فريدة النقاش تكتب :السودان مجددا

79

قضية للمناقشة
السودان مجددا
فريدة النقاش

تتلاحق الأحداث في “السودان” بإيقاع يكاد يكون مرئياً، وذلك بعد أن نجح الشعب السوداني وطلائعه في إزاحة نظام الفساد والاستبداد المتوشح بالدين، ورفع الحكم الجديد شعارات الدولة الوطنية بديلا عن المشروع الديني المزيف .

هاتفني أصدقاء حول ما كتبته في العدد الماضي في ” الأهالي ” مرحبة بالإجراءات التي إتخذتها الحكومة الجديدة بصدد الحريات العامة، وإزاحة الطابع الديني الزائف لحكم “البشير” والإخوان المسلمين لصالح المواطنة .

ويرى هؤلاء الأصدقاء، والذين يمثلون ـ في ظني ـ قطاعاً لا يستهان به من المهتمين بالشأن العام ـ يرون أن كل ما جرى اتخاذه من إجراءات وخطوات في إتجاه الديموقراطية ليس كافياً، كما أنه ليس مكافئاً لما بذله الشعب السوداني من عطاء وتضحيات على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في ظل الحكم المتلفع بالدين .

وتدلنا شواهد كثيرة ـ إذا ما دققنا في مجريات الصراع الدائر على أشده في السودان حول مستقبل الانتفاضة الشعبية تدلنا أن القوى الرجعية التي تعتبر أن خسارتها مؤقتة، تعد العدة لاستعادة الوطن إلى حاضنتها الممتدة عبر الحدود حيث ينشط التنظيم الدولي للإخوان المسلمين مستخدما كل الأسلحة في سعيه لوقف تدهور مشروعه الذي يفقد مواقعه الكبرى تباعاً من “مصر” إلى “تونس” وفي “ليبيا” إلى “السودان”، بينما يدور الصراع على أشده تحت رعاية الحلم المجنون ” لرجب طيب أردوغان” الذي يسعى لاستعادة الخلافة الإسلامية، ولا يخجل من إعلان ميوله الإستعمارية، بل ويمارسها عملياً .

وما من أحد فينا ـ لا هؤلاء الأصدقاء، ولا أنا في وضع يسمح لنا بتقديم النصائح لمن أنجزوا هذا العمل المجيد، وأطاحوا بالبشير وزمرته، وهم يدافعون ببسالة وإصرار عن آمال الشعب السوداني وطموحاته .

ومع ذلك يحق لنا ونحن نقرأ التجارب التاريخية المشابهة أن نذكر بنتائجها ودروسها، مع ملاحظة أن كل برنامج عمل هو ناقص بالضرورة ـ لا لقصور فيه، وقد يكون القصور موجودا، وإنما أساساً لأن الواقع يتغير كل يوم، وتبرز للفاعلين فيه معطيات جديدة تترتب عليها مهمات إضافية تستجيب لطموحات الملايين التي كانت قد جعلت هذا العمل المجيد متمكناً، ولذا ضمن المفترض أن يعبر عنها مثل هذا البرنامج، فهو بالأحرى برنامجها نظرياً على الأقل .

ومن الضروري، وفي هذا السياق، أن يكون واضحاً أمام أعيننا الفرق بين الثبات على المبدأ من جهة، وبين التعامل من جهة أخرى مع كل ما هو مستجد في الواقع الذي يشهد هذا التغير الدائم، فلا يضطر الفاعلون إلى اتخاذ الموقف ذاته في مواجهة كل الأوضاع بصرف النظر عن خصائصها وملابساتها الجديدة، ذلك أن مثل هذا السلوك سوف يؤدي حتماً إلى الجمود متضمناً إساءة أيضاً إلى المبدأ ذاته، مع تراجع القدرة على المواجهة العملية للواقع الجديد بمتغيراته، وتنشأ في هذا السياق عزلة وغربة عن الواقع كثيرا ما جرى إتهام قوى “اليسار” بالوقوع فيها لأنها تضع المبدأ فوق الممارسة، وتتراجع فعاليتها للحد الأدنى، فتفلت منها إمكانية إحداث التغيير الجذري الذي تنشده، وظلت دائماً تناضل من أجله .

وينطبق هذا الأمر على كل القوى التي أسهمت في إطلاق شرارة الانتفاضة دون أن تتعامل بحسم ورؤية واضحة مع المعطيات الجديدة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، رغم أنها تعرف جيدا أن المطلب الأولى والأصيل للملايين هو تغيير هذه الحالة التي تبدو ثابتة في أزمنة الركود، ولكنها ما تلبث أن تتحرك بفعل الحراك الجماهيري الذي يمهد للانتفاضة ويصنعها .

وعادة ما تكمن القوى المعادية للانتفاضة والتي غالبا ما تتشكل من كبار ملاك الثروة في البلاد، وهي تمتلك من الأسلحة المحرمة ما يفوق بكثير أسلحة الجماهير بدءًا بمؤسسات الدعاية والثقافة التي لا تكتفي بالتبشير، ولكنها تتجاوزه إلى الفعل في ميدان الإنتاج، الفني سينمائياً ومسرحياً وكتابة وموسيقى وهي تصارع في هذا الميدان تحديداً ضد الأفكار والرؤى التي تنتجها قوى التغيير غالباً بأدوان بدائية.

وهكذا فإن الوعي الجماهيري يبقى هو الساحة التي يبدو أنها مفتوحة للجميع، وواقع الأمر هو أن من يهيمن عليها هو من يملك الثروة ومن ثم الأدوات، فما أقرب السلطة إذن لأصحاب الثروة لا في السياسة والاقتصاد فحسب، بل أيضاً في الوعي الجمعي والرؤى والأفكار .

نعود إلى بداية هذا الموضوع حول نقصان البرنامج، ونسجل أن برنامج قوى الانتفاضة والتغيير في السودان بطابعه العملي الخالص قد فاته أن يعير اهتماماً جديا لا فحسب لفعالية القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الأصيلة في التغيير، وإنما فاته أيضا أن يتوقف أمام ما وضعناه بمطلبها الأصلي ألا وهو إعادة توزيع الثروة القومية، حتى تنتزع القوى الجديدة زمام السلطة المحتملة من أيدي كبار الملاك، وفي نفس الوقت تتعامل بنفس الحسم والجدية مع مسألة الوعي الجمعية الذي عملت قوى الرجعية عبر السنين على تشويهه .

وفي هذا السياق هناك فرصة سائحة طالما ارتبطت ولادتها باللحظات الحاسمة في تاريخ الشعوب، ألا وهي يقظة الوعي الجمعي الذي تتجلى له حقائق الصراع وقواه بأوضح ما يكون، وهذا درس علمته إذا تجارب الشعوب بإنتفاضاتها وثوراتها، إذ تتغير مكونات الوعي الجمعي بين ليلة وضحاها حين تكتشف الجماهير، ما كانت لا تعرفه عن إمكانياتها الهائلة في مواجهة من يمارسون استغلالها وتزييف وعيها مما يؤدي إلى فقدان الثقة، والسقوط أحياناً في اليأس واللامبالاة .

ومن المؤكد أن الشعب السوداني ـ وهو ” الأسطى ” في فن إنجاز الانتفاضات يدرك الآن كل هذه الحقائق وهو يسعى إلى تغيير واقعه البائس … وسوف ينتصر .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق