عيد عبدالحليم يكتب:أحمد عبد المعطي حجازي .. خمسة وثمانون عاماً من الإبداع:الشعر النقطة الأجمل في الحياة

37

أحمد عبد المعطي أحد رواد التجديد في الشعر العربي ، بداية من ديوانه ” مدينة بلا قلب ” الذي مثل خطوة مهمة باتجاه كتابة مغايرة .
هو شاعر صاحب فلسفة وثقافة نوعية في دراساته النقدية ومقالاته ، تعددت معاركه خاصة مع الأجيال الجديدة من الشعراء ، لكنه يبقى قيمة إبداعية مهمة في تاريخ الأدب العربي بشكل عام . ومنذ أيام قليلة احتفل شاعرنا الكبير بعيد ميلاده الخامس والثمانين .

عبدالمعطي حجازي

يرى حجازي أن رحلته مع الشعر كانت رحلة صعبة وشاقة للغاية ، حيث قامت على المغامرة والانطلاق في فضاءات الكتابة بلا حساب ، سوى ما تمنحه من عطاءات جمة ، ويضيف قائلا : الشعر مملكتي التي أصول فيها وأجول ، منذ سنوات الشباب الأولى ، كان هو الخلاص من قسوة الحياة ، فالشعر كان رهان الحياة الأولى بالنسبة لي على الدوام منذ أول قصيدة نشرتها عام 1953 وكان عمري وقتها أقل من عشرين عاماً ، وقد نشرت في مجلة ” الرسالة ” وكانت تحمل عنوان ” بكاء الأبد”.
وعن أهم اللحظة التي أثرت في تكوينه الشعري ، يقول ” حجازي ” لحظة مغادرتي قريتي بمركز تلا منوفية متجهاً إلى القاهرة للعمل في الصحافة ، وقد بدأت العمل في مجلة روز اليوسف ” التي كانت تزخر في الخمسينيات برواد الفكر والرأي والفن أمثال أحمد بهاء الدين ، وصلاح جاهين وإحسان عبد القدوس ، وحسن فؤاد والليثي وعبد السميع وحسن حاكم ، وغيرهم ، كانت مدرسة صحافية وفنية متميزة فرضت أسلوبها على باقي المدارس الصحفية في ذلك الوقت .
ولا أنسى ـ هنا ـ لحظة صدور ديواني الأول ” مدينة بلا قلب ” عام 1959 الذي وضعني في مكانة خاصة بعد صدوره في حركة الشعر الحر ، وقد صدر الديوان بمقدمة للصديق الناقد الراحل رجاء النقاش ، وأثارت هذه الدراسة جدلاً واسعاً في الحركة الثقافية المصرية والعربية .
رؤية الآخر
وعن رحلة الاغتراب في باريس ، يقول ” حجازي ” لم تكن الغربة اختيارية ، فقد تم فصلي من عملي الصحفي في حملة شملت عدداً كبيراً من المثقفين في عهد السادات ، فذهبت إلى ” باريس ” عام 1974 ، وخلال فترة إقامتي هناك بدأت أعمل مدرساً للأدب العربي في جامعة باريس ـ السربون الجديدة ” استمرت الغربة لسنوات وصلت لسبعة عشر عاماً ، اكتسبت فيها خبرات وكونت صداقات ، وحرصت على الاستزادة من العلم ، والقيت محاضرات حول تاريخ الأدب العربي ، ومستقبل الثقافة العربية ، والقيت عدة محاضرات حول حركة التجديد في الشعر العربي الحديث في ” الكوليج دوفرانس ” وتم القاء المحاضرات باللغة الفرنسية بمساعدة ” جاك بيرك ” و” جمال الدين بن الشيخ ” .
استفدت كثيراً من فترة الغربة ، فقد شغلت وقتي بالعلم والثقافة والكتابة ومناقشة التاريخ في بعض الجوانب الفكرية .
كانت فترة ” باريس ” مرحلة لاكتشاف المرايا الأخرى ، والخطاب المفتوح مع الآخر ، من خلال خطاب ثقافي مفتوح على التجديد والابتكار .
كانت أسئلة الثقافة تتردد دائماً في الجامعة والشارع والمقاهي .
” باريس ” لم تكن مجرد مدينة عريقة أقمت فيها ، بل كانت فترة الإقامة فيها بمثابة اكتشاف للذات .
نظرة للمستقبل
وحول رؤيته كمثقف للمستقبل واللحظة الراهنة يرى حجازي أنه لابد من وجود نهضة شاملة في التعليم حتى تكون هناك نهضة في العقل والارتقاء به ، وهذا يتطلب وجود مشروع قومي يكون غرضه الأساسي إصلاح التعليم ، ليس ذلك الإصلاح الذي يتردد في وسائل الاعلام ، التي أضرت الثقافة كثيرا ، فاللغة متراجعة بشكل كبير ، وهذا يستلزم وضع خطة ممنهجة لذلك الإصلاح ، الذي نرجوه على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
وحول عشقه للغة يقول حجازي : إن حفظي للقرآن الكريم مبكرا ساعدني على إتقان اللغة ، ومنحني مرونة في التعامل مع المفردات التي تأتيني طيعة لتشكل بنية القصيدة ، ذات النبرة القوية نتيجة لذلك الحس بقيمة اللغة ودورها في الارتقاء بالإبداع بشكل عام .
وقد استفدت كثيراً من حفظي للقرآن الكريم في ” الكتاب ” الذي كان له دور رئيسي في تعليم اجيالنا في ريف مصر .
لم يكن هذا مجرد حفظ فقط بل كنا نحس بعمق العلاقة بين المفردة والأخرى سواء على المستوى اللغوي ، أو على مستوى الجمالي ، ومن ينظر على سبيل المثال ـ في كتابات ” المنفلوطي ” و” طه حسين ” سوف يلمح ذلك جيداً ، حيث قوة اللغة وجزالتها.
الأجيال الجديدة
وحول علاقة الشعراء الجدد باللغة يؤكد ” حجازي ” على أن كثيراً منهم سيستهل الأمر ، ويظن أنه قادر على كتابة نص شعري من دون اللغة , فاللغة هي المكون الرئيسي والرافد الأول لأي تجربة شعرية تسعى إلى النجاح .
وإجادة اللغة تأتي عن طريق الممارسة ، وهناك من يكتبون بلغة فضفاضة ويطلقون على هذه الكتابة ” قصيدة نثر ” وقد أصدرت كتاباً بأحوال هذا الأمر تحت عنوان ” قصيدة النثر – القصيدة الخرساء ” ، وأظن أن قصيدة الشعر الحر كافح شعراؤها لسنوات طويلة حتى تترسخ التجرية ، وبرزت أسماء متميزة على مستوى الوطن العربي مثل صلاح عبد الصبور ، وأدونيس وعبد الرحمن الشرقاوي ، ومحمود درويش ، والسياب ونازك الملائكة .
ويرى حجازي أن هناك بعض النماذج الجيدة مما يكتبون قصيدة النثر لكن القصيدة التي يحبها هو وتميل ذائقته لها هي ذات الجرس الموسيقى.
ويتساءل قائلا : إذا كانت هذه القصيدة شعراً فلماذا يطلق عليها لفظ ” نثر ” ولماذا تخلو من الوزن ؟ كما أنه لا يوجد نقد واضح لها كي يؤسس لمفاهيم الجمالية .
وحول احتفائه بتسميه الموت في كثيرمن قصائده يقول حجازي : في بعض القصائد هناك ما يمكن أن يسمى ” فلسفة الموت ” وهي أقرب إلى الرؤية الفرنسية في هذا الاطار. كما عند ” بودلير ” و” أنرية شنيه ” ، وتبقى الفلسفة الشعرية الأخرى المقابلة تقرب الحياة من الموت في حالة ” استئناس ” كما نجد ذلك في ديوان ” مدينة بلا قلب ” .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق