فريدة النقاش تكتب:السودان … من الظلم إلى النور

102

قضية للمناقشة
السودان … من الظلم إلى النور
فريدة النقاش

صادق رئيس مجلس السيادة السوداني “عبد الفتاح البرهان” على مجموعة من التعديلات القانونية على رأسها إلغاء حد الردة، ومنع تحديد زي للمرأة، وتجريم ختان الإناث، مع السماح للنساء بإصطحاب اطفالهن في السفر بدون إذن من الزوج، ومنع تنفيذ حكم الإعدام على من تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاما، أو تزيد على سبعين عاماً .
ويخطو السودان بموجب هذه التعديلات خطوة كبرى للخروج من الظلمة إلى النور، بعد أن جثم حكم ” البشير ” على صدور المواطنين لثلاثين عاماً رافعاً شعارات دينية زائفة، ومتاجراً بالدين، ومنخرطاً في مستنقع من الفساد الشامل الذي انتهك حياة السودانيين مع كل القيم العليا التي طالما أنتجها وتبناها الشعب السوداني، ودفع ثمناً باهظاً من أجل حمايتها والدفاع عنها .
ويجد الشعب السوداني نفسه الآن أمام مهام جديدة، وجدول أعمال جديد يتضمن ـ تقريباً ـ إعادة كسب كل المعارك الكبرى التي كان هذا الشعب العبقري قد كسبها من قبل عبر انتفاضاته وثوراته التي طبعت تاريخه الحديث كله .
وكان حكم البشير ممثلا لجماعة الإخوان المسلمين قد دفع بالسودان المتعدد المتنوع دينيا وإثنيا – دفع به إلى انفصال جنوبه عن شماله، مما فتح الباب لمطالبات أخرى تأسست جميعاً على مشاعر من الغربة والحصار كنتاج للتمييز الديني والعرقي والثقافي الذي مارسه النظام القادم من العصور الوسطى .
ويتأهب الشعب السوداني بعد إطاحة “البشير” ونظامه لاستئناف نضاله الممتد عبر ما يمكن أن نسميه حرب المواقع لإقرار نظام للحريات العامة يفصل الدين عن السياسة فصلا تاما، مؤكدا أن علاقة الإنسان بربه شأنها شأن علاقته بذاته هي مسألة شخصية، وتحديد هذه العلاقة على هذا النحو يبقى شرطاً أساسياً لبناء دولة حديثة ديموقراطية علمانية وعادلة بعد إلغاء حد الردة الذي كان قد أودى بحياة مفكر إسلامي حداثي وديموقراطي هو “محمود محمد طه”، كما أدى إلى خروج عدد كبير من مثقفي السودان الديموقراطيين من البلاد، في عملية تجريف جهنمية للعقول التي أفقرت السودان فكريا وثقافيا، إضافة إلى الإفقار الاقتصادي الذي انتجته سياسات النهب المنظم لثروات البلاد وهو النهب الذي إحتمي بالفساد الشامل .
فصل الدين عن السياسة يأتي على رأس الأولويات الجديدة، وفي مقدمة جدول الأعمال شأنه شأن انعتاق النساء من قبضة الذكورية البغيضة التي فرضت عليهن الوصاية بإسم الدين، ودفعت بهن إلى موقع متدن في البناء المجتمعي ككائنات من الدرجة الثانية أو أدنى حتى أن النظام “الساقط” تحكم في شكل ملابسهن وأدمن مراقبتهن مع ارتكاب جريمة الختان وتشويه أجسادهن إرضاء لغرور ذكوري واجه قمع السلطة للمجتمع كله بقمع النساء ومراقبتهن.
ولا يجوز لنا أن نرى في هذه الإجراءات الجديدة التي تفتح الباب لانعتاق النساء مجرد حدث أو قانون عابر وعادي، لأن مثل هذا الانعتاق هو المعيار الأولى والحقيقي لخروج المجتمع من الظلمة إلى النور، بعد أن تعطلت على مدى السنين، لا فحسب طاقات نصف المجتمع، كما اعتادت الأدبيات التقليدية أن تصف أدوار النساء، فحقيقة الأمر هي أن طاقات المجتمع كلها، قد تعطلت بعزل النساء وقمعهن وضمرت وتراجعت المواهب، وجرت عملية إنسداد مستعصى لأفق التغيير والتقدم والتنوير والعدالة، فالتاريخ الإنساني كله يؤكد لنا هذه الحقيقة الساطعة التي تقول إن موقع المرأة في المجتمع هو الذي ينبئنا إلى أن يسير هذا المجتمع، وما هي القوى الأساسية التي تحرك وتقود هذه المسيرة .
إنفلتت البلدان العربية الواحدة بعد الأخرى من قبضة السياسة الرجعية التي تاجرت بالدين، وتحالفت مع الدوائر الظلامية التي رعت الاستغلال على الصعيد العالمي، ودفعت هذه البلدان الواحدة بعد الأخرى أثمانا باهظة لهذا الإنفلات العظيم بدءًا بالجزائر فيما سمى بالعشرية السوداء التي هيمنت فيها على مصيرها قوى الظلام، التي استهدفت ـ في المقام الأول ـ نساء الجزائر ومثقفيها، وبعد الجزائر بسنوات طويلة نفضت مصر عن كاهلها حكم “الإخوان المسلمين” في الموجة الثانية من ثورتها الوطنية في مطلع الألفية الثالثة أي في الثلاثين من يونيه 2013 والثالث من يوليو من العام نفسه .
ومن يتابع بدقة ما يجرى الأن في كل من العراق وسوريا، وفي تونس وليبيا لن يفوته أن يلحظ هذا التكالب المحموم للمتاجرين بالدين، والذين توسعوا عالميا بمساندة الدوائر الرجعية والشركات متعددة الجنسية التي تباشر نهب ثروات المنطقة، وترعى كل ما يعطل شعوبها عن التقدم والإزدهار، إنه ” الغل ” الذي يعطل حياتنا، على حد تعبير الشاعر الراحل ” سيد حجاب”
وما حدث ويحدث الآن في مواجهة المتاجرين بالدين، المسنودين من الرجعية العالمية هو درس بليغ لفاقدي الصبر الذين يفقدون الثقة في الشعوب عند أول منعطف تراجع .
وتعرف القوى الديموقراطية جيدا أن المعركة مع المتاجرين بالدين لم تنته عند هذا الحد ، ولذا فإن هذه القوى مطالبة ببناء وتمتين قاعدتها الإجتماعية وتحالفاتها السياسية ورؤيتها الثقافية، فالتغيير المنشود إلى الأفضل ليس فقط سياسيا واقتصاديا ولكنه أيضا إجتماعي ـ ثقافي بامتياز، وربما حتى أولا، وهنا سوف يبرز دور المثقف العضوي الملتزم الحريص على الإسهام في النضال من أجل الحرية والتغيير والعدالة، ومداواة الجروح العميقة في الجسد العربي الذي أنهكه الصراع ضد المتاجرين بالدين، وضد الاستغلال .
ومرحبا بالسودان، وهنيئاً لنا به .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق