محمد فياض يكتب:قراءة متأنية من يناير إلى يونيه..تصويت شعبي مبتكر في الميادين ..(٤ – ٤)

79

*بقلم محمد فياض :

قبيل تخلي مبارك عن سلطاته كرئيس للجمهورية، كانت المطابخ الإقليمية والدولية تتعاطى مع رجالاتها من فرق الطبقة السياسية، وبارونات فريق الجمعيات الحقوقية، التي تشكلت بوفرة في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، وتلقت بوفرة أيضا تمويلات الإتحاد الأوروبي والمنظمات الخارجية المشبوهة، والتي تم دقها أوتاداً ونقاطَ ارتكازٍ تمت حمايتها بممارسات وإجراءات تجاوزت قوانين الدولة المصرية.
ومن يراجع مركز ابن خلدون والدكتور سعدالدين إبراهيم كنموذج، يستخلص ببساطة أن هذه الطبقة كانت تتعالى على القوانين المصرية، وتحتمي بالأجنبي طوال الوقت، وكان قد آن أوان تضفيرها لصياغة دولة ما بعد مبارك، على نسقٍ يحمي المصالح الصهيوأمريكية.
خططت بيوت المؤامرة الخارجية لواحدة من اثنتين، طريق من طريقين، لإنزال مصر في واحد منهما، ويبدو أن الحالة المصرية وفقا لخصوصيتها وماصدّرته (بتشديد الدال) من رسائل إلى المتربصين بنا، قد أفقدتهم صوابية التحضير الطويل، والتدريبات الكثيفة لعناصرها في الداخل، ومنصاتها الإقليمية، لإنزال مصر إلى سيناريو الفوضى البناءة لمشروعهم، والخلاقة لمصر الفاشلة.
وإن كانت ضبابية المشهد قد حالت دون دخول الوطن في سيناريو الاستقرار الدائم، وذلك لمدى عدم جاهزية الثورة المصرية، لصناعة ديمومة تعتمد قيادة ثورية، ومشروعاً ثورياً، يلبي طموحات الملايين التي خرجت على حكم مبارك ولأسبابها، هذا في المطبخ الوطني.
فاعتمدت بيوت المؤامرة الخارجية طريقا ثانيا وسريعا، فقد تمت دعوة فريق من جماعة الإخوان الإرهابية، وبقيادة خيرت الشاطر للاجتماع في البيت الأبيض، لتقديم الولاءات الجديدة، واستلام التعليمات والخطط، والتطمينات من الولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق هيلاري كلينتون التي قادت الاجتماع من الجانب الأمريكي .
وبخروج مبارك انقسمت الميادين إلى عدة مشاهد متكررة في كل ميادين التحرير في ربوع مصر، تشكلت على الفور مجموعات ضيقة تخاصمت بسرعة في المصالح، فتشظى التيار المدني، وطفت على السطح نعرات إدعاء الزعامة والأبوة المطلقة لحركة الجماهير، وتسارع تيار الثيوقراط لبث الفتنة بين فرق التيار الوطني من جانب، ومن الجانب الآخر رص الجماهير في كل ربوع الوطن، وصناعة احتشاد لقناعات الإختيار في إتجاه ماتم التخطيط له، وفي سبيل ذلك تدفقت بكل الوسائل، وعبر كل الحدود المصرية، أطنانٌ من أوراق النقد لتمويل مخطط اختطاف مصر.
واعتمدالتنظيم الإخواني على الأقاليم، وتم استخدام مئات الآلاف من المنصات في المساجد والزوايا، وفجأة ترتدي شوارع مصر الجلباب القصير والنقاب، ونزل الإسلام حديثا وبدأت الفتوحات، مشاهد مرعبة تأخذنا إلى نفق مظلم، وتنزل بمصر في أفضل الممارسات لهذا التيار إلى هاوية السيناريو الأول .. الفوضى .
وفي مناخات سيئة مارست التيارات المدنية الخصومة والإنشقاق، وبدت الطبقة السياسية تفاضل الأغلبية منها بين المصالح الذاتية والآنية، وبين التسابق في تقديم الولاءات لتيار الثيوقراط بكل فصائله وجمعياته الإرهابية، وعقد المؤتمرات العلنية لدعوة الناخبين المصريين، للتصويت لمرشح الجماعة رئيسا لمصر.
واطمأن الأعداء في الداخل والخارج أن مصر تم إدخالها الشباك، وأنها وضعت نفسها إنفاذاً لمقولة وارين كريستوفر.. تحت الخيمة.. وأصبح الهدف .والصيد في مرمى الاستهداف، هو جيش مصر
وتفرغت معامل المخابرات المركزية، لإدارة عملية الإجهاز النهائي وبسرعة على الجيش الأول في سورية، لتنتهي الجيوش الكلاسيكية العربية، التي رهنت تل أبيب أمنها بخروجها نهائيا من الخدمة، جيوش مصر وسورية والعراق، وقد تمكن برايمر في ٢٠٠٣ من تسريح الجيش العراقي.
لكن مصر كانت لها قولتان تحطمت على صخرتهما الإرادة الأمريكية.
الأولى: أن الشعب المصري الذي خرج ضد مبارك بالملايين، وأذهل العالم في ٢٥ يناير، وترسخ لدى الذهنية الصهيوأمريكية أن بدايات الخروج ربما كانت مصرية الصناعة، لكن توالي الموجات كانت بمساعدة ركائز الأجنبي، من جمعيات حقوق الإنسان، وعملاء الداخل، وتجار الأوطان، والإنفاق الذي أعلنت عن جزء منه السيدة آن باترسون، وظنوا أن كل هذه الجماهير لن تحتشد بعد ذلك أبداً ما لم تستدعها الولايات المتحدة .
فصدمت الجماهير المصرية العالم، بالخروج الكاسح مرة أخرى، بما لم يحدث في التاريخ البشري من قبل، وبما جاوز ما كان في ٢٥ يناير .
لتكتب ( ايريمنت إي فاكت ) الروسية، أن عشرات الملايين خرجت تعلن على الرئيس المصري وجماعته بعد عام واحد، (كش ملك ).
وقالت فورين بوليسي الأمريكية.” أنه بالرغم من وجود فجوة كبيرة أيديولوجية بين المحتجين على نظام حكم الإخوان، إلا أنهم اتحدوا .”
أما الصخرة الثانية التي تحطمت عليها الأطماع الصهيونية، في تحقيق الحلم الذي أخذت عليه وعداً من أكثر من قرن كامل من الزمان، واعتقدت أن الفرصة التاريخية باتت مهيأة لها، أن الجيش المصري (الثاني والثالث)، والذي كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أنها تعرف عن قوته وتسليحه مالم يعرفه بعض الجنرالات المصريين عنه، منذ كامب ديفيد، ومنذ توحيد مصدر تسليحه، والتدريبات المشتركة كالنجم الساطع وخلافه، وتحقق ميزان القوة التسليحية لصالح جيش الاحتلال الاسرائيلي، الأمر الذي اعتقدت معه الذهنية الأمريكية الغبية، أن جيش مصر بات في ذمة ميليشيات الجماعة وملحقاتها، وليتم التفرغ للإجهاز على الجيش العربي السوري، لتتمدد السكين وتطبق مشروع برنارد لويس في كل وطننا العربي .
إلا أن الأغبياء دائما تعجبهم نشوتهم بتحقيق الخطوة الأولى من المخطط، واعتقدوا أن الجيش مترهل تسليحاً وتدريباً، وأنه لا وزن له في المعادلة.
فأراد جيش مصر تلقين العدو من البيت الأبيض إلى أنقرة والدوحة، حقيقة أننا خير أجناد الأرض، وأن جيش مصر جيش محترف وليس مرتزقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر من حصة الدرس، يعلّم أمريكا ومن يستدعيها ليحتمي بها، أن أساطيلها تقع في استهداف المشيئة القتالية لجيش مصر، مهما كانت أجيال الأسلحة والفارق الجبار بينهما.
هناك ما لم تضعه أمريكا في الحسبان، إرادة العسكرية المصرية .
ومن جانب ثالث من حصة الدرس، لتتعلم معسكرات العدو، أن جيش مصر قوامه أكثر من ٣٥ مليون مقاتل، وأن النيل من مصر مستحيل التحقق، وفي أي ظروف كانت عليها مصر اقتصادية كانت أو غير ذلك.
وقبل أن تخرج الجماهير بوقت، كان الجميع فيه من الطبقة السياسية لم يستوعبوا حجم الخطر، ولا حجم الكارثة، وقبل استيعاب مدى امكان الخروج العارم ثانيا الى الميادين، خرجت قيادات وأعضاء حزب التجمع إلى ميدان التحرير وحدها، تطالب برحيل الجماعة عن حكم مصر.
و تتلمس طبقة السنيدة سكّتها، وتعلن عن نفسها الاغتسال من أدران الوقوف مع الجماعة، وتصف نفسها بعاصري الليمون.
وتستشعر مصر الأبية طريقها، والخطر المحدق بهويتها ودولتها القطرية، فتقطع الطريق على الإستقرار الملغوم قبل انفجاره في جسد الوطن.
وتخرج الملايين التي تجاوزت ٣٥ مليون، بما جاوز نسبة ال ٥١% التي شاركت في الانتخابات في ٢٠١٢، لتعلن سحب الثقة من حكم الجماعة، وتوقع بأقدامها على تراب ميادين مصر، وبحناجرها التي يشهد عليها العالم، ليسترد الشعب كافة السلطات، التي وفقا لكل النظم الدستورية هو سيدها ومالكها، ولتقطع بتصويتها المبدع على تراب الوطن وفي أكبر لجنة انتخابية عرفتها البشرية في تاريخها، .لجنة باتساع مصر، لتلجم كل من تسول له نفسه ادعاءات وأحاديث الإنقلاب.
وتستدعي جيشه العظيم، وتملي عليه قرار نتيجة التصويت المبتكر، ليتولى إنفاذ خلع تيار الثيوقراط من الحكم، ويرد الجيش: أفندم.. تمام أفندم.

..إقرأ الحلقات السابقة :

الحلقة الأولى ..محمد فياض يكتب: قراءة متأنية من يناير إلى يونية..(١ – ٤)

محمد فياض يكتب :قراءة متأنية من يناير إلى يونية بين العوامل الداخلية للغضب .. والخارجية للحراك..(٢- ٤)

محمد فياض يكتب :قراءة متأنية من يناير إلى يونيه ..خفايا مخطط الفوضى الخلاقة ..(٣ – ٤)

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق