د. جودة عبدالخالق يكتب:قانون جريشام بين الاقتصاد والبقر والبشر

299

لقطات

قانون جريشام بين الاقتصاد والبقر والبشر

د.جودة عبد الخالق

علم الاقتصاد يتضمن عدة قوانين، منها قانون العرض و الطلب وقانون إنجل وقانون جريشام … إلخ.  منطوق قانون جريشام: “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول”.   وهو ينسب إلى السير توماس جريشام (1519- 1579م)،  وكان من كبار رجال المال و التجارة فى إنجلترا في القرن السادس عشر،  ومستشار الملكة إليزابيث. و لكن أصل تسمية قانون جريشام يعود إلى عام 1858، على يد عالم قتصاد انجليزى  لم ينل حظه من الشهرة هو هنرى ماكلويد. ومن الثابت تاريخيا أن السير جريشام لم يكن أول من اكتشف هذا القانون. فقد سبقه آخرون، لعل أعظمهم شأنا هو المؤرخ المصرى الأشهر تقى الدين المقريزى (1364م-1442م)، الذى كشف عن هذا القانون قبل جريشام  بحوالي قرن من الزمان في كتابه الشهير “إغاثة الأمة لكشف الغمة”. وقد ضمنه تحليله للمجاعة التي ضربت مصر في زمانه.

ففي سياق دراسته لتلك المجاعة، تحدث المقريزى عن النقص في إنتاج السلع (أو قيم الاستعمال كما يسميها الاقتصاديون)، وبين الأهمية الشديدة لكمية النقود في النشاط الاقتصادي من خلال تأثيرها في المستوى العام للأسعار. كما لاحظ تراجع النقود  الذهبية (الدينار) والفضية (الدرهم) وهى النقود الجيدة،  من التداول خلال فترة المجاعة تاركة المجال للفلوس أو النقود النحاسية، وهى النقود الرديئة. والسبب هو أن ارتفاع الأسعار أثناء المجاعة قد خَفَّضَ من القيمة الشرائية للنقود. وبما أن الذهب والفضة كمعدنين نفيسين قد ارتفع ثمنهما كسلع  (أى قيم الاستعمال) بالمقارنة مع سعر الصرف المقرر رسمياً لهما كنقود (أى قيم المبادلة)، أصبح استخدامهما في صناعة الحلي والمشغولات وغيرها أكثر ربحيةً. وهكذا تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من التداول. وقد عبر المقريزى عن ذلك ب “رواج الفلوس”.

ومن أمثالنا الشعبية المثل القائل “ما يُقْعُد ع المَداوِد إلا شَرّ البَقَر”. و المداود جمع مَدْوِد، وهو المكان الذى توضع فيه العليقة لتغذية المواشى، من بقر و خلافه. وأصل المثل أن البقر الشرس يثير المشاكل للفلاح عند محاولة استخدامه لتشغيل الساقية أو المحراث أو النورج، فيفضل الفلاح استخدام البقر الطيب. فيبقى البقر المشاكس على المداود في الزريبة، ويخرج البقر الطيب للقيام بالأعمال الشاقة في الحقل. يعنى “ما يقعد ع المداود إلا شر البقر”  وهذا المثل يعبر عن نفس مضمون قانون جريشام. والملاحظة الجديرة بالتأمل فى زماننا هذا أن نطاق قانون جريشام قد اتسع اتساعا شديدا. فلم يعد مقصورا على مجال الاقتصاد والنقود أو عالم الحيوان والبقر، بل إمتد إلى عالم البشر. فأصبحنا نلاحظ بشكل واضح أن الأراذل يصولون ويتصدرون، فى حين نرى الأفاضل ينزوون و يُهَمَّشون.

إن قانون جريشام هو تعبير عن خلل في الموازين الاقتصادية ناتج عن الإفراط في طبع النقود. وليس من الصعب في أغلب الأحوال معالجة هذا الخلل، كما يعرف الاقتصاديون المحترفون جيدا. ولكن المعضلة تكمن في انتشار ظاهرة إقصاء الأسوأ للأحسن على مستوى الاجتماع البشرى. أنظر إلى مجال علاقات العمل أو علاقات الصداقة او علاقات الأسرة. و انظر إلى مجال السياسة. إذا نظرت حولك في كل مجال من هذه المجالات ستجد العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول، و ستجد ان الذى يتصدر المشهد هم شر البشر. وسترى الهلفوت و المدعى ينتحل لقب الخبير و الاستشاري و غيرها من الألقاب الوهمية، ويتصدر المشهد و يُفتى فيما ليس أهلا  له. و أعتقد أن نطاق قانون جريشام سيزداد إتساعا في سياق جائحة كورونا.

حكمة اليوم: (حديث شريف)

“سيأتى على الناس  سنوات خُدَّعات، يُصَدَّقُ فيها الكاذب و يُكَذَّبُ فيها الصادق، و يُؤْتَمَن فيها الخائن و يُخَوَّن فيها الأمين، و ينطِق فيها الرُّوَيْبِضَة” (والرويبضة هو الرجل التافه يتحدث في أمر العامة، أي يُفتى في الشأن العام).

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق