رفضت مبادلة الأسري..روسيا تستغل الجاسوس الأمريكى لعقد صفقة لاستثناء موسكو من بعض العقوبات

45

حكمت إحدى محاكم العاصمة الروسية موسكو، على رجل استخبارات أمريكى يدعى بول ويلان، كان فى السابق أحد رجال البحرية الأمريكية، بالسجن لمدة 16 عاماً مع الرأفة، فقد طالبت النيابة له بحكم 18 عاماً، تلقى الجاسوس الأمريكى الحكم بالصدمة، وقال إنه سيطعن على الحكم وأن القضية كلها ملفقة، وأنه حضر إلى موسكو لحضور عرس لأحد أصدقائه وأن رجال المخابرات الروسية هم من ورطه فى هذه القضية عندما قدموا له فلاشة عليها معلومات مهمة تتعلق بأسرار عسكرية روسية، وأنه جاء لموسكو فى محاولة لتجنيد بعض العاملين فى أجهزة المخابرات والعسكريين الروس.
ليست هذه هى القضية الأساسية فى المقال، لكن الأهم هو انعكاس هذا الحكم القاسى على العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، المتوترة أصلاً. فى أول رد فعل من جانب المحكوم عليه، طالب الرئيس ترمب بالتدخل فوراً لإطلاق سراحه، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد طالبت على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو بالإفراج عن بول ويلان فوراً، واقترحت مبادلته مع محكومين بقضايا أخرى من مواطنين روس ويقضون محكوميتهم فى سجون الولايات المتحدة مثل فيكتور بوتا أو كونستنتين ياروشينكو. لكن الجانب الروسى رفض المبادلة.
وكما يقول رجال الاستخبارات الروسية فى إس بى، إنه تم القبض على ويلان وبحوزته فلاشة تحتوى قائمة بأسماء العاملين باحد الأقسام بالمخابرات الروسية. أول تعليق على الحكم القاسى جاء من خلال مقال فى صحيفة “الواشنطن بوست” قالت فيه إنه قضى فى السجن بروسيا عام ونصف وأعربت الصحيفة عن تفاؤلها عندما قالت إن إطلاق سراح ويلان سيكون من خلال تبادل السجناء بين موسكو وواشنطن، وكما تقول الصحيفة إنه عندما تم القبض على ويلان قال له رجال المخابرات الروسية إنه على الأرجح ستتم مبادلته بمواطن روسى محبوس فى الولايات المتحدة.
لكن هنا كانت المفاجأة، حيث أعلن الجانب الروسى عن أنه لا يخطط لأى صفقات مبادلة مع الولايات المتحدة فى الوقت الراهن، ورغم ذلك ظهر اسمان لمواطنين روس موقوفين فى الولايات المتحدة كونستنتين ياروشينكو وفيكتور بوتا، الأول طيار محكوم عليه 20 عاماً لاشتراكه فى مؤامرة تهريب مخدرات للولايات المتحدة وفق الجانب الأمريكى، أما فيكتور بوتا البالغ من العمر 53 عاماً ومتهم بتهريب سلاح، وقد تم إنتاج فيلم سينمائى عنه باسم “بارون السلاح” لعب دور البطولة فيه الممثل الأمريكى الشهير نيكولاس كيدج، وكان بوتا يقدم السلاح لكلا طرفى النزاع فى أفغانستان، سواء حركة طالبان أو إلى ما كان يسمى بتحالف الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود، المعادى لطالبان وحليف روسيا فى شمال أفغانستان.
فى تصور بعض المراقبين روسيا لا تريد الآن أن تقوم بعملية مبادلة صغيرة وينتهى الأمر عند هذا، فروسيا تريد عقد صفقة أكبر تتعلق بالعلاقات بين واشنطن وموسكو فى المجمل وقد يتعلق الأمر، باستثناء موسكو من بعض العقوبات، خاصة بعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ فى سوريا، وكما يقول مسئولون أمريكيون إن القانون لن يقتصر على القيادة السورية وأشخاص متعاونين مع الحكومة السورية، ولكنه سيشمل كذلك بعض الدول المتعاونة، مع الحكومة السورية من دول أخرى وتم تحديد على وجه الخصوص فى هذا الصدد كل من روسيا وإيران وبعض المنظمات المتعاونة مع إيران.
روسيا التى كانت تطمع فى أن تأخذ النصيب الأكبر من كعكة إعادة إعمار سوريا، بحكم ما قدمته لسوريا من دعم عسكرى ولوجستى وكذلك بحكم قوتها الموجود على الأرض فى سوريا، وتليها فى هذا الشأن إيران بحكم القوة الموجودة على الأرض. وأتصور أن تتأنى روسيا لبعض الوقت حتى تستطيع إدراك مدى تأثير قانون قيصر على أعمالها فى سوريا وقد يكون هذا أحد أوراق التفاوض على إطلاق سراح بول ويلان، لأنه كما نرى الاسمين اللذين تم اقتراحهما للتبادل موسكو غير متحمسة لهما كثيرا، فهما لم يكون من رجال الاستخبارات، كما أن تبادل رجل استخبارات مع أفراد عاديين بتهم عادية سيسقط تهمة التخابر عن ويلان وستبدو تهمته وكأنها ملفقة .
وما يؤكد أن موسكو لا ترغب فى مجرد تبادل للمحبوسين، تصريح نائب وزير الخارجية الروسى سيرجى ريابكوف، الذى صرح للصحفيين بأن مبادلة المواطن الأمريكى المحكوم بالتجسس غير قابلة للنقاش، وقال إنه اقترح على الولايات المتحدة فى الصيف الماضى مبادلة ياروشينكو بأمريكى أو أمريكيين يقضون محكوميتهم فى موسكو، ولكنه لم يذكر ما إذا كان بينهم ويلان أم لا.
يذكر أن آخر تبادل للمسجونين بين الولايات المتحدة وروسيا حدث منذ عشر سنوات، حينها سلمت الولايات المتحدة لروسيا 10 من العملاء الروس، مقابل أربعة من العملاء المزدوجين الأمريكيين. المؤكد حالياً أن روسيا لا تريد الحديث عن تبادل، فهى كما قلت تريد تسوية أشمل لقضايا عالقة سواء فى سوريا كما قلت بعد قانون قيصر حيز التطبيق، وغير مستبعد فى الملف الليبى، أو ربما تريد المبادلة بجاسوس أمريكى من الذين عملوا لصالح روسيا من العيار الثقيل، لكن هنا يتوقف الوضع على الولايات المتحدة نفسها. من الممكن أن تحقق روسيا مكاسب فى العلاقات مع الولايات المتحدة مقابل الإفراج عن ويلان، وهذا متوقف على أهمية الشخص المحكوم، باختصار روسيا تريد تحقيق طفرة فى العلاقات مع الولايات المتحدة، خاصة بعد تراكم العديد من الملفات بين البلدين، وعلى رأسها اتفاقيات الحد من التسلح سواء الصواريخ المتوسطة والقصيرة أو الأسلحة الهجومية ستارت التى ستنتهى قريباً، أو العقوبات المفروضة على روسيا منذ أزمة أوكرانيا واستعادة روسيا للقرم، لكن من غير المتوقع بحث أى من الموضوعات العالقة فى الوقت الراهن فالولايات المتحدة مشغولة بالانتخابات القادمة 3 نوفمبر، ناهيك عن أزمة كورونا الخانقة، والتى لا تعطى أى فرصة لعقد لقاءات ولو هامشية لحلحلة الأمور.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق