فتحية العسال الأيقونة الثقافية لثورة 30 يونيو

44

*بقلم عيد عبد الحليم

فتحية العسال، أحد أيقونات الثقافة المصرية في القرن العشرين بما قدمته من رحلة ثقافية وإبداعية ونضالية، اتسمت بالإضافة إلى الإبداع العربي، عبر كتابتها المسرحية والسردية المختلفة ، ومواقفها النضالية ، الداعية إلى الحرية والمساواة.
بدأت “فتحية العسال” رحلة النضال الإنساني مبكراً ، منذ ميلادها عام 1933، حيث لم تتلق أي تعليم نظامي بسبب تسلط والدها الذي كان متمسكاً بفكر قديم، وهو عدم تعليم البنت، إلا أن ” فتحية ” أصرت على أن تعلم نفسها بنفسها القراءة والكتابة، وهذا ما أشارت إليه في سيرتها الذاتية والتي حملت عنوان ” حضن العمر ” قائلة ” ابتديت كل يوم بعد ما أخلص شغل البيت من كنس لمسح لطبيخ أدخل غرفتي وأقفلها على وأعيش إصراري وأمسك القلم وهات يامذاكرة”.
وجاء ارتباطها بالأديب الراحل “عبد الله الطوخي” الذي تزوجها وعمرها أربعة عشر عاماً ، ليفتح أمامها باباً آخر للثقافة فكان “الطوخي ” محفزاً لها على الإبداع، ومواصلة طريق التعلم ، واستمر الزواج لسنوات طويلة ثم انتهى بعد ذلك بالانفصال.
وفي شبابها قادت “العسال ” حملة لتعليم فتيات “حي السيدة زينب ” القراءة والكتابة ، من خلال تكوين فصول لمحو الأمية، وإقناع السيدات بالالتحاق بتلك الفصول كان هذا عام 1956 .
وكانت ” فتحية ” بعد إنتهاء اليوم الدراسي تجلس مع الفتيات تعلمهن كيف يأخذن حقوقهن وكيف يرفض الفكر المتخلف والتقاليد البالية.
ثم شاركت بعد ذلك في الحركة الثقافية والوطنية المصرية ، فكان لها مواقف بارزة ، وكانت من أوائل المؤسسين لحزب التجمع، وشاركت في رفض معاهدة كامب ديفيد مع مجموعة من المثقفين مما أدى لإعتقالها أكثر من مرة .
وشاركت ـ أيضاً ـ في ” لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية “الرافضة للتطبيع مع عدد من أهم المثقفين المصريين أمثال د. لطيفة الزيات وحلمي شعراوي وأمينة رشيد وفريدة النقاش، وعواطف عبد الرحمن ، ود. عبد العظيم أنيس وغيرهم .
وكان لها موقف مهم في اعتصام المثقفين المصريين داخل وزارة الثقافة في يونيو 2013، بعد تولي الوزير الإخواني علاء عبد العزيز مقاليد الوزارة ، والذي بدأ يفرض سياسات الإخوان وقتها داخل الوزارة ، بإقالة المثقفين من مواقعهم، وكان يهدف لسرقة كثير من الوثائق من دار الكتب والوثائق القومية، فاقتحم المثقفون وفي مقدمتهم فتحية العسال مكتب هذا الوزير الإخواني وطردوا معاونيه.
فكانت ” فتحية” بمثابة الأم لكل المثقفين الذين شاركوا في هذا الاعتصام الذي كان بمثابة الشرارة الأولى لثورة 30 يونيو 2013 ، والتي أطاحت بحكم الإخوان الأسود.
جاءت إبداعات فتحية العسال لتربط ما بين السياسة والأدب، من خلال توظيف فني عالي القيمة، كما أهتمت بقضية المرأة ولعل مسلسلها التليفزيوني “هي والمستحيل” والذي قامت ببطولته الفنانة صفاء أبو السعود والفنان محمود الحديني ، من أهم المسلسلات التي طرحت فكرة تعليم المرأة فبطلته إمرأة تزوجت زواجاً تقليديا من شاب متعلم في الجامعة ، وهي لم تتلق أي شىء من التعليم ، لكنه حين تخرج تعالى عليها وطلقها لأنها غير متعلمة، فأخذت عهد على نفسها، أن تعلم نفسها بنفسها ، ثم التحقت بامتحان الشهادة الابتدائية ونجحت واستمر كفاحها حتى حصلت على الشهادة الجامعية .
أما مسرحيتها “سجن النساء” والتي قدمت على خشبة المسرح لأكثر من مرة ، وتم تحويلها بعد ذلك إلى مسلسل تليفزيوني شهير قامت ببطولته النجمة نيللي كريم وحقق نجاحا ملحوظاً عام 2014 ، فطرحت فيه فكرة الظلم الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة في صور مختلفة ، مما يؤدي في النهاية إلى أن يتحول هذا الظلم إلى جريمة تكون مضطرة لارتكابها .
وقد قالت “العسال ” في مذكراتها عن ارتباط الأدب بالسياسة بالمجتمع عندها في كتابها “أنا لا أفرق أبداً ما بين الإبداع الأدبي والسياسة، فبلاشك هما مرتبطان ببعض فمسرحية “بلا أقنعة ” التي تتحدث عن المرأة وضرورة تحديد موقعها والأرض التي تقف عليها هذا سياسة ، وفي مسرحية “سجن النساء فاسد، فهذا أيضا ، سياسة وإبداع” وعندما كتبت مسرحية “البين بين” عن الإنسان المعاصر الضائع كنت أتحدث سياسة ، حيث يطمح حسن الشخصية الأساسية بأن يكون أغنى رجل وأشرف رجل، هذا التناقض والطموح المستحيل يقوده إلى الانتحار ، وبعد انتحاره تجري له محاكمة بين السماء والأرض يحاكمه اليمين والوسط واليسار وكل منهم يلومه من موقعه”.
وكانت ” فتحية العسال ” أول كاتبة عربية تلقي كلمة الاحتفال العالمي بيوم المسرح ـ على مستوى العالم، ولم يسبقها من العرب سوى الكاتب السوري سعد الله ونوس .
وفي حوار لي معها عام 2005 قالت لي: ” مدخلي إلى هذا العالم هو الشارع ، لأني منذ عام 1957 ، كنت أقيم أربعة فصول محو أمية للسيدات في حي ” قلعة الكبش” ثم كانت البداية قصص هؤلاء النساء ، ثم تطرقت كتابتي إلى مشاكل الشعب المصري نفسها والتناقضات داخلها ، والوعي بحلولها فكان من خلالي ارتباطي بالناس مدخلي إلى الدراما” .
وعن مسرحيتها “من غير كلام” ـ وهي مسرحية ذات بعد اجتماعي عرضت على مسرح الغد ” عام 2004 جاءت لتعبر عن الواقع الاجتماعي بجميع جوانبه، وتقول فتحية عن تلك المسرحية : “الفن هو النظرة المستقبلية ، الفن هو المعبر الأول والأخير عن الإنسان، وهو الذي يعبئ الجماهير من أجل مطالبهم البسيطة”.
وطوال حياتها التي استمرت حتى منتصف يونيو 2014 وعمرها 81 عاماً، ظلت ” فتحية العسال ” رافضة للاستسلام للقهر الذكوري والمجتمعي، وقفت للتحدي “المستحيل” .
قدمت ” فتحية ” للتليفزيون المصري 57 مسلسلاً منها “رمانة الميزان ” و” حتى لا يختنق الحب ” وشمس منتصف الليل ” و” لحظة اختيار ” و” لحظة صدق ” .
كما قدم المسرح لها عشر مسرحيات منها ” نساء بلا أقنعة ” و” الباسبور ” و” المرجيحة ” و” ليلة الحنة” .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق