مصر تحتفل بـ اليوبيل الذهبى لـ “السد العالى”..خبراء: ركيزة من ركائز الاستقرار والتنمية .. من أفضل 10 مشروعات فى العالم خلال القرن الـ 20

70

عبد الفتاح مطاوع: “المحفظة” المائية وصمام الأمان لمصر
ضياء القوصى: ليس لدينا “ترف” التنازل عن نقطة ماء واحدة
نادر نورالدين: يمكننا الاعتماد جزئياً على مخزون بحيرة ناصر لمنع حدوث الجفاف
عباس شراقى: نمتلك من البدائل ما يكفى لحمايته بشكل مطمئن
تحقيق: رضا النصيرى

حين تطأ قدماك أرض السد العالى لا تملك إلا أن تشعر بالفخر والاعتزاز وأنت ترى أعظم مشروع هندسى فى القرن العشرين، وقد شيد بأيدى المصريين وعرقهم، ورغم ذلك فقد ظهرت بعض حملات التشكيك حول العمر الافتراضى للسد وكفاءته، والآن وقد مضى عليه خمسون عاما، يبدو كما لو انه أنشئ أمس، فكفاءته حتى الآن تبلغ 96%، ويتم قياس قوة تحمله بشكل دورى كل شهر ورصد كل كبيرة وصغيرة فى جسر السد، ما يؤكد ان عمره الافتراضى غير محدود، اما فيما يخص ترسيبات الطمى فى بحيرة ناصر، فالخبراء يرون أن البحيرة قادرة على استيعاب كميات الطمى لمدة 500 عام قبل أن تمتلئ تماماً، ليظل السد حماية لمصر من الفيضانات المدمرة ومواسم القحط المتلفة، مع السماح لها بتلبية احتياجات سكانها، ليتحقق بذلك حلم يمتد عمره لأجيال عدة.

فى البداية يرى خبير المياه، دكتور”عبدالفتاح مطاوع”، رئيس قطاع مياه النيل الأسبق، ان مصر كانت تعانى موجات من الجفاف الممتد حيث نقص كميات المياه، وكذلك تعانى من الفيضانات التى ثؤثر على الاراضى الزراعية وتغرق القرى، اضافة لظهور العديد من الامراض والاوبئة، الى ان نجحت فى انشاء السد العالى للتحكم فى التصرفات المائية، والذى يتكون من ثلاث غرف، بداية من غرفة التخزين الميت والتى تحتوى على 30 مليار متر مكعب، وغرفة التخزين الحى وتشمل 90 مليار بينما تضم غرفة الطوارئ 42 مليار متر مكعب، موضحا ان السد العالى كانت له اهداف واضحة تنموية منها توليد الكهرباء والتى كانت تمثل 80% مما تستخدمه مصر فى ذلك الوقت، وكذلك التوسع فى الرقعة الزراعية، اضافة الى توفير المياه الصالحة لمختلف الاستخدامات، اما سد النهضة فأهدافه المعلنة والممثلة فى توليد الكهرباء ليست الامر كله، ولكن هناك اهداف سياسية غامضة وغير معلنة، وهى السبب وراء عدم التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث حتى الان، علاوة على المشاكل الداخلية فى اديس ابابا والتى تحاول اثيوبيا ان تجعل من مصر “شماعة” تعلق عليها هذه المشاكل امام الرأى العام الاثيوبى، ووصف “مطاوع”، السد العالى بأنه “محفظة” مصر المائية والتى تقيم حساباتها المائية على اساسه فى المقام الاول، الامر الذى يجعل القاهرة تتفاوض من منطلق قوة وليس ضعفا، كما يتخيل البعض، مؤكدا ان السد العالى اتاح للمفاوض المصرى قوة، فالشىء الذى نجح فى ان يحمى مصر من 10 فيضانات مدمرة خلال الـ 50 سنة الماضية قادر على حمايتها الان، فرغم من مرور 11 سنة جفاف فى فترة الثمانينيات على مصر الا اننا حصلنا على حصتنا كاملة من المياه فيما عدا سنة واحدة فقط وتأثرت بـ 20% نقص فقط، وهو ما يؤكد ان السد العالى ركيزة من ركائز الاستقرار والتنمية فى مصر، مضيفا ان هناك دراسات وافكارا لانشاء سد عالٍ جديد ببحيرة ناصر نظرا لوجود فيضانات عالية لابد ان نستفيد منها.
أمان وسلامة السد
فيما اكد دكتور “ضياء القوصي”، مستشار وزير الري السابق والخبير في شؤون المياه، إن مصير بحيرة ناصر يتوقف على عدد سنوات ملء خزان سد النهضة، إذ يبلغ حجم خزان سد النهضة 74 مليار متر مكعب، وإذا أرادت إثيوبيا ملء الخزان خلال عام أو عامين لن تصل نقطة مياه واحدة إلى مصر والسودان، مضيفا انه اذا تم التوافق على الملء خلال 5 سنوات ستستغل إثيوبيا 15 مليار متر مكعب سنوياً تخصم من حصتي مصر والسودان في مياه النيل، بحيث تنقص حصة السودان 5 مليارات متر مكعب مقابل 10 مليارات متر مكعب من حصة مصر، مشددا على ان الحل الوحيد لكي لا تتأثر حصة مصر أن يتم ملء خزان السد الإثيوبي في فترة لا تقل عن 10 سنوات، وقد تصل إلى 50 سنة، واوضح ان الخطورة الحقيقة على السد العالى من السد الاثيوبى تتمثل فى المقام الاول فى ” امان وسلامة” سد النهضة لانه فى حالة انهياره لاى سبب فأن العاصمة السودانية سوف تتلاشى، مشيرا إلى ان إثيوبيا لم تجرِ دراسات كافية قبل بناء السد وتتلاعب بمصير الشعب المصري الذي يعتمد كلياً على نهر النيل، خاصة أننا نعاني العجز المائي، ولا نستطيع تحمل المزيد، مشددا على ان سد النهضة قائم على فارق وتربة متآكلة ولزيادة خزان البحيرة اقاموا سدا ترابيا طوله 5 كم.
اما عن الاضرار الاخرى التى تمثل خطورة على السد العالى، فيقول” القوصى”، ان التشغيل والادارة لسد النهضة، فأى نقص فى كميات المياه القادمة من النيل الازرق على مدار العام سيؤدى حتما الى خفض مباشر فى انتاج الكهرباء من بحيرة السد العالى، اى ان الانخفاض فى تشغيلات المياه من سد النهضة يؤدى لانخفاض توليد الكهرباء من السد العالى، مشددا على انه ليس لدينا “ترف” التنازل عن اى نقطة مياه واحدة من حصتنا، خاصة ان لدينا فعليا 20 مليار متر مكعب عجزا من اجمالى 55.5 مليار متر مكعب.
السعة التخزينية
بينما يرى دكتور “نادر نور الدين”، أستاذ المياه والأراضي في جامعة القاهرة، أنه يمكن الاعتماد جزئياً على مخزون بحيرة ناصر لمنع حدوث جفاف فى مصر جراء سد النهضة لمدة 3 سنوات فقط، عن طريق سحب كميات تتراوح بين 5 و10 مليارات متر مكعب سنوياً، مشترطا أن “يكون الفيضان متوسطاً على الأقل، وأن لا تزيد نسبة الخصم من حصة مصر والسودان على 15 مليار متر مكعب سنوياً، لأن ذلك يعني سحب 50 مليار متر مكعب خلال السنوات الثلاث، وإذا تم سحب أكثر من ذلك ستكون توربينات السد العالي مهددة بالتوقف، لأن منسوب المياه في البحيرة سيقل عن 148 متراً.
وأوضح “نادر”، أن إثيوبيا تعتزم تخزين 45 مليار متر مكعب من المياه في أول 3 سنوات، وتبدأ في تخزين 15 مليار متر مكعب لتشغيل أول توربينتين لتوليد كهرباء بقوة 75 ميجا وات، ضمن السد الذي يحتوي على 16 توربيناً، بينما لم تحدد موعداً للمرحلة النهائية لملء الخزان إلى سعته القصوى، وهي 74 مليار متر مكعب، مضيفا ان مصر اقترحت على إثيوبيا ضمن السيناريوهات المطروحة لسنوات ملء الخزان أن يتم إعطاؤنا وقتاً حتى يصل فيضان غزير يمكن من خلاله ملء خزان السد العالي إلى سعته القصوى، وأن يملأ السودان خزانات السدود الثلاثة لديه الروصيرص وسنار ومروي، لكي تسحب الدولتان منها خلال الملء الأول لخزان سد النهضة دون معاناة، لكن أديس أبابا ترفض حتى الآن تحديد نسبة الخصم من حصة مصر والسودان من تدفقات النيل الأزرق البالغة 50 مليار متر مكعب سواء بنسبة مئوية أو حجم ثابت من التدفقات، موضحا ان مصر طلبت خلال المفاوضات الانتظار حتى ملء بحيرة السد العالي إلى منسوب 180 متراً، لإتاحة مزيد من المياه للسحب فيما بعد، لكن إثيوبيا رفضت .
واكد ” نادر”، ان هناك سيناريوهين مصر مصرة على الاتفاق معهما مع إثيوبيا، السيناريو الأول، ما هو الحد الأدنى من المياه الذي تضمن إثيوبيا أن تسمح بخروجه كل عام من خلف سد النهضة، ومصر تريد ألا تقل التدفقات المائية التي ستسمح إثيوبيا بخروجها من خلف سد النهضة عن 40 مليار متر مكعب بدلا من 50 مليار متر مكعب كانت تحصل عليها مصر، وبالتالي يكون مصر قد ضحت بحوالي 10 مليارات متر مكعب، يتم تقاسمهما مناصفة مع السودان، طبقا لاتفاقية 1959، وبالتالي العجز سيصبح حوالي 5 مليارات متر مكعب وليس 10 مليارات متر مكعب، مصر تستطيع تعويضه من المخزون الكبير في بحيرة السد العالي، وبالتالي السيناريو الأول هو أن تتعهد إثيوبيا بألا تقل تدفقات مياه النيل الأزرق عن 40 مليار متر مربع، ولكن إثيوبيا رفضت هذا المبدأ وقالت أنها لن تلتزم بحصة معينة، السيناريو الثاني الذي تطرحه مصر هو، ماذا عن السنوات العجاف، فبعد أن تنتهي السنوات السبع السمان سوف يأتي سنوات عجاف، تصبح فيه تدفقات النيل الأزرق نصف تدفقاته العادية، بدلا من 50 مليار متر مكعب يصبح 25 مليار متر مكعب في أثناء سنوات الجفاف، فهل ستكون الأولوية في السنوات العجاف هي لضخ المياه إلى الشعوب العطشانة في مصر والسودان أما أن الأولوية ستكون لتوليد الكهرباء من السد الإثيوبي، إثيوبيا متمسكة بعدم خروج المياه من السد إلا بعد توليد الكهرباء، وبالتالي مصر تريد وضع سيناريو وسياسة مائية للسنوات العجاف أو سنوات الجفاف، وما هي السياسة المائية التي لا تضر مصر والسودان ولا تشعرها بالقحط والدخول في مراحل النقص الشديد في المياه.
الاحتياطى المائى
من جانبه، يقول دكتور”عباس شراقي”، أستاذ الجيولوجيا والمياه الجوفية بكلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، أن السد العالي هو آخر خطوة مصرية لزيادة الاحتياطي المائي، وقد نجح السد في توفير 22 مليارا ونصف المليار متر مكعب من المياه كانت تفقد في البحر المتوسط، وأن السودان استفادت من خلال السد العالي بإمكانية تفريغ سدودها من المياه في حالة استقبالها أمطار أو الحاجة لصيانتها، وحجز تلك المياه في بحيرة ناصر بدلا من هدرها في البحر المتوسط وخصمها من حصة مصر وقت الفيضان، مشيرا الى ان سد النهضة يخزن كمية مياه متدرجة الى ان تصل الى السعة القصوى 74 مليار متر مكعب، وهو ما يعنى ان اى كمية تخزن بهذا السد تخصم تلقائيا من خزان السد العالى، فعلى سبيل المثال اذا تم خلال الايام القادمة تخزين الـ 5 مليارات متر مكعب الذى تحدثت عنها اثيوبيا فسوف يؤدى ذلك الى انخفاض منسوب بحيرة السد العالى، اى انخفاض الـ” احتياطى المائى ” لمصر، وهو ما ينعكس ايضا على توليد الكهرباء، حيث من المتوقع ان يتراوح انخفاض الكهرباء بين 20:10 % وفقا لكمية المياه التى سيتم استقطاعها بخزان السد، اى ان التأثير فى هذا الجانب سيكون اقل من تأثيره على المياه ويمكن ان نتحمله اما نقص المياه صعب تحمله.
واضاف” شراقي”، أن هناك اضرارا جسيمة من استكمال سد النهضة على السد العالى اولها نقص المياه، خاصة فى ظل عدم وجود بدائل لتعويض هذا الفقد، الوضع الذى من المفترض ان تعوضه اثيوبيا وفقا للاعراف الدولية، حيث ان المتسبب فى ضرر لابد ان يعوضه، مؤكدا انه يمكن تخطى ازمة نقص المياه اذا تمت بالاتفاق، موضحا ان هناك اضرارا اخرى منها فقد حوالى مليون فدان زراعة.
واكد” شراقى”، ان انهيار سد النهضة سواء نتيجة عوامل طبيعية كالفيضانات او الزلازال”، يعنى تعرض السودان لـ “طوفان” ودمار شامل حيث تدفق المياه بشكل كبير مما يؤدى لغرق مدنها بينما يكون التأثير على السد العالى اقل بكثير، مضيفا ان لدينا وسائل كفيلة بحماية السد العالى فى الوقت الحالى، فالظروف الحالية تسمح بذلك لوجود جزء كبير من المياه تذهب الى السودان اى ان المتاح حاليا لحماية السد مطمئن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق