اعتصام المثقفين الشرارة الأولى للثورة..*عز الدين نجيب: القوى الناعمة أعلنت حضورها في مواجهة الإخوان

25

حقق المثقفون المصريون باعتصامهم بمكتب وزير الثقافة طوال شهر يونيو 2013 شعبية لم يحققوا مثلها على مدى عقود عدة.. كان دافعهم المباشر للاعتصام هو تعيين وزيرا للثقافة فرضته الحكومة الإخوانية، كانوا على يقين بأنه جاء لأخونة الوزارة ، ولطمس هوية الشعب وللقضاء على رسالة الاستنارة التي رفعوا مشاعلها على مر الأجيال ، وأنه ـ في المقابل ـ إرسال مفاهيم رجعية معادية لحرية الفكر والتعبير بتحويل المؤسسات الثقافية الراسخة إلى أدوات لتمكين حكم الإخوان ، وصياغة عقول مطيعة ، مجافية لجوهر الإبداع والتقدم ، لكنهم سرعان ما انتقلوا من ذلك الدافع إلى دافع أكبر ، جعلهم يخاطبون الرأي العام من فوق المنصة المقامة في الطريق وعبر وسائل الإعلام المختلفة ، وهو إبلاغ رسالة ثقافية تلتحم برسالة ثورة 25 يناير وتتفاعل مع الوعي الجديد ، الذي اكتسبه المصريون ، وتجعل من معنى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية عقيدة راسخة يناضلون مع الشعب لتحقيقها على أرض الواقع .

فنون مختلفة

وثمة قاسم مشترك من الغناء لاحظنا ترديده أكثر من مرة كل ليلة ، وهو نشيد “بلادي” وأعنيتا ” أحلى البلاد ” و” أنا بحبك يابلادي ” وكانت تغني بصوت جماعي لكن بعذوبة وشجن ما يعني أن الحاضرين استشعروا أن كيان ” الدولة الوطنية” التي ينتمون إليها بات مهدداً بالتفكيك في هذه اللحظة التاريخية ، وأن عليهم إنقاذها من حكم جماعة لا تؤمن أصلاً بالدولة أو الوطن قصر الفترة الزمنية للاعتصام  وبساطة الإمكانات المتاحة للتواصل مع الجماهير ، كانا مظهر قوة لا ضعف ، إذ شهدت تلك الفترة تكثيفاً بالغاً لمضمون الرسالة ولوسائل التعبير عنها وتميزها بالجدة ، بهذا استطاعت المنصة أن ترصف جسراً امتد إلى قطاعات من طبقات وشرائح اجتماعية متنوعة ، وجدت لأول مرة ـ في رسالة المثقفين تعبيراً مباشراً عنها ، في رفضها للدولة الفاشية المتأسلمة ، وفي شوقها إلى العدل والحرية إلى رفع الرأس عالياً ، كذلك صححت في أذهان الجماهير صورة الفن الرفيع التي شوهتها أبواق الإخوان ، وحلفائهم بمجلس الشورى وعبر وسائل الإعلام ، حتى وصفوها بالفسق والفجور واتهموها بالحض على الرذيلة ، كلمات المثقفين والمبدعين ، كباراً وشباباً ، حملت نغمة جديدة كان يسمعها المواطن العادي لأول مرة ، أو جاءت استدعاء لنغمات عفية من ألحان وكلمات بدءاً من سيد درويش حتى الشيخ إمام لم تزل تهز وجدانه ، وجوه المثقفين التي ظهرت على الشاشات والصحف اختلفت عما اعتاده هذا المواطن في برامج” التوك شو ” طوال شهور الثورة وما قبلها ، والتي لم تكن تخرج ـ إلا فيما ندر ـ عن “حنجورين سياسييين أو دعاة دين، ولا تكاد ترى بين هؤلاء جميعاً وجوها للمفكرين والأدباء والشعراء والرسامين والنحاتين والموسيقيين ـ مصدر الجدة والاختلاف لنغمة المثقفين خلال الاعتصام وبعده إنها كانت مشحونة بأحلام الثورة لا بحسابات السياسة، مرطبة بعبق الفن لا مجففة بالنظريات المستهلكة . مشفوعة بحس التجربة الإنسانية وبالنظرة النسبية لا بالأحكام المطلقة والأفكار الجاهزة ، مظلة بظلال الحضارة وعمق الهوية لابطلاء المصطلحات الرنانة ، معنية بقيم الفكر والاخلاق وبلمسات الجمال لا بالمواءمات الحزبية ، والقانونية ، مهمومة بفتح الطرق إلى المستقبل لا باجترار الماضي والوقوع في أسره . إنها لغة الإبداع الملونة باطياف الألوان ورقة الأشعار

باختصار هي القوى الناعمة للفن والإبداع، فلا يقف حائل بينها وبين المتلقي وهي تسعى إلى التوافق لا الصراع .

تجربة مهمة

عاملان ساعدا في التجربة ـ على تغليب فكرة القيمة الكيفية :

الأول : هو ” المنصة ” التي أقيمت على رصيف مقر الوزارة وتولي شباب الفنانين من فوقها تقديم موسيقاهم وأغانيهم ورسومهم وأسكتشاتهم المسرحية ، والظاهرة الجميلة كانت فى انضمام العديد من الفرق الفنية الآتية من المحافظات ، والملفت أنها كانت تمثل الفنون الشعبية التراثية أو الفنون العصرية الكلاسيكية والحديثة بغير تمييز عنصري بين الثقافتين .

والملفت لذلك وجود أطفال موهوبين بامتياز بروزا من خلال ورش للرسم في الهواء الطلق أو للغناء وإلقاء الشعر أيضاً ، وقام الشعراء بإلقاء قصائدهم ، وكذا فعل الكتاب والروائيوان والمسرحيون بطرح خواطرهم . الثورية ، بل رأينا كيف قدم راقصو فرقة بالية الأوبرا رقصاتهم المشتعلة حماساً وقوة في نهر الطريق وسط مئات المتفرجين الذين تجمعوا من كل مكان ، وتزايد عددهم يوماً بعد يوم ، ومن شرفات ونوافذ الطوابق العليا للبنايات المشرفة على المنصة أطل ساكنوها معبرين عن أندماجهم الحميم مع تلك الحالة الفنية الثورية كل ليلة .

ذكرنا كل ذلك بما شاهدناه في مليونيات التحرير أيام الثورة لكن بصورة أكثر تركيزا.

كانت كل ليلة ـ هناك ـ وجوه جديدة لم يسبق لها التعاطي مع مثل هذه الأنشطة ، في كل مرة يجيئون باطفالهم أو بأصدقاء وأقارب فيشاركون في صنع الحالة الثقافية ، الأهم من ذلك ماكانت تشهدة قاعة الاجتماعات بداخل الوزارة كل ليلة من حوارات ثرية حول مختلف القضايا الثقافية والسياسية والأدبية والفنية ، وكيف أجتذبت هذه الحوارات الكثيرين من الشباب العاديين وجعلتهم ينخرطون في العمل الثقافي .

هكذا.. بغير تخطيط مسبق وبإمكانيات ذاتية متواضعة ، حقق المثقفون التلاحم العضوي المفقود مع الجماهير منذ أجيال ، وأستقطبوا مناصرين لقضيتهم من الشباب بوجه خاص ، وزرعوا مساحات جديدة من الإبداع المعجون بعشق الوطن ، ثم جاءت المفاجأة التي لم يقصدها اعتصام المثقفين ، وهي أنه تحول إلى نموذج استشري في عدد من المحافظات حيث اعتصم المواطنون أمام دواوين المباني التي توجد بها مكاتب المحافظين الإخوانيين ومنعوهم من الدخول ، لنفس السبب الذي اعترض المثقفون به طريق وزير الثقافة بحكومة الأخوان إذن أصبح المثقفون قادة للفعل الثوري وقوة للجماهير بعد طول انقطاع وعزلة بين الجانبين .

مواقع التواصل

العامل الثاني: هو مواقع التواصل الاجتماعي ” الفيس بوك ” التي اشتعلت باستجابات فورية وترديدات ثورية مع الاعتصام ، وقامت بتوثيق فعالياته ولياليه الكترونيا وترويجها على أوسع نطاق، حتى حققت حالة شعبية ” للثقافة المقاومة” ضد القهر والاستبداد والتخلف .

إن هذه التجربة وما يدخل في سياقها من أنشطة بعد 25 يناير تثبت عدة أمور:

أولها : أن الفن فعل ثوري، وأن الثورة روح الإبداع ودماءوه الجياشة ، وأن المبدع في جوهره ثوري ، فلا إبداع بغير حرية ، ولا حرية بغير نضال لتحقيقها ، ولا معنى للنضال بغير تلاحم المثقفين مع الجماهير ، ومع قوى الثورة والتغيير .

ولا تغير بغير هدف واضح تكثف حوله الطليعة الثورية مع القاعدة الشعبية .

ثانيا : إن تفاعل المثقف والمبدع مع الجماهير ممكن التحقق لو توفرت لديهما الإرادة، ولو تحرروا من النزعات الفردية والدوافع الشخصية ، ذلك يستدعي خروجها إلى الجماهير لا انتظار مجيئهم إليها في القاعات المغلقة ، وبدون اشتراطات لتوفر الإمكانات الاحترافية .

ثالثا : إن الدور الأهلي والمستقل للمثقف والفنان بمبادراتهما الذاتية ينبع من شعور بالواجب والضرورة ، وقد ثبت ذلك بالفعل ، ليس من خلال اعتصام المثقفين في شهر يونيو فحسب ، بل كذلك من خلال مهرجان ” الفن ميدان ” الذي كان يقام يوم السبت الأول من كل شهر بميدان عابدين .

وكانت تشارك فيه الكثير من الفرق الموسيقية الشبابية وجماعات الفنانين التشكيليين الهواة ورسامي الكاريكاتير والشعراء والمغنين .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق