بعد ثورة يونيو.. تجديد الخطاب الدينى إلى أين؟

أحمد عسران: الثورة جاءت لإنهاء الفوضى الفكرية ومحاصرة القنوات المتطرفة

42

إبراهيم نجم: الخطاب الديني مسئولية المجتمع في المقام الأول وبمشاركة كل الجهات

أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر: الثورة وضعت الأمور في نصابها الصحيح وتجديد الفكر ضرورة

خالد الزعفراني: السعي في عملية التطوير والمواكبة جاء قبل 25 يناير

ثروت الخرباوى: المشهد الديني لم يتغير بمفاهيمه التقليدية من القرون الأولى

اختلفت أراء الباحثين والمختصين في شأن الإسلام السياسي، عن الدور الذي قامت به المؤسسات الدينية الثلاث “الأزهر، الإفتاء، والأوقاف”، عقب ثورة 30 يونيو، والإطاحة بحكم الإخوان، ويرى بعضهم أن المؤسسات قامت بدور كبير في نشر وتصحيح صورة الإسلام والمسلمين بالداخل والخارج، من خلال السيطرة على المنابر، واقتصار الفتوى على علماء المختصين، إلى جانب غزو الفضاء الإلكتروني وترجمة الفتاوى والخطب باللغات المتعددة، بينما يرى آخرون أن جهود تلك المؤسسات لم تكن بحجم المخاطر التي يشهدها العالم، مطالبين بضرورة بذل المزيد من الجهد لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية وهي “تجديد الخطاب الديني”.

في البداية، يقول الدكتور أحمد عسران، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة،  إن ثورة 30 يونيو جاءت لإقصاء القنوات التي كانت تحرض على العنف والكراهية للآخر، ورجوع علماء الأزهر للمشهد الديني لينشروا رحمة وعدالة الإسلام في التعامل مع الآخر، وتم إقصاء كل فكرة وحركة هدامة عن المشهد الإعلامي تدعو إلى النفور من الأخر والفوضى الفكرية، لأنها عكست الخلل الفكري في الشارع المصري وهذا ما شهدناه أثناء فترة حكم الإخوان بعد أن تنافست التيارات الفكرية المتناحرة المتشددة على السلطة وقامت بتوزيع المناصب فيما بينها على حساب نقاء وقدسية الدين الإسلامي.

إعادة فهم النصوص

ظهرت فتاوى التكفير للآخر من فقه البداوة، واضطهاد الأخر عبر وسائلهم الإعلامية باسم الدين والتي ساعدت على نشر تلك الأفكار المسمومة بين الجماهير، حسبما ذكر أستاذ الشريعة الإسلامية.

مضيفا أن إعلامهم الفاسد الغاشم هدم رونق وجمال الدين عبر شيوخ فقه البداوة في تلك المرحلة السوداء من تاريخ مصر، والتعمد بإقصاء الأزهر عن ريادته الدينية للعالم الإسلامي.

ويؤكد عسران، أن المؤسسات الدينية في انعقاد دائم لتجديد الخطاب الديني لأنه أصبح فرضا عينيا، ولاسيما بعد انتهاء حكم الجماعات والتيارات المتشددة، مشيرًا إلى أن تجديد الخطاب له أصل في الإسلام، لافتًا إلى أن تجديد الدين ليس إضافة شيء جديد في الدين، ولكن إعادة الفهم الحقيقي لصحيح الدين عبر مقاصده الفقهية السليمة، وقد جاء في آخر مؤتمرات الأزهر العالمية في يناير الماضي بوجوب وحتمية تجديد الخطاب الديني، وإعادة فهم نصوص التعامل مع الأخر والتعايش السلمي من منطلق السماحة والرحمة والمودة بين عنصري الأمة، من خلال فقه مقاصد الإسلام والمسلمين.

فقه البداوة

ويتابع أن عقب ثورة 30 يونيو كان هناك عبء على الأوقاف، ولا سيما انتشار فقه البداوة عبر المساجد والإعلام من أناس غير مؤهلين للخطاب الديني، فيحسب للأوقاف المشاركة في القرارات الوقائية لفوضى الفتوى، التي تلزم الغرامة والسجن لكل من يتصدى للفتوى وغير مؤهل، أو من يحاول نشر فتاوى مضللة تدعو إلى الفتن واضطراب الأمن العام في الدولة، مطالبًا الأوقاف بضرورة إنشاء معاهد علمية خاصة تابعة للوزارة للمدنيين؛ لتعليم سماحة ورحمة الإسلام عبر علمائه المعتدلين، وإجازتهم بالوعظ والإرشاد بعد اجتياز الاختبار الشفهي والتحريري في نهاية سنوات الدراسة بإجازات معتمدة  كي تسد عجز الوعاظ .

ويشدد على أننا بحاجة إلى الخروج من الناحية النظرية إلى الميدان العملي من خلال: بث قنوات فضائية تصل إلى كل بيت، تنشر وسطية واعتدال الفكر الإسلامي من خلال علماء الأزهر الثقة المعتدلين، إلى جانب إنشاء مجامع ولجان علمية متخصصة على غرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة في شتى التخصصات الشرعية والاستعانة بالعلوم الاجتماعية والتربوية ولا سيما علم النفس والصحة النفسية لمعالجة الأمراض الأخرى، بالإضافة إلى إنشاء معاهد علمية للمدنيين؛ لتعليم سماحة ورحمة الإسلام عبر علمائه المعتدلين للمدنيين وإجازتهم بعد سنوات من الأزهر بإجازات معتمدة.

ويطالب عسران، بضرورة السماح للمدنيين الالتحاق بجامعة الأزهر بعد امتحان القبول من قبل الأزهر حتى يتسنى لمن لم يلحق بالأزهر، أن يتعلم سماحة الدين ولا يكونوا عرضة للأفكار الهدامة المتطرفة من الجماعات المتشددة .

جمود الخطاب

وفي السياق ذاته، قال الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية، إن العالم استفاق خلال السنوات الأخيرة بعد عدة ضربات غادرة من الإرهاب على كارثة تكلس وجمود الخطاب الديني وتوقف حركة التجديد عند عصر الإمام محمد عبده ومدرسته العريقة من أمثال الشيخ المراعي والمرصفي وشلتوت وأبو زهرة وعبد الوهاب خلاف وأحمد بك إبراهيم، هؤلاء العلماء الأعلام الذين أثروا الفكر الإسلامي بالعديد من الجهود التي تعد باكورة التجديد في العصر الحديث، ثم انتشر بعد ذلك خطاب الجماعات المتشددة المهتمة بالظواهر والشكل والقشور على حساب المعنى والجوهر والأصول، فانعكس توقف حركات البعث والتجديد مع نمو حركة الإسلام السياسي وشيوع خطاب ظاهري متشدد يتباعد بشكل ملحوظ عن جوهر الإسلام وروحه السمحة ويعلي من قيمة المظهر على حساب الجوهر، مؤكدًا أن هذا التيار لقي بحكم استغلاله لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وربما أيضا بما أغدق عليه من دعم مالي من جهات مشبوهة رواجا بين فئة كبيرة وقطاعات واسعة غيبت عن حقيقة خطاب الإسلام السمح وروحانيته التي تدعو إلى التسامح والتعايش واحترام الخلاف مهما كان نوعه، وقال: “مع تصاعد هذه الفئات إلى سدة الحكم السياسي في فترة ما أدركنا جميعا وفي مقدمتنا المؤسسات الدينية خطر الحالة الدينية التي صرنا إليها وأدركنا أزمة الخطاب الديني التي تردت بشكل واضح  على أيدي هذه الجماعات المتشددة حيث سيطر خطاب همجي عنيف باسم الإسلام صاحب ذلك الخطاب العنيف انتشار سيل من الفتاوى الشاذة التي تدعو للحرق والقتل واستباحة دماء المخالف وإشاعة الفتن”.

تعاون الهيئات

وأكد، أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يتم بالصورة المثلى دون تعاون كافة الهيئات والمؤسسات الدينية، الاجتماعية، الثقافية، التعليمية، والإعلامية في هذا الشأن، ومن الخطأ الجسيم اعتبار أن تجديد الخطاب الديني مسئولية المؤسسات الدينية وحدها بل هو مسئولية مجتمع في المقام الأول، ثم تتوزع المهام والوظائف حسب التخصصات فمنها ديني، اجتماعي، تعليمي، أمني، اقتصادي، وإعلامي، وهذا ما يتم على أرض الواقع بالفعل، لولا تضافر الجهود التي جاءت استجابة للدعوات المتكررة للرئيس عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني، والحث على وضع الخطط والاستراتيجيات لهذه المهمة، لما حققنا ما تحقق من إنجازات في هذا المجال.

واستكمل نجم، أن هذه الجهود غيرت نظرة المجتمع تجاه فكر الجماعات الإرهابية، وعرتها عن ثوب الشرف والفضيلة الزائفة الذي تدثرت به سنين عديدة، وبات مكشوفًا الوجه القبح الذي يتوارى خلف أقنعة العمل الإسلامي، رغم  شدة وطأة الدعاية الإعلامية، عبر قنواتهم الإرهابية الإعلامية التي تبث من بلاد لا تكن الخير لنا، وجيوش اللجان الالكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تجديد الفكر الديني

وقال الدكتور أيمن فؤاد، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، إن أحداث ثورة يناير 2011، تسبب في ظهور جماعات بعينها لم يكن لها وجود من قبل حيث امتدت أذرعها لـعام 2013 ، وهو ما أدى إلى التحول الكبير الذي شاهدناه في السنوات الأخير، إلى أن جاءت ثورة 30 يونيو لتضع حدًا لتلك الامتداد الناتج عن الجماعات وعادت الأمور إلى نصابها الصحيح.

وشدد فؤاد على ضرورة أن تبذل المؤسسات الدينية المزيد من الجهد والحماس في عملية تجديد الخطاب الديني، لأن الغرض منه هو تجديد الفكر الديني بما يتواكب مع التحديات والمعاصرة.

جهود مبذولة

وفي سياق متصل، أكد خالد الزعفراني الباحث في الشئون الإسلامية، أن المؤسسات الدينية اتجهت قبل ثورة يناير بعملية تجديد الخطاب الديني ولكن دون دعم ومتابعة.

فكان للدكتور على جمعة دور كبير منذ توليه دار الإفتاء لتصبح إحدى هيئات وزارة العدل وتكون مواكبة لمستجدات العصر وتخترق الشبكة العنكبوتية، وأصبح دورها ريادي في الفتاوى من مشايخ متخصصين، فضلا عن التواصل مباشرة عن طريق الفتاوى الالكتروني، بالإضافة لإنشاء مناظر ضد التكفيريين، وإنشاء مؤشر عالمي للفتوى، وبرامج ومنابر موجهة تنشر صحيح الدين. عالمية بنتائج إيجابية تطبق على أرض الواقع حتى أصبحت على أرقى مستوى دولي.

وقبل ثورة يناير أيضًا اختير شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في لجنة السياسات بالحزب الوطني، وبعد ثورة يونيو شكل الطيب لجنة لفحص المناهج الأزهرية، وأقام الكثير من المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر بابا الفاتيكان، إلى جانب العمل على التصدي للأفكار المتطرفة وإنشاء مرصد للرد على الفتاوى التكفيرية وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وأصدر الأزهر أكثر من وثيقة للرد على التكفيريين وداعش.

وأصبحت المؤسسات الرسمية هي المعنية بإصدار الفتوى والمعنية أيضًا بشؤون الدين وليست الجماعات التي تصدرت كل وسائل الاتصال، وأصبح دور المؤسسات الدينية الثلاثة عالمي وليس محلي فقط، حيث يتم إرسال بعثات إلى العام الإسلامي لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين، والمشاركة في تشريع عدد من القوانين لتحجيم الجماعات الإرهابية.

وأوضح، أن وزارة الأوقاف حكمت من جديد السيطرة على المساجد وعادت لقبضتها بعد أن كانت منبرًا للجماعات يبثون من خلالها الأفكار المتطرفة، حيث توحيد الخطب والعقوبات الرادعة عن المخالفات، والمتابعة والمراقبة وترجمة خطبة الجمعة، وإرسال أئمة لتصحيح المفاهيم المغلوطة في الخارج، والسيطرة على الدروس، موضحًا أن التحدي الوحيد أمام المؤسسات الدينية هي الجماعات المتطرفة التي تبث سمومها عبر الوسائل المختلفة.

نقطة الصفر

بينما يرى ثروت الخرباوى: الباحث في شأن الإسلام السياسي، أن المشهد الديني قبل وبعد ثورة يونيو لم يتغير ولا يزال كما هو، وهذا المشهد يعتمد على المفاهيم التقليدية المنقولة من القرون الأولى، ولا يزال الخلط عند عامة الناس بين النصوص الدينية المقدسة وبين فهم العلماء الأوائل لها ، فلا يزال آراء أصحاب المذاهب تُعامل كأنها دين وليس فهما بشريا ، لافتا إلى أنه لا يزال الناس يقدسون هؤلاء العلماء،  ويضيف أن الشيء الوحيد المتغير هو ان عامة الناس أصبحت تكره جماعة الإخوان وجماعات الإرهاب، ولكنهم يؤمنون بما يؤمن به الإخوان.

ويوضح، أنه لا يوجد في الإسلام ما يسمى بالمؤسسات الدينية وإلا لوافقنا على ان تكون هناك جماعات دينية، فهذه المؤسسات اسمها مؤسسات علمية متخصصة في دراسة نصوص الدين، مؤكدًا أنها لم تفعل شيئا في تجديد الخطاب الديني ولن تفعل لأنها لا تؤمن بتغيير الخطاب الديني أو حتى تجديده ، ونفس أفكار تلك المؤسسات هي ذاتها أفكار جماعة الإخوان وباقي جماعات التطرّف.

ويتابع الخرباوي، أن الأوقاف أحكمت السيطرة على المساجد الكبرى فقط ، فعدد المساجد والزوايا في مصر وصل إلى ١٤٠ ألف جامع وزاوية والأوقاف تضع يدها على ٥٠ ألف جامع وزاوية، إذ لا يوجد عدد كاف من الأئمة في الأوقاف يمكن أن يغطي هذا العدد الكبير. مشيرا إلى أن المشكلة أن عددا كبيرا من أئمة الأوقاف لا يعرفون شيئا عن مفاهيم الخطاب الديني وكيفية تفكيك خطاب جماعات التطرّف، كما أن غالبيتهم العظمى ينتمون لمدرسة التقليد، قائلا: نحن للأسف إلى الآن لازلنا عند النقطة صفر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق