المخرج المسرحي طارق الدويري:المسرح الحقيقي يعمل علي بث حالة من التنوير في المجتمع

32

حوار: عيد عبد الحليم
طارق الدويري مخرج مسرحي يتميز بتقديمه لمسرح متمرد يعتمد على المواجهة والتعبير عن حرية الفكر والإبداع، مسرح ضد الرقابة، عبر تقنيات مختلفة حداثة الرؤية، والاعتماد على طاقات شابة في التمثيل والديكور وغيرها من أدوات العمل المسرحي، وينتمي– كذلك– إلى جيل مسرحي مغامر يمثل تيار الاستقلال في المسرح الحديث.
 “المحاكمة” عرضك المسرحي يطرق كثيرا من القضايا الاجتماعية وهو عرض صعب- كيف أمكنك التغلب على الصعوبات التي واجهته؟
– النص الأصلي اسمه “ميراث الريح” المؤلف جيروم لورانس، وهذا النص قدم في السينما العالمية من خلال نسختين “ميراث الريح”، وخرج ليكون ضد المكارثية في أمريكا ومقامتها، التي كانت تحجم الفكر، وبمثابة محاكم تفتيش ضد المفكرين والمثقفين.
النص يطرح حادثة تمت بالفعل في إحدى الولايات الأمريكية عن مدرس قرأ كتابا لمجموعة من التلاميذ فقبض عليه وتتم محاكمته على اعتبار أنه خارج عن قوانين الولاية، واتهم بالكفر. وهنا تتم المحاكمة الجائرة، في هذا العرض وموضوع “المحاكمة” هو حرية الفكر.
هل من حق الإنسان أن يعبر عما فكر فيه عند اصطدامه بالسلطات والمؤسسات؟ ومن هنا يصطدم مع السلطة الموجودة ورجال الدين والقضاء.
ويطرح العرض سؤال هذه الفترة: هل من حق الإنسان أن يختلف في آرائه مع السلطة الدينية أو سلطة الدولة في ظل تشريعات غير عادلة، وغير قابلة للرأي الآخر؟
في النص الأصلي البطل يصطدم مع السلطة الدينية التي تكفر بعض الكتب، لكن أنا كمخرج ومؤلف جردت النص بحيث يكون صراعا بين كتاب ونصوص مقدسة.
وكلمة نصوص مقدسة يمكن وضع خطوط تحتها، فقد يكون نصا دينيا أو نصا آخر “كتاب فكري آخر” يمارس شكل الوصاية على أي كتاب يختلف معه.
 اخترت أن يكون جزءا من الديكور عبارة عن سجن مقسم إلى أقفاص.. ما دلالة ذلك؟
– هذا النص بدأت بروفاته أيام حكم المجلس العسكري ولم ير النور إلا مع بدايات سقوط الإخوان، وكان في هذا الوقت مقاوما للسلطة الحاكمة وقتها.
والرؤية التي عملت عليها كانت تتسع من أول السلطات التنفيذية بداية من المجلس العسكري والوجه الآخر له الرجعي “الإخوان”، والاثنان– من وجهة نظري– يمثلان خانة المحافظين الذي لا يمنح للآخرين إبراز آرائهم.
كان عرضا يقاوم لحظة تاريخية، ولذا أصررت على تسميته “المحاكمة” وهي محاكمة لأي دولة مستبدة وأي وجهة نظر مستبدة .
العرض يدعو إلى حق الإنسان في التفكير وإعمال العقل، ومناقشة كل التابوهات والمقدسات التي تُفرض على الإنسان دون تفكير.
العرض حصل على 5 جوائز من المهرجان القومي للمسرح عام 2011، جائزة أفضل عرض وأفضل موسيقى للفنان تامر كروان، وأفضل ممثل أول للفنان أشرف عبدالغفور، وأفضل ديكور مناصفة لمحمد جابر وأفضل إخراج لطارق الدويري.
 تقدم ما يسمى بـ”التنوير بالمسرح”.. إلى أي مدى تحقق ذلك في عرضك الأخير؟
– هذه اللحظة التي فيها محاكمة المتهم الذي حُسب مذنبا رغم أن التاريخ يقول إنه غير مذنب هي لحظة بها ظلٌ للحظة التي نعيشها في هذا الوطن. وهذا دور المسرح في المقام الأول. أن يحس بالواقع ويلامسه وأن يعبر عن المجتمع ويكشف كم العتمة الموجودة، ويرسم كيفية الخروج من النفق. دور المسرح كما قال بريخت إذا لم يحرك المياه الراكدة فلا يكون مسرحا. العرض الحي قادر على إيجاد تلامس مع اللحظة الراهنة لأنه يكشفها، وقد قدمت عرضا اسمه “حفلات التوقف عن الغناء” عام 2006 أيام ما سمى بـ”مذبحة القضاء” تكلم عن التعذيب في المعتقلات من خلال ضابط أمن يمارس الإقصاء ضد المسجونين، طرحت فكرة التعذيب ضد المخالفين في الرأي، عرض شهرا على مسرح الهناجر بقيادة د. هدى وصفي، بعد ذلك حدثوها وقالوا لها: إن العرض يطرح ما يحدث في غياهب المعتقلات في ظل حكم مبارك.
 تشارك كثيرا في إعداد النصوص التي تخرجها حيث تقوم بدور الدراماتورج لها.. فهل يساعدك ذلك على تقديم الرؤية التي تريدها؟
– أتعامل مع النص المسرحي على أن هناك مؤلفا للنص المسرحي، وهناك مؤلف للعرض المسرحي، كما يحدث في السينما، هناك نص أدبي، مؤلف الفيلم يتعامل مع النص الأدبي- السيناريو. في المسرح هناك الدراماتورج، في أغلب عروضي أنا مارست ذلك بحيث يصاغ على مستوى الصورة والكلمة التي تعبر عن هموم العرض، وما تريد أن تطرحه التجربة. وهناك عرض “زمن الطاعون” وهو نص عن جاليليو لبريخت، وكان يناقش حرية الفكر واصطدامه بالسلطات الدينية، وإرغام هذا المفكر على إنكار أفكاره.
كان العرض عام 2001، وكنت ألقي الضوء على انسحاب المثقفين عن الشارع بترك الشارع للتيارات الدينية التي استولت على الناس وإنكارهم للحقائق التي يعرفونها في ظل الأفكار الوهابية التي جاءت مع الأفكار الرجعية في حماية السلطات وقتها.
ضد الرقابة.
 تقدم مسرحا سياسيا وهذا يعرضك للرقابة في معظم العروض.. كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة؟
– من خلال المقاومة والاستمرار، فما يمنح الفنان فرصته يكمن في ذلك. في عرض “المحاكمة” ظللت عاما ونصف العام حتى تتم التجربة، إما بجهل القائمين على المسرح أو عدم فهمهم رسالة المسرح الحقيقية، عندنا فهم خاطئ في مصر ترى أن الحل الأمني هو الذي يحل الإرهاب، وأعتقد أن مقاومة الإرهاب تتم بالفكر أولا، إذا كان هناك اصطدام مباشر مع التيارات الرجعية فالحل الوحيد يكمن في الفن والثقافة، والمسألة الآن عند الجهات الحاكمة هل يدركون قيمة الثقافة ودورها في الشارع، إذا كانت هناك أفكار ضد حرية الفكر فهناك أنظمة ضد حرية الفكر. الفنان يبحث عن حلول بطريقة يمكن أن يتجاوز بها السلطة ولا يصطدم بها بشكل مباشر.
مغامرة جيل
 قام جيلك بدور مميز في الحركة المسرحية من خلال تكوينهم لعدد من الفرق المسرحية الرسمية المستقلة.. كيف ترى هذه التجربة؟
– أراها إنقاذا للمسرح المصري في هذا الجيل لأنه للأسف المؤسسة المسرحية الرسمية من خلال البيت الفني للمسرح أجهضت تجربة المسرح وحولت الفنانين إلى موظفين.
خروج جيل خارج المؤسسة كان الحل، ويعود الفضل في ذلك المهرجان المسرح التجريبي الذي أثرى الحياة المسرحية وأخرج جيلا من المسرحيين كان يمكن أن يحمل المسرح المصري إلى بر الأمان، لكن المؤسسة الرسمية كانت تريد بشرا تروضهم، لأنهم يعلمون خطورة الفن الجيد والمسرح. وهذا ينصب على الفنون الأخرى كالشعر والسينما، لكن المسرح خطوات تعويقه تكون أسهل. تظل المشكلة أن هذه الدولة تفكر بعقلية مبارك وهناك خشية من الثقافة.
 ما الحلول التي تقترحها للخروج من الأزمة التي يعاني منها المسرح المصري؟
– الدولة تلعب دورا أساسيا في التعتيم على المسرح، فحين يكلف عرض 200 ألف جنيه ولا تصرف عليه دعاية، فالدولة بذلك تقصد إجهاض المسرح.
منذ زمن السادات إلى اللحظة الراهنة ما يقدم على المسرح هو المسرح التجاري، أما المسرح الجاد فلا توجد إرادة حقيقية لإيصاله للناس.
أتحدث عن “نظرية الفنكوش” أنت الآن تصنع منتجا وتهدره، هذه سياسات المسرح في مصر، قديما كان مسرح الهناجر في عهد د. هدى وصفي يقوم بتبني التجارب المستقلة، أما الآن فمعظم الفرق المستقلة في الشارع، للأسف الآن يدار المسرح بمنطق البيت الفني للمسرح .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق