اغتيال البراءة فى زمن الكورونا:أطفال فى سوق العمل غير الرسمى

أشغال شاقة ومهن خطرة مقابل جنيهات معدودة..والفقر والأمية ونقص الوعى المجتمعى.. أهم الأسباب

40

ثريا عبد الجواد: الوباء ليس سببًا فى تزايد الظاهرة

سامية قدرى: تشغيل الصغار يدمر معنوياتهم ويدفعهم للانحراف

أحمد مصيلحى: مطلوب خطة عمل تتضافر فيها كل مؤسسات الدولة لحماية الأطفال

تحقيق: نجوى ابراهيم

فى ظل تفشى فيروس كورونا, وتزايد أعداد العاطلين عن العمل وانخفاض الدخل للعديد من الأسر, اضطرت كثير من الأسر الدفع بالأطفال إلى سوق العمل فى مهن متنوعة. فمع بداية الصيف وانتهاء العام الدراسى طفت على السطح  ظاهرة تشغيل تلاميذ المدارس, ورغم أنها موجودة منذ سنوات ولكنها زادت هذه الايام.

الاباء والأمهات يؤكدون أنها وسيلة للقضاء على الملل الذى يصيب أبناءهم خلال فترة الإجازة،  وبدلا من قضاء الوقت فى الشارع، وتناسى هؤلاء مخاطر انتقال الفيروس إلى أبنائهم فى ظل وجودهم فى بيئة عمل غير آمنة, وعدم وعي الصغار والتزامهم بالتدابير الوقائية, والبعض الآخر من أولياء الأمور يوضح أنها لمساعدتهم على تحمل أعباء الحياة، خاصة بعد تعطل رب الأسرة عن العمل.

ظاهرة “عمالة الأطفال” ليست وليدة اليوم أو الأمس، إلا أنها تتفاقم بشكل لافت بالمنطقة العربية بأكملها، وبلغ نصيبها ما يزيد عن 10 ملايين طفل. واستحوذت مصر وحدها على نسبة تصل إلى نحو 25% من هذه الظاهرة بالمنطقة.

وبلغ عدد الأطفال العاملين بمصر نحو 1.6مليون طفل ما بين 12 إلى17 سنة، بحسب المسح القومي لعمل الأطفال في مصر، الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والبرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال، وهو ما يعنى أن هناك تقريباً طفل مصرى من بين كل عشرة أطفال يمارس عملاً غير ملائم لطبيعته، حيث تمثل النسبة المرصودة 9,3% من تعداد الأطفال فى مصر.

ويرتفع معدل عمل الأطفال، كثيرًا في المناطق الريفية عنه في “الحضر” ويبلغ ذروته في ريف صعيد مصر، ثم ريف الوجه البحري، ثم المحافظات الريفية الواقعة على الحدود.

أما الحرف التي يمارسوها، فيأتي العمل بالزراعة، على رأسها رغم خطورته، بنسبة 63%، ثم العمل في المواقع الصناعية كالتعدين والتشييد والصناعات التحويلية بنسبة 18.9% .

استغلال الأطفال

ومن جانبه، أكد المستشار أحمد مصيلحى، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين، أن الدستور يجرم عمل الأطفال قبل قضاء فترة التعليم الأساسي، وفقًا للمادة 80 من الدستور, وهذه المادة لا يجوز مخالفتها مهما كانت ظروف الأسرة،لافتا إلى أن قانون الطفل المصرى أيضا حظر عمل الأطفال واعتبره جريمة لمن يستغل الأطفال ويجبرهم بالعمل فى مهن لا تتناسب مع أعمارهم.

وتابع رئيس شبكة الدفاع أن عمالة الأطفال محظورة بحكم القانون حتى 18 سنة،  ولكن القانون  يسمح فقط بالتدريب على العمل قبل هذه السن كنوع من التأهيل المهنى وفقا لضوابط محددة  وشروط قاسية، منها منع العمل فى مهن خطرة أو تعريض الطفل للخطر وعدد ساعات معينة وضمان توفير التغذية اللازمة, وأن يتم اخذ موافقة المحافظ، ويكون عمل الطفل تحت إشراف الأب, وألا يؤثر هذا العمل على بيئة الطفل وأخلاقه وصحته.

وأضاف يجب الا تأخذنا العاطفة إلى فكرة تبرير الأمر فى ظل جائحة كورونا, والتماس أعذار للأسر التى تدفع أبناءها إلى العمل نتيجة تعطل رب الأسرة، وعدم وجود مصدر دخل لها، فهذه ليست مسئولية الطفل الصغير.

أمر كارثى

وأشار “مصيلحى” إلى أن ما يحدث فى مصر أمر كارثى، حيث يتم استغلال الأطفال بشكل يؤثر على حياة الطفل مثل عمله فى المدابغ أو المحاجر وصناعة الطوب وفى الحقول والأرض الزراعية بالنسبة لأطفال الريف, وأيضا العمل فى الورش, أما بالنسبة للبنات فبعضهن يعملن خادمات منازل ويتعرضن للضرب والتعذيب, وهناك الكثير من جرائم التعذيب التى ترتكب فى حق الصغيرات اللائى يعملن فى البيوت.

وحول دور الدولة فى حماية الأطفال، أكد أن إدارات التفتيش التابعة لوزارة القوى العاملة يجب أن تتابع ظاهرة عمالة الأطفال وتقوم بتحرير محاضر لرب الأسرة الذى يقوم بتشغيل الطفل ,المجلس القومى للأمومة والطفولة عليه وضع سياسات لحماية الأطفال ,وتابع:دور الاعلام التوعية بمخاطر عمالة الأطفال .

وأوضح أن الأباء الذين يزعمون بأن عمل الأطفال لأنهم فقراء، يجب أن يتفهموا جيدا أن دور الطفل ليس مساعدة الأسرة،  ولذلك يجب عمل حصر بالأسر الفقير ومساعدتها,لأن إلقاء العبء على الطفل وشعوره أنه هو رب الأسرة فيه تعدى على طفولته، الأمر الذى يؤثر على سلوكيات الطفل ويؤدى به إلى التدخين والإدمان، مشيرا إلى أن 75% من الأطفال فى سوق العمل يتعاطون المخدرات, كما أن دخول الأطفال إلى سوق العمل فى سن مبكرة وتعاطيهم المخدرات له أثر كبير على ارتكابهم الجرائم كالسرقة والإغتصاب.

خطة عمل

وتابع “مصيلحى”: فى الأزمات مثل أزمة تفشى كورونا يجب أن يكون هناك خطة عمل تتضافر فيها كل مؤسسات الدولة لحماية الأطفال, فمثلا وزارة التعليم عليها توفير وسائل تواصل مع التلاميذ والطلبة من الارتقاء بالطالب, فالقضية ليست تسليم بحث وانتهاء العام الدراسى, بل يجب استمرار التواصل مع الطلبة والتلاميذ من خلال الانترنت حتى يعتاد الطفل على النظام التعليمى الجديد القائم على البحث والإطلاع, ونبتعد عن النظام القديم القائم على الحفظ والتلقين ,فانتهاء العام الدراسى لا يعنى انتهاء دور وزارة التعليم.

وأضاف وزارة الشباب عليها دور فى متابعة الأطفال من خلال مراكز الشباب, وابتكار أساليب جديدة للتواصل معهم عن بعد فى ظل الجائحة, فما الذى يمنع من تدريب النشء من خلال فيديوهات يتم بثها على اليوتيوب, أو قيام كل مدرب بتدريب فريقه من خلال الانترنت, وزارة الثقافة عليها أيضا دور مهم فى رفع وعى الطفل وتثقيفه, وخلق أساليب للتواصل عن بعد مادامت الأزمة منعت الأطفال من الذهاب إلى المكتبات, ممكن رفع الكتب على الانترنت ,وعمل مسابقات تثقيفية للاطفال حتى يجد الأطفال ما يبعدهم عن الشارع وسوق العمل.

فتش عن الفقر

ورغم أن مصر وقعت على العديد من الاتفاقيات التى تجرم استغلال الأطفال الا أن  سوء الأحوال الاقتصادية في المجتمع المصري ، وانتشار الفقر وارتفاع نسبة الأمية ، تدني مستوي التعليم علي اختلاف أنواعه، فضلا عن نقص الوعي المجتمعي لدي الأسر المصرية وعدم الادراك لأهمية التعليم، وعدم الثقة في النظام التعليمي خاصة في ظل تزايد نسبة البطالة بين المتعلمين، والحاجة الماسة للمال شجع الأسر علي الدفع بأبنائها في سن مبكرة للخروج لسوق العمل الذي يعد بمثابة طوق نجاة لأسرهم رغم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال صحيا واجتماعيا ونفسيا خاصة في ظل غياب الرقابة القانونية والمجتمعية علي ارباب الأعمال وعدم فاعليه القوانين القائمة وعدم كفايتها لضمان احترام حقوق الطفل ..هذا ما أكدته د ثريا عبد الجواد، استاذ علم الاجتماع، لافته إلى أن بمجرد اعلان الحكومة عن الرجوع للعمل والتعايش مع كورونا عادت الأطفال لاعمالها خاصة أبناء الأسر المتضررة من فيروس كورونا, والخاسر الأول من كورونا هم أصحاب المهن غير المنتظمة الذين يعملون فى سوق العمل غير الرسمى وفقدوا دخلهم حتى أن الدولة لم تستطع تعويضهم لأن القانون لا يعترف بأعمالهم.

وأشارت د.ثريا إلى أنه رغم أن قانون العمل يلزم صاحب العمل بتعليق لافتة تقول لا يسمح بتشغيل من هو أقل من 18 سنة, غير أن أغلب أصحاب الأعمال يفضلون عمل الأطفال لأنها عمالة رخيصة وغير مكلفة, وعندما يأتى مندوب وزارة القوى العاملة أو مندوب التأمينات يتم تهريب هؤلاء الأطفال حتى يحمى نفسه من المسأله القانونية, ويتهرب من المسئولية, هذا فى الحضر, أما فى الريف فالأمر أشد خطورة، خاصة أن الأطفال يعملون فى ظروف صعبة جدا وينتقلون من مكان لاخر ومن مزرعة لأخرى, ويسافرون إلى أراضى استصلاح بعيدة, وفى حالة الطفلة الانثى التى تخرج إلى سوق العمل فهى تتعرض إلى الكثير من الانتهاكات, فالبنت تعمل أما فى المنازل كخادمة, أو فى المصانع, وفى الريف ينتشر عمل الفتيات فى المزارع كعاملات التراحيل..فهذه الامور كلها موجودة قبل الوباء, ويعتبرها البعض واقعا معتادا رغم القوانين والدستور والاتفاقيات, ومن الممكن تكون عمالة الأطفال تضاعفت آثارها فى ظل كورونا, ولكنها لم تظهر بسبب الكورونا, فيجب ألا نلقى العبء على الظرف الصحى الذى نواجهه حاليا,لأن عمالة الأطفال ظاهرة سببها الأول والأخير الواقع الاقتصادى, واتساع الاقتصاد غير الرسمى الذى لا يحتاج إلى مهارات، ولذلك نجد أغلب العاملين فى الاقتصاد غير الرسمى من السيدات والأطفال لأن هؤلاء يسهل استغلالهم.

انتهاك الطفولة

أما د.سامية قدرى، استاذ علم الاجتماع، فتشير إلى أن اجبار الأطفال وتشغيلهم فى الإجازة الصيفية يشكل عنفا ضدهم وانتهاكا للطفولة ويجعلهم أكثر عرضة للفساد والانحراف ,لافته إلى أن هناك أطفال تريد مساعدة أسرهم فى فترة الإجازة بإراداتهم, وأيضا القضاء على أوقات الفراغ ويعملون فى مهن تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم ولا تؤثر عليهم سلبا, وهذا الأمر مقبول اجتماعيا ولكن بعد انتهاء الأزمة الحالية.

وأوضحت”قدرى”أن معايير العمل الجيد خلال العطلة الصيفية لابد أن يكون ملائما لعمر الطفل فلا يعمل الطفل فى الورش أو المحاجر أو غيرها من المهن المحفوفة بالمخاطر, ويجب أن يكون العمل لساعات معينة تكون بالاتفاق مع صاحب العمل فلا يجوز ان يعمل مثلا لثمانى ساعات كالموظف العادى, وأن يكون عمل الطفل تحت رعاية الأب حتى يضمن عدم تعرضه لأى ضرر، وهذا النوع من العمل الآمن يلعب دورا مهما فى تنشئة الطفل, أما التشغيل فى مهن خطرة وانتهاك براءة الأطفال وتعذيبهم فهذا أمر مرفوض ويجرمه الدستور والقانون والمواثيق الدولية.

أما د. سامية خضر، استاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، فتؤكد أن ظاهرة عمالة الأطفال تؤثر سلبا على العملية التعليمية وتؤثر على الطالب وتجعله ينسى ما درسه لأنه يؤدى عملا شاقا، فلابد من توعية الاباء بالمخاطر المتوقعة للطفل فى حالة الحاقه بعمل لا يتناسب مع قدراته الجسمانية حيث أن الاضرار ستكون أكثر من اى اعتبار مادى, كما أن الطفل الذى تعود على العمل سوف يؤثر ذلك على سلوكياته فى المستقبل, ولذلك لابد من مراقبة تشغيل الأطفال حرصا على مستقبلهم .

وتضيف أن دخول الطفل مجال العمل فى سن مبكرة يؤدى إلى نضج مبكر فى الشخصية لا يتناسب مع النضج العقلى والوجدانى للطفل, ونجد أن الطفل يبدأ فى محاكاة الكبار ويقلدهم فى بعض السلوكيات الخاطئة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق