صقور الحكومة التركية يدفعون فى اتجاه الحرب فى ليبيا..تركيا تسعى لتجنب الإفلاس على حساب حكومة الوفاق الليبية

50

من المعروف أن معظم  دول العالم، وبسبب جائحة كورونا تعانى من مشاكل اقتصادية، وليس هناك استثناء فى ذلك. فى تركيا لاحظ المرقبون انخفاضا مخيفا فى معدلات النمو الاقتصادى بسبب كورونا وتعطل الأنشطة الاقتصادية وفى نفس الوقت المغامرات العسكرية سواء فى سوريا أو العراق أو ليبيا ومؤخراً التدخل فى الحرب بين أرمينيا وأذربيجان إلى جانب الأخيرة، والذى من الممكن أن يؤدى إلى إفلاس الدولة مع حلول الخريف المقبل، أى فى أكتوبر ـ نوفمبر القادمين.

ففى شهر أكتوبر المقبل  سيكون على تركيا أن تستعد لدفع أقساط وخدمات الديون الخارجية، التى حصلت عليها من مصادر مختلفة، وهى تقدر بحوالى 40- 45 مليار دولار. فى نفس الوقت تصطدم أنقرة بمعضلة عدم حصولها على ما يقرب من 30 مليار دولار كانت تحصل عليها من السياحة، الجزء الأكبر منها روسى، وعملياً الموسم السياحى لهذا العام قد انتهى ولم تحصل تركيا على شيء يذكر تقريبا.

حاول الرئيس التركى الحديث عن ذلك وطلب من الرئيس بوتين فتح حركة الطيران والسياحة، إلا أنه بسبب جائحة كورونا لم يجد النداء أى استجابة حتى الآن وإن كان قد تقرر أن تبدأ حركة الطيران مع تركيا فى أغسطس. والأهم أن مراكز الإحصاء فى تركيا تشير إلى انخفاض حصيلة الضرائب على المبيعات فى النصف الأول من العام الجارى 2020 بنسبة 75% مقارنة بنفس الفترة من عام 2019، بسبب الانخفاض الحاد فى النشاط الاستهلاكى للمواطنين الأتراك.

الحكومة التركية طلبت مساعدات مالية من كل من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وبريطانيا غير أن طلباتها رفضت، فجميع الدول فى حالة معاناة اقتصادية، لكن فيما يبدو طموحات الرئيس التركى أكبر من إمكانياته، بقى للرئيس التركى ممر آمن وحيد للحصول على الأموال وهو قطر، لكن ولسوء حظ تركيا بسبب الانخفاض الحاد فى أسعار النفط وبالتالى الغاز، والإمكانات المالية لدى قطر صارت محدودة ومن ثم ليس هناك ما تساعد به تركيا. وهنا لم يبق سوى المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولى هى الطريق الوحيد للحصول على دعم مالى، والذى اقترح تقديم خدماته للرئيس التركى، لكن هذا الأخير يرفض معللا رفضه بأنه لا يريد التعامل مع الصندوق.

وإذا كان هناك مؤشر إيجابى فى الاقتصاد التركى، فإنه لا يعتمد على أى نشاط أو إنجاز من الحكومة التركية، بل بسبب ما يجتاح العالم حالياً من ظروف نتيجة فيروس كورونا وبسبب انخفاض أسعار الطاقة وانخفاض الاستهلاك الداخلى، استطاعت تركيا خفض العجز فى  الميزان التجارى إلى صفر تقريباً.

احتياطى تركيا من النقد الأجنبى، والذى يشرف عليه مباشرة فى الوقت الحالى الرئيس التركى نفسه والبالغ حوالى 90 مليار دولار، يفقد شهرياً ما بين 12 إلى 18 مليار، كما أن حدود المجتمع لرفع الضرائب والأسعار مرتفع لدرجة أصبح معها زيادتها ليست فى صالح لا إردوجان ولا حزبه. بهذا ستواجه تركيا خلال شهر أكتوبر ـ نوفمبر معضلة إعلان عدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية أمام العالم الخارجىن وهو ما يعنى الإفلاس تقريباً.

فى حالة إعلام إفلاس تركيا تقنياً، سيؤدى هذا إلى تخفيض وضعها فى التصنيف المالى العالمى لدى المؤسسات المالية العالمية، وبالتالى انخفاض مستوى الاستثمارات الخارجية وانهيار سعر الليرة التركية، وهنا سيكون طلب تركيا من صندوق النقد الدولى قروضاً أمر لا مفر منه، ووفق شروط الصندوق سيكون على الحكومة التركية طى صفحة العديد من البرامج الاجتماعية مما سيؤدى إلى انخفاض مريع فى شعبية إردوجان وحكومته.

وهنا يأتى دور حكومة الوفاق الليبية والأمل المعلق عليها، فالخبراء الموالون للحكومة التركية يعلقون آمالاً عريضة على المساعدات التى تقدمها تركيا لحكومة السراج فى الوقت الحالى وعلى إنهاء الحملة التركية على ليبيا بنجاح والحصول على الثمن الذى ستحصل عليه أنقرة لتحسين الظروف الاقتصادية فى البلاد، ووفق هؤلاء الخبراء هذا سيجلب لتركيا دخلا ماليا كبيرا، أولاً من تجارة النفط، فتركيا تريد أن تحصل على احتياجاتها الداخلية من نفط شمال أفريقيا الليبى، وهى التى تسد احتياجاتها النفطية فى الوقت الراهن فى الحصول على نفط روسى عبر البحر الأسود. ثانياً، أنقرة تنتظر الحصول على ثمن مشاريع فى البنية التحتية نفذتها فى ليبيا خلال الفترة من 2007 ـ 2012 وتشمل موانى ومنشآت نفطية وغيرها، بالإضافة إلى العشم فى أن تحصل شركات مقاولات تركية على نصيب الأسد من عمليات إعادة الإعمار، وأخيراً ثالثاً، السعادة كلها بالنسبة لإردوجان وتركيا فى حالة توحيد تركيا، وهو ما تسعى إليه تركيا، تحت سلطة السراج واعتراف المجتمع الدولى بهذه السلطة، هذا سيتيح للحكومة الليبية أن تطالب بمليارات ضخمة من الدولارات محتجزة فى حسابات فى بنوك الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا، بالإضافة إلى أسهم وذهب. الأصول الدولية لليبيا قدرتها بعض المصادر عام 2010 بحوالى 152 مليار دولار.

ولهذا فإن “صقور” الحكومة التركية يدفعون فى اتجاه الحرب فى ليبيا على أمل الحصول على وضع قوة إقليمية، وصمت الولايات المتحدة وأوروبا سيساعدها فى الانتصار فى هذه الحملة وتوحيد ليبيا والوصول إلى النفط الليبى المجانى وعقود بناء بالمليارات، بالإضافة لهذا تأمل أنقرة فى فك الحسابات المجمدة الموجودة بالخارج منذ أيام القذافى، لفك ضائقتها المالية، لكن الوضع بالنسبة لتركيا والمعطيات الدولية وحالة الاستقطاب حول ليبيا، يجعل من المغامرة التركية فى ليبيا محفوفة بالمخاطر، والوقت لا يرحم واستحقاقات الحكومة التركية للدائنين لم يبق على استحقاقاتها الكثير من الوقت، وديون تركيا للخارج تخطت 400 مليار، وكما قلت معدل تضخم يفوق 20% ونسبة بطالة تفوق 13%، ناهيك عن موسم سياحة قد انضرب ولا أمل لتركيا سوى فى الموسم المقبل إذا تم القضاء على فيروس كورونا، خاصة وأن روسيا لا تشجع مواطنيها الآن على السفر خارج البلاد ورصدت الحكومة مبالغ مالية تعيدها للمواطنين تقدر بحوالى 20% من تكلفة الرحلة فى حالة السفر إلى مناطق بعينها تحددها الحكومة الروسية، وهى بذلك تسعى إلى إنعاش مناطق سياحية بعينها (القرم مثلاً) والحفاظ على العملة الصعبة فى البلاد بعد جائحة كورونا والانخفاض الحاد فى أسعار النفط.

هذا باختصار هو الرهان التركى على التدخل فى الأزمة الليبية، لكن على ما يبدو الأطراف متعددة وحصول تركيا على الجزء الذى تطمح إليه من الكعكة الليبية أصبح محل شك، فهى لن تستطيع عمل شيء دون مشاركة روسية، وهى الدولة الوحيدة التى لها قوات على الأرض حتى لو كانت غير حكومية، ولا ننسى الدور المصرى الذى فرض نفسه على الأزمة فى الفترة الأخيرة، ناهيك عن فرنسا التى تحاول أن تستعيد دورها فى الأزمة، وتحاول استبعاد تركيا لسبب وجيه وهو البعد الجغرافى لتركيا، إذا ما قورن بموقع وأهمية فرنسا بالنسبة لليبيا. على أى حال إذا لم تنته الأزمة الليبية أو على الأقل لم يبدأ تصدير النفط الليبى فإن تركيا ستكون فى مأزق مالى صعب، أو سيكون عليها الاتجاه لصندوق النقد وتجرع السم والتخلى عن برامج اجتماعية كان الرئيس التركى يراهن عليها لرفع شعبيته مع اقتراب موعد الانتخابات. لعلنا الآن استوعبنا سر الحماس التركى للتدخل إلى جانب حكومة الوفاق، بالإضافة طبعاً للجانب الإيديولوجى.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق