د. جودة عبد الخالق لـ”الأهالى”: “أهدي الجائزة إلى الفلاح المصري الذى دفع فاتورة تعليمي”..وأتذكر جملة أبي “الباني طالع والفاحت نازل وسعيد جدًا برد فعل بواب العمارة”

*اقترح تغيير آليات اختيار الفائزين بجوائز الدولة لهذه الأسباب..*الجائزة تعني لي أنه لا يصح الا الصحيح وتمنحني شيئًا من الرضا

361

كتبت: نسمة تليمة

يسرد بهدء ما مر به وما مر عليه، يضع نصب عينيه دائمًا مقولة روبرت فروست “كل شىء يمر”، يمنح لنفسه خطا حياتيا جادا، يتجه نحو أشياء آمن بها عن طيب خير وفضلها دوما على المصلحة والاعتبارات الزائفة، انحاز لما أحب وعمل كثيرا ولم ينتظر سوي حصاد ما زرع، وحين سألته عن هذا الحصاد قال لي إنه ابتسامة صادقة من شخص يصدقني، وحين اختير لمنصب مهم فى الدولة كتب فى مطالبه الى رئاسة الوزراء “بما أنني اعمل أكثر من اهتمامي بالمظهر فإنني أفضل أن أحضر اجتماعات مجلس الوزراء بدون رابطة عنق ” كرافتة”، لا أريد وضع كشك حراسة أمام منزلي، فأنا وزوجتي نسكن فى عمارة لها ثلاثة مداخل وبها عدد كبير من السكان ولا أريد ازعاج أحد من جيراني، وأريد أن أذهب الي مكتبي باستخدام المترو كما افعل حاليا للذهاب الي مكتبي بجامعة القاهرة.

د. جودة عبد الخالق المفكر الاقتصادي المصري ووزير التضامن الأسبق، صاحب المسيرة الكبيرة  والحكاية الانسانية الملهمة التي تأخذك لمصر ما بين الخمسينيات والستنيات من القرن الماضي وما بين بدايات الألفية الجديدة  لرجل بسيط ولد فى ريف الدقهلية بين الفقراء وعمل بالزراعة والرعي، تحول الى طالب مجتهد متفوق فى جامعة القاهرة وصولا الى جامعة كندا ليتردد اسمه من جديد ويحصل على جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية.

نفس الطريقة التي يكتب بها يحدثك بها أيضا، لا يجد غضاضة أحيانا فى تأجيل مكالمة تليفونية مهمة من أجل زوجته ورفيقة دربه التي تشعر بالتعب وحين يطمأن يبحث عن الهاتف ويعاود الاتصال بصحفي صغير وعده أن يحدثه، يمنحك الكثير من الامل والحماس والمحبة فى نبرة صوته سواء هاتفك أو كان لك الحظ من الجلوس الى جوراه، وقد كان لي الحظ فى الاقتراب من عوالمه وافكاره، لا يتاني فى أن يهديك مفاتيح للحياة، معادلاتها قائمة على المثابرة والجدية والتفاني والاجتهاد، لا يخشي شيئا أيا كان الوضع القائم ويقول ما يريده وما يؤمن به.

جودة عبد الخالق السيد محمد، التلميذ الجالس داخل كتاب قرية “ميت العز” والذى حصل على الثانوية العامة 1960 فقابل الرئيس جمال عبد الناصر وتم تكريمه كطالب متفوق لم يكن يعي وقتها أن المقابلة ستتكرر مرة أخري بعد اربع سنوات فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية حيث ينتظره تكريم آخر لتفوق جديد، بعد أن كان من أوائل دفعات الكلية الجديدة وقتها، ليقابل نصفه الآخر فى نفس الكلية د. كريمة كريم ويبدأ مسارا جديدا فى الحياة دونها فى كتاب من 117 صفحة اشتركا فيه ووضعا له عنوان” حكاية حياة”، كما قدم تجربته فى وزارة التضامن الاجتماعي والتموين فى كتاب جديد مؤخرا بعنوان ” من الميدان الى الديوان” فى معني مميزا حرص على تصديره دائما سرد فيه تجربته تفاصيلها ومشكلات كثيرة واجهته ومحاولات حلها فى توثيق بديع لرجل صدق ما فعل.

خطوة جديدة فى سجل د. جودة عبد الخالق المفكر الاقتصادي الجاد ووزير التموين الأسبق، وأستاذ الاقتصاد حين تم الاعلان عن منحه جائزة النيل.

الرجل الذى أعلن دون خجل أنه عمل يوما راعي غنم ليؤكد أن الحياة تنصفك ان اجتهدت، تقربك من أحلامك ولا تخذلك، لتصبح تجربة راعي الغنم تجربة خصبة تعلم فيها أن تكون عينيه دائما على قطيع الأغنام وعلى كلبه الذى يقوم باستطلاع الذئاب المتربصة، لينتبه الى ذلك جيدا ويبادر باتخاذ ما يلزم لحماية القطيع، حكاياته فى كتاباته يبدر بها حكم كثيرة آمن بها واختبرها وأجادت هي الأخري دورها فى حياته، فكانت حكاية الشيخ الذى ضربه فى الكتاب حين طلب منه شرح الآية لكي يفهمها درسا فى استحالة العلم مع الأذي والقهر، هنا كانت الذاكرة والخيال زاد الطريق، الجناحين اللذين طار بهما ليتجاوز كل مشكلات الحياة، وصعد الى السلم المهني والعملي رغم صعوبة بعض الدرجات، وكانت قصته فى السفر الى كندا لإكمال الدراسة والحصول على الدكتوراة انتصارا جديدا له فكان المشهد النهائى هو أن يكون اسم جودة عبدالخالق متصدرا صفحات الجرائد لأسماء قدرتهم الدولة تقديرا مميزا بمنحهم جوائز حملت اسم النيل.

يقول د. جودة فى تصريحاته لـ”الأهالي” إن الجائزة تعني له الكثير، ودليلا على أنه ليس من الضروري أن تكون متسلقا لتحقيق شيئا، وأن الفكر والاستقامة والتفاني لهم نتيجة جيدة على عكس ما يتصور البعض، وقال إن سعادته الأكبر ليس بالجائزة انما بردود أفعال الناس على منحه الجائزة، وكعادته يستشهد بكلمات وإشارة من الدولة أن من يسير على خط مستقيم ويعمل ويتفاني فى عمله في خدمة وطنه والمصلحة العامة لابد وأن يصل، يضحك د. جودة ويتذكر جملة بواب العقار الذى يسكنه بعد الاعلان عن الجائزة وهو يخبره ” كنا مزأططين أنا وصحابي” ويعتبر “عبد الخالق” أن فرحة بواب العقار أمر بالغ الأهمية، فهي جملة كما يصفها تمنحه شيئا من الرضا عما قدمه فى حياته، ودليلا على أن الجائزة لها جذور على أرض الواقع وهو أمر لا يشغل بال الكثيرين.

وأهدي د. جودة الجائزة الى الفلاح المصري، حين سألته عن الشخص الذى يريد أن يهديه الجائزة بشكل معنوي، وقال إنه عام 1974 كتب فى مقدمة رسالته للدكتوراة اهداء “الى الفلاح المصري الذى دفع فاتورة تعليمي” أكد أنه الآن ايضا يهدي تقدير الدولة له لأنه الممول الحقيقي على حد وصفه، للنشاط العام ورغم أنه قد يكون فى أزمة ووقت مختلف عن الماضي لكنه يرغب فى أن يخبره أن هناك من يشعر به، ويتذكر “عبد الخالق” وهو يتأمل تقديرا جديدا له فى الحياة كلمات والده التي لا ينساها منذ صغره حين كان يقول له “خللى بالك الباني طالع والفاحت نازل” ويعتبر هذا التعبير البليغ كنزا رافقه طوال حياته، وكان له مفعول السحر فى كل مرة يشعر بحيرة أو يحتاج الى زاد للطريق.

ويعود مرة أخري مؤكدا ان جائزة النيل” بطعم الناس العادية” فردود الفعل منهم  فى غاية الأهمية والأهم أن الجائزة جاءت فى ظرف واضح لموقفه السياسي المعارض ورغم ذلك لم يحرم من الحصول على حقه كمواطن مصري وهي نقطة ايجابية على حد وصفه، تؤكد ضرورة وجود مساحة للتنوع والاختلاف.

ويتذكر د. جودة فى تصريحاته لـ”الأهالي” مرات تكريمه السابقة أولها وقت الثانوية العامة 1960 و1964 واستلام التكريم من الرئيس جمال عبد الناصر الذى كان حريصا على الاهتمام بعيد العلم وتكريم المتفوقين.

ويقول: إنها كانت نقطة تحول فى حياته، ويشرح فكرة أن يسلم على الزعيم وينظر الى وجهه وهو الاخر ينظر اليه، وكيف كان حافزا كبيرا له وقتها ويتذكر أيضا مفارقة حصوله على جائزة التفوق من المجلس الأعلي للثقافة عام 2005 وقراءة ذلك فى الصحف دون ان يهاتفه أحد أو يطلب منه استلام الجائزة، وبعدها بتسع سنوات فى 2014 هاتفه المجلس بأن هناك شيكا له سيدخل الأمانات يخص الجائزة التي حصل عليها فى 2005

وطالب د. جودة عبد الخالق، بالاحتفال بجوائز الدولة وتسليط الضوء عليها والاحتفاء بها من جانب القيادة السياسية لأنه مؤشر مهم للمجتمع أن تهتم الدولة بالعلم والعلماء، كما اقترح من منطلق إيجابي  تطوير آليات المجلس الأعلي للثقافة فيما يخص جوائز الدولة المقدمة واستشهد بآليات أكاديمية البحث العلمي فى اختيار الشخصيات وتقييمهم وبناء عليه منحها الجوائز، وأوضح جودة فى مطالبته أن آليات المجلس الأعلي للثقافة قائمة على ترشيحات للجوائز ثم غربلة الأسماء المتقدمة من خلال لجنة مصغرة من الخبراء وأهل العلم، والخروج منها بقائمة قصيرة يتم التصويت عليها ويكون المعيار نشر عدد من الكتب والملفات والأبحاث، أما أكاديمية البحث العلمي فالنظام يختلف ويكون أكثر مضوعية حيث تتم ترجمة كل الاعمال الخاصة بالشخص المتقدم فى نقاط ووضع عدد الأبحاث والكتب وأهميتها وأهمية المجلات المنشور فيها لأبحاث وتتجمع النقاط وتتحول الى مجموع كلي بناء عليه تمنح الجوائز للمتقدمين بما يشبه الانتخاب.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق