ماجدة موريس تكتب:ليالينا زمان لم تنته بعد

76

ليالينا زمان لم تنته بعد

ماجدة موريس

هل انقطعت صلتنا بزمن الثمانينات برغم كل هذه السنوات؟ الإجابة عن هذا السؤال متروكة للمشاهد لهذا المسلسل الذي يعاد عرضه الان علي قناة «الحياة»- في اول حركة انتقالات لاعمال رمضان، «ليالينا ٨٠» مسلسل يستحق المشاهدة لأجل شريحة كبيرة من المشاهدين الذين عاصروا زمنه- من ٤٠عام- حين كانوا أطفالا او شبابا وفوجئوا بأحداث متلاحقة، صعبة ومؤثرة، لونت الكثير من ملامح الحياة والمعاملات وفتحت طرقا لم تكن مأهولة علي هذا النحو الذي ذهبت اليه، بسبب الضيق الاقتصادي للأغلبية وهوجة الهجرة الي الخارج للعمل «الخليج تحديدا» وبدايات سقوط الطبقة الوسطي، وتخبطها بين اصحاب الثروات المشروعة والمريبة، وبين محاولة الاحتماء ببعضهم البعض للنهوض معا، خاصة مع صعود ونمو التطرف، وجمعه بين الدين والثروة في وعاء واحد ونجاحه في توظيف الناس والأموال معا أما الشباب الان فإن المسلسل يقدم لهم مقارنة ومقاربة بين زمنهم وزمن آبائهم من زوايا عديدة، مثل صور العلاقات العاطفية والانسانية، والترفيه والقفز الي الصعود الطبقي او الهروب من الشقاء الممتد من «بيت العيلة» الي «بيت الزوج» أنه عمل لا يترك مشاهده في حالة هدوء بال، وانما يقلقه ويدفعه للتفكير والتذكر وما بعد هذا وفقا لأحوال زمننا اليوم وهو نجاح استطاع فريق عمله الوصول اليه بداية من المؤلف احمد عبد الفتاح، والمخرج احمد صالح «لهما عمل سابق واحد معا هو بحر» مرورا بفنان التصوير أحمد عبد العزيز والذي اعتمد علي تقديم نوعيات مختلفة الوضوح من الصورة تعبيرا عن أجواء الماضي العامة، والخاصة «وهو ما كان يدفعني احيانا للوهم بأنها مشاهد مصورة في الماضي»، وكذلك برع المونتير معتز الكاتب وفريقه في تقديم بناء قوي، ملئ بالايحاءات وبالحيوية خاصة مع مشاهد الشوارع والزحام العام والخاص وكذلك فناني الديكور والماكياچ والملابس أما الممثلون فقد كان اختيارهم وإدارتهم أحد ملامح القوة في العمل، ليس لاجادتهم فقط، وأنما لقدرة المؤلف علي بناء شخصياتهم بأسلوب يضرب في عمق البناء الدرامي للعمل، ولهذا قدم خالد الصاوي واحدا من اروع أدواره «العم جلال أرسطو» أستاذ الفلسفة الذي فقد عمله بالجامعة بعد أزمة إنسانية أثرت عليه صحيا، وقدمت صابرين أحد أهم أدوارها «الست رقية التي توفي زوجها وتولت رعاية الاسرة وقبل ان تستريح يفقد ابنها الوحيد راضي كامل قدمه وعمله كسائق تاكسي، فتعمل عاملة في مصنع اضطرارا لعلاجه واستكمال رعاية الاسرة»، وسوف يكشف كل من العم جلال، والست رقية عن ما ينتمي اليه من طبقة، وما يعيشه من صلات وعلاقات ،وما يتألم منه بسبب الحادثة البشعة التي جعلتهما يتعارفان، والتي بدأت بها احداث المسلسل.

جميلة وراضي واللقاء الصعب

من اللحظة الاولي للحلقة الاولي نفاجئ بحدث مؤثر وكبير هو اغتيال الرئيس السادات أثناء العرض العسكري، والهلع العام للناس وليضعنا العمل في الصورة الاهم لبدايات الثمانينات قبل ان يدخلنا الي التفاصيل، وعودة هشام الي مصر بعد سنوات غربة قضاها في العمل في الخليج وهو ما يغضب زوجته مريم «أياد نصار وغادة عادل»، وحين يركب معها السيارة في المطار ويسألها عن ابنتهما الوحيدة جميلة «رنا رئيس» يعرف أنها تقضي اليوم مع صديقاتها للتسوق والترفيه، وتتأخر الابنة المراهقة، ولا يخفي الاب غضبه من سلوك زوجته التي تعطي الابنة حريات اكبر مما هو مطلوب، لتنتهي الحلقة بالوجع الاكبر، الحادثة التي وقعت حين طلبت جميلة من سائق تاكسي العودة تجربة شريط كاسيت أشترته توا ولا تطيق الانتظار لتسمعه في البيت وهو ما يلبيه السائق، الشاب «ميدو عادل» فيفقد التركيز للحظة مع مجئ سيارة في الاتجاه المضاد تصطدمه بعنف، ليخرج منها مكسورا فاقدا لإحدي ساقيه، بينما تفقد جميلة بصرها من هول الصدمة وبعدها يبدأ التعارف بيننا وبين عائلة «هشام» وشقيقه «جلال أرسطو» الذي اصاب بحالة خلل نفسي لوفاة زوجته الحبيبة «نورهان»، أبعده حتي عن ابنته المتزوجة حديثا، اما عائلة السائق راضي، فتضم شقيقتين شابتين الي جانب الام- رقية- والجدة، وتتداخل دوائر العلاقات هنا ليصبح للجيران فيها دور اكبر غير ما نراه في العائلة الاولي، لكنهما يلتقيان بالضرورة، وحيث تطالب مريم بالقصاص من راضي بينما تقدم رقية بلاغا ضد جميلة وتكتشف كلاهما ان الخسارة فادحة، والعوض علي الله، والقادم اصعب بكثير علي الكل وليس الشابان المصابان فقط، وهو ما نراه من تصاعد أزمة «هشام» في بحثه عن عمل بعد عودته، وصراعه مع زوجته التي تهتم اساسا بحالتهما المالية، لكنها ترفض عمله مع شركة توظيف أموال، وهنا يضعنا المسلسل امام هذه القضية وما فعلته بالكثيرين في تلك الايام والانقسام الذي أحدثته جماعات تسييس الدين واستخدامه لاعادة تشكيل الحياة في كل صورها وهو ما رأيناه في مشاهد ومواقف متعددة، خاصة مع خطيب ابنته رقية، المهندس الشاب، الذي تحول ليصبح احد المشاركين في الهجوم علي الحي والناس في المشهد الاخير للمسلسل وليفاجئ به الكل، واولهم خطيبته في نهاية تربطها بالبداية نقاط عديدة علي كل المستويات من الفكر للسياسة، ومن الاقتصاد للعمل الحر ومن الأمان الاجتماعي الي النفور والتباعد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق