فريدة النقاش تكتب:طوق نجاة للدراما التليفزيونية

43

قضية للمناقشة

طوق نجاة للدراما التليفزيونية

فريدة النقاش

باستثناء مسلسل ” الاختيار ” الذي تابعته خلال شهر رمضان بشغف وحب لم استطع متابعة أي مسلسل آخر ، بل ولا حتى حلقة واحدة من الحلقات .

حدث ذلك رغم توفر الوقت الطويل في ظل الحظر والخوف من ” الكورونا” ومع ذلك ما كانت عيني تقع على مسلسل ما ، أي مسلسل إلا وأجد البطلات والابطال يعيشون في فيلات ، بل قل قصور فاخرة ، تحيط بها الحدائق الغناء وحمامات السباحة ، ويقوم عليها خدم وحشم كثر ، وفي كل مرة كنت أتساءل : من هم هؤلاء المصريون الذين يعيشون هذه الحياة ؟ وهل يعرفوننا حقاً ؟

ولم تكن الفخامة المبالغ فيها هي وحدها محور الأسئلة ، بل كان هناك دائماً محور آخر ـ لعله الأهم ـ ألا وهو التفاهة المؤلمة سواء في اختيار الموضوعات أو المعالجة الدرامية لها ، أو سوقية الحوار وركاكته .

وقدمت لي الصديقة المخرجة الموهوبة ” إنعام محمد علي ” قبل أيام قليلة إضافة مهمة لاستنتاجاتي ، خاصة أنني كنت أقول لنفسي أمام كل واقعة : لا يجوز لي أن أصدر أحكاماً وأنا لم أشاهد الأعمال مكتملة .

هاتفت : ” إنعام ” الزميلة الصحفية ” إيمان عراقي ” لتشيد بما كتبته إيمان قبل ايام حول دراما رمضان الماضي ، وأكدت إنعام ” أن تلك الأعمال تروج للجريمة وأخذ الثأر وتفتقد للرسالة .

وبررت ” إنعام ” في مكالمتها انتشار هذا النوع من الدراما خلال السنوات العشر الأخيرة بهجوم منتجي سينما المقاولات على الدراما التليفزيونية ، وذلك عقب تخلى الدولة عن دورها في الإنتاج منذ عام 2011.

وتوقفت ” إنعام ” أمام ظاهرة سمتها ” لا صوت يعلو فوق صوت البطل ” ، أي النجم الذي ” يفصل له الدور على مقاسه ، ويختار هو المؤلف والمخرج والممثلين ، ويتدخل في كل شئ ” .

وأتوقف هنا أمام بعض المفردات التي استخدمتها ” إنعام ” وبشكل خاص تركيزها على افتقاد الدراما الآن للرسالة لأن الرسالة كانت طيلة مسيرة ” إنعام ” كمخرجة هي محور إهتمامها وتاج إبداعها ، وأن تكون للمبدع  رسالة لابد ان تكون له رؤية للعالم ينطلق منها لتصل رسالته لجمهوره بمضمونها الإنساني والأخلاقي ، وذلك كله يتم عبر العنصر الجمالي ، ويحيلنا هذا الموضوع مجدداً إلى قضية الالتزام ، والالتزام هو المفهوم الذي  تعرض عبر الزمن لعمليات تشويه معقدة لم يقم بها خصوم التقدم والمساواة وحدهم وإنما أسهم فيها أيضا بعض دعاة الالتزام ضيقي الأفق وهم يحولون رسالة الفن الجميل إلى شعارات وخطب ، ويخلطون بين السياسة المباشرة وبين الإبداع ، فيفتقر الابداع في هذه الحالة إلى وهج التفرد والقدرة على النفاذ إلى أعماق الوجدان ويفقد تأثيره.

وحين تضاءل الثقافة عامة كانت أو فنية ، ويفتقد المبدع الرؤية يصبح من السهل جداً عليه أن ينزلق إلى عالم التجارة والفنون الإستهلاكية أو فنون التسالي كما هو حال غالبية مسلسلات رمضان هذا العام .

وتتوارى أمام سيادة البطل في الدراما أدوار الكتاب ومن ثم الافكار والقيم مادام العمل الدرامي بات مكرساً لتمجيد البطل / البطلة وتلبية متطلباته فنية كانت أو شخصية ، ويقف المنتج على الطرف الآخر من المعادلة وكل ما يعنيه في الموضوع هو مراكمة المزيد من الأرباح وفي سبيل الأرباح والمزيد منها يكافح من أجل تسويق أبطاله وبطلاته في بلدان الخليج الغنية ، وشرط التسويق الناجح لهذه البلدان هو تجنب الاقتراب من قضايا بعينها ، وهنا يبرز لنا عنصر رقابة إضافي .

وهكذا يجري إحكام الحلقة الجهنمية على رقاب الملايين التي تستمد ثقافتها وذوقها الفني من التليفزيون ، إذ تتبدل وظيفة الدراما التليفزيونية من التنوير والتثقيف والتدريب على النظر النقدي للامور ، والحث على بناء الاستقلال الفكري للجماعات والافراد ، لتصبح وظيفة الدراما على العكس في ذلك كله هي مجرد التسلية ، واستهلاك الوقت ويضاف لهذا ما أشارت إليه ” إنعام ” من تمجيد الثأر والجريمة وقيم الفهلوة وتزييف الوعي في خاتمة المطاف ، لأن هذا التزييف المركب ينتج عادة خطابا بلا رؤية .

وباسم الواقعية يركز بعض كتاب الدراما الجدد على ما نسميه الطبقة المخملية التي تعيش في الفيلات والقصور الفاخرة ، ولا أحد يستطيع أن ينكر وجود هذه الطبقة المخملية ، ولكن هي ليست إلا جزءًا محدوداً جداً من الواقع الذي يتكون بالإضافة إليها من ملايين المصريين الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة ، وهؤلاء هم المصريون العاديون ملح الأرض حاملو لواء الحضارة الممتدة لآلاف السنين وصانعوها .

وتلفت ” إنعام محمد علي ” نظرنا لتراجع الدولة عن الإسهام في الإنتاج الدرامى ،والدولة التى تركت الامور فى كل ميادين الحياة للسوق الحر وفقاً لفلسفة الليبرالية الجديدة هي نفسها التي تلجأ الآن ـ عبر تليفزيون الدولة لأعمال كبار كتاب ومخرجي وفناني الدراما التليفزيونية العظام لإعادة عرضها ، ويشكل هؤلاء ما يمكن أن نسميه الكتيبة المقاتلة في ميدانها التي عرفت جيداً الفرق بين الواقع والوقائع ، وحاربت الوعي الزائف بما تملك من ثقافة وروح نقدية ، وقدمت هذه الكتيبة أفضل الأعمال الكلاسيكية الكبرى عن طريق إنتاج الدولة ، ولن ينسى المشاهد المصري الذي يجد نفسه غريبا الآن عن عالم لسنا منه وليس منا في هذا السيل البائس من الأعمال ، لن ينسى أسماء أسامة أنور عكاشة ، ومحفوظ عبد الرحمن ، وأنعام محمد علي ، وإسماعيل عبد الحافظ ، وفتحية العسال .. وعشرات غيرهم ممن تعرف المشاهد العادي على نفسه وعالمه وأمنياته في أعمالهم إلى أن كانت هذه الموجة الترابية الأخيرة التي جعلته غريباً عن ذاته وفي بلده .

ولعل من فضائل وباء ” كورونا ” أنه أخذ يعيد الدولة إلى دورها الإنتاجي ، في كل المجالات ، وسيكون هذا المناخ طوق نجاة للدراما التليفزيونية .

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق