرعاية  والمحبة  فضلا عن الجمال.

راندا فقدت أمها فى حادث سيارة عبثى، وعادت من الولايات المتحدة بعد دراستها لماجستير فى الإعلام المرئى، لتجد نفسها مسئولة عن أسرة مكونة من أخوين وأب أرمل، وكان عليها وهى تتنقل للعمل كمصورة ومصممة للكتب فى دار الفتى العربى ومنها  للعمل فى صحيفة الأهرام ويكلى ثم صحيفة الشروق، أن  توفق بين أن ترعى كل احتياجات الأسرة، وبين متطلبات عملها التى تستدعى التنقل والعمل وسط المظاهرات والبقاء فى قلب الأحداث المشتعلة، وأحيانا السفر خارج البلاد. ومع ذلك تمكنت بإرادتها وموهبتها ودارستها، أن ترسى فى الصحافة العربية مدرسة رائدة، تجعل من الصورة قيمة مساوية للكلمة المكتوبة، وتضيف إليها وتكملها وليست حلية شكلية فحسب درست راندا التاريخ والعلوم السياسية لكنها احترفت التصوير الذى عشقته. رفضت الطرق التقليدية للزواج، وأصابت أمها بالانزعاج حين سألتها عن صفات فتى أحلامها فأجابت دون تردد “عايزاه ماركسى يوتوبى “. اختارت بنفسها زوجها، كما اختارت الانفصال عنه. أخذت حياتها بجدية بين الكتابة والبحث والتصوير، وطورت أدواتها لتصبح مدرسة ومدربة للتصوير الذى وجدت فيه ملاذا وتعبيرا عن مشاعرها ورؤيتها فى الحياة.

الجدة عانت من مشاعر الفقد حين مات زوجها ومن بعده ابنتها صفاء فى عمر متقارب “46عاما”. والحفيدة عانت نفس المشاعر، بعد رحيل أمها وأخيها وهو فى ريعان الشباب، فضلا عن مشاعر الغربة التى تفصل بينها وبين فلسطين، حيث تزوج الأب بعد عشر سنوات من رحيل أمها وبات يعيش هناك، وماتت الجدة التى كانت محورا لحياة ومنبت الفرح والسمر والطمأنينة..وأزالت أيدى القبح  جبل الرمل المجاور لبيت المندرة .

بدأت قراءة “جبل الرمل” ليلا، وأنهيتها على مشارف الفجر، ونمت على غير العادة نوما عميقا، خلا من الكوابيس، وداعبته أحلام بنسيم هواء المندرة وبلحها وكحلها، وطيور أسطح الجيران وحمامها الزاجل، وشعاع باهر يضئ سواد عالمنا الكاحل، وباقة زهور أجمعها من قلب حدائقها اليانعة أهديها إليها، إلى راندا شعث وسيرتها الآسرة  الخلابة والملهمة .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق