هيثم شرابي يكتب:في الهوية الوطنية والثقافة.

41

*بقلم هيثم شرابي:

قبل أن نتحدث عن الهوية الوطنية باعتبارها الخصائص والسمات العامة ( جغرافيا – تاريخيا – اجتماعيا -اقتصاديا …الخ) التي تتميز بها أمة من الأمم تلك السمات التي يأتي من ضمنها السمات الثقافية ، والثقافة هنا تفرض علينا أن نضعها في مقدمة حديثنا عن الأمة المصرية التي تمثل نموذجاً فرض شخصيته الثقافية دائماً سواء كانت تحت الاحتلال أو فترات الاستقلال والازدهار ، احتفظت الأمة المصرية بثقافتها بل يمكننا القول – بتنوعها الثقافي – الذي إمتد جغرافيا إلى ليبيا ومنابع النيل والجزيرة العربية والشام والبحر المتوسط حتى أصبحت السمات الثقافية لمصر تتخطى كونها أحد خصائص الهوية الوطنية لتتماهى معها وتتشكل في مجملها من هذا التراث الممتد.

وحتى يمكننا أن نضع تاسيسا نبني عليه رؤيتنا للهوية الوطنية وازمتها الراهنة نحتاج أن نستعرض الأمر منذ قام النيل بنحت الوادي وخلق الإستقرار لدى المصري القديم فكرة الارتباط بالأرض ليصيغ احد أهم مكونات الهوية الوطنية والشخصية الثقافية لمصر التي استمدت روافدها من تراكم الاحتكاك الثقافي مع الحضارات المجاورة ( الاغريقية – الرومانية – البابلية – الفارسية – الفينيقية ..الخ) وبالاساس كان الرافد الفرعوني بكل ما يشتمل عليه من علوم ومنجزات…

كل ما سبق إضافة إلى مرور الديانات السماوية بأرض مصر من اليهودية والمسيحية والإسلام وكذلك الكثير من الأنبياء حسب الروايات الدينية كل هذا الخليط هو ما جعل الوطن بالنسبة للمصري القديم هو مرادف للأرض الإستقرار والارتباط بالنيل والزرع للدرجه التي جعلت ( سنوحي) ذلك المصري القديم الذي تم الحكم عليه بالنفي خارج مصر عندما نقرأ خطاباته وهو يناشد الفرعون أن يعفو عنه ويسمح له بالعودة إلى وادي النيل وهو يعدد محاسن وآيات الجمال في أرض مصر.

وعلى مر العصور ورغم كل الأزمات التي حدثت في مصر لم يهجرها أهلها ، ربما تحدث تحدث هجرة داخلية حيث يستوعب المصريين بعضهم البعض.
ورغم كل الوافدين الى مصر الا أنهم امتزجوا في هذا الخليط البشري واتبعوا بسمات الشخصية المصرية ونجد ذلك استمر مع الايوبيين والمماليك والعثمانيين وحتى مع الهجرات العربية الدائمة الى مصر .
وفي العصر الحديث مع قيام دولة محمد علي اتضحت اكثر فأكثر سمات الشخصية وهويتها الوطنية حيث نجح في بناء جيش نظامي قوي من أبناء الفلاحين المصريين هذا الجيش الذي ترسخت لديه عقيدة عسكرية تستمد ركائزها من محددات وسمات الهوية الوطنية والشخصية الثقافية لمصر فأصبح يرى أن من أولويات هذه المحددات : حماية النيل ومنابعه ، حماية الإنسان المصري واستقراره على وادي النيل ، حماية البحرين في الشمال والشرق ، تأمين الجبهتين الشرقية والغربية ، تأمين الموقع الجغرافي المميز باعتباره مركزا للتجارة بين الشرق والغرب وهذه الحماية تستلزم :-
المركزية النهرية كما ذكر جمال حمدان .

ضمان الإستقرار –القوة اللازمة للحماية والتأمين والجاهزية الدائمة للانقاذ الداخل والخارج – وحدة الجيش والشعب .

توفير واستمرارية –
هذه السمات التي تشكلت كما قلنا مع بداية الدولة المدنية الحديثة التي تشكلت معها بالتبعية متعلمة ومستفيدة من مكاسب الانفتاح والتحديث الذي أطلقه محمد على هذه الشرائح الاجتماعية هي التي قادت معركة الاستقلال عن التبعية الانجليزية والعثمانية وساهمت في صياغة السمات والخصائص التي تتسع لاستيعاب كل التنوع من النوبة الى البدو والقبائل والوادي والبيئة الساحلية. حيث يذكر التاريخ أن آلهة مصر القديمة تم تبادل عبادتها بين بحري والدلتا و الصعيد والجنوب .
وحديثا وجدنا المصريين يقصدون مقامات القديسين والاولياء وآل البيت بدون تفرقة بين قبطي ومسلم…
وربما يذكر التاريخ نموذجاً وطنيا هو المعلم جرجس الجوهري / الجواهرجي شيخ طائفة الجواهرجية في مصر عام 1805 عندما ثار المصريين ضد خورشيد وطالبوه بالرحيل لكنه رفض الرحيل بدون الخراج السنوي لمصر فما كان من المعلم جرجس الا أن تعهد بجمع المبلغ المطلوب في خلال أيام وحدث بالفعل ورحل خورشيد واختار المصريين محمد علي بعدها. وهنا ايضا توجد أسماء كثيرة في الذاكرة الوطنية من رموز المقاومة الشعبية في حرب السويس 1956 وفي اثناء حصار السويس وغير ذلك نماذج كثيرة وشهيرة من الشخصيات الوطنية

ولكن الآن نسأل ماذا حدث في العقود الماضية ؟؟
هل تم تشويه الهوية الوطنية للشخصية المصرية ؟

بعد حرب اكتوبر كانت مصر في أفضل حالاتها استعدادا لقيادة المنطقة ولكن تباطؤ القيادة القيادة السياسية وقتها في حسم الأمر سواء باستمرار الحرب أو الدخول في مفاوضات السلام انطلاقا من وضع أفضل على الأرض وقتها.
واتجهت القيادة الي إجراء تغييرات جوهرية في البنية التشريعية مما أثر على قطاعات اجتماعية كبيرة.
هذه الإجراءات عرفت فيما بعد بالانفتاح الاقتصادي غير المنضبط / العشوائي حيث لم يحافظ على وحدات القطاع العام وثرواته المتنامية وفي ذات الوقت لم يؤسس لبناء قطاع خاص تنموي / تصنيعي / انتاجي.

هذه الإجراءات دفعت أجيال من الشباب الى النزوح للخليج والدول العربية النفطية. للبحث عن فرص عمل ومورد للرزق..

صادف هذا النزوح ثلاثة أحداث نرى أنها كانت مؤثرة في المنطقة وهي :-
تراجع الدور المصري وانقطاع مصر عن محيطها العربي والافريقي.
قيام ما سمي بالثورة الإيرانية وإعلان الجمهورية الإسلامية وبدء الحرب العراقية الإيرانية.
إطلاق ما سمي ( الصحوة الإسلامية) التي تبناها النظام السعودي في مواجهة المد الإيراني الشيعي حيث كانت هذه الصحوة هي الباب الذي انتشرت منه الوهابية والأفكار المتطرفة والتكفيرية اللي كل دول العالم بداية من أفغانستان الي الصومال والبوسنه والهرسك والشيشان ثم المنطقة العربية في كل من مصر والجزائر في الثمانينات والتسعينات ثم لاحقا في أوروبا وأمريكا.

في هذا المناخ المتشدد وتحت ضغط الفقر وضعف المنتج التعليمي تأثر الشباب والأسر المصرية التي سافرت في معظمهم بهذا الفكر وبالتبعية تأثروا بالثقافة الاستهلاكية وثقافة المجتمع الصحراوي من حيث التشبه بالملبس والمأكل وبعض العادات وللأسف الابتعاد عن الوسطية والتسامح التي يتصف بها المجتمع الزراعي مثل مصر .

وهنا بدأت الشخصية المصرية تنطلي بقشرة غريبة على المجتمع المصري وتاريخه، ومع زيادة معدلات السفر والهجرة زادت مظاهر التفكك الأسري بسبب غياب الأب وأحيانا غياب الأب والأم معا عن أبناءهم في سبيل توفير ملاذ آمن من الأموال.
وبسبب انسحاب الدولة من الخدمات الأساسية مثل الإسكان والصحة والتعليم والتموين مع ازدياد معدلات الفقر والبطالة وقتها. مما نتج عنه ضعف ارتباط المواطن بالدولة ومن ثم ضعف انتماءه للوطن الذي لم يجد انه يقدم له أي شيء
وبدأ البحث عن من يوفر له هذه الخدمات الأساسية بأسعار زهيدة تناسب مستواه الاجتماعي حتى لو كان المقابل استغلاله دينيا وسياسيا بالتصويت له في الانتخابات ( برلمانية – نقابية ..الخ ) .

إن إنتماء المواطن ليس فقط مرتبط بترفير الخدمات لأن هذا إرتباط ظاهري لكنه بالأساس مرتبط بالمحددات التي ذكرناها سالفا حيث من الضروري أن يشعر المواطن بوجود الحكومة المركزية الراعية والجيش الحامي وشعوره بضمان استقراره على أرض الوادي بما يعنيه من توفير وتأمين الرزق له وأبناءه…

لكن ما حدث أنه منذ الثمانينات بدأ المواطن يلمس افتقاده لضمان هذه المحددات وبالتالي تضاءلت داخله مفاهيم الإنتماء بل أنها قد أصبحت ملتبسة لدى الأجيال الجديدة التي ولدت في التسعينات والتي افتقدت دراسة التاريخ واللغة العربية والتربية الوطنية وانتشر الذوق الفاسد في الفن والغناء وأفلام المقاولات مع وجود قنوات فضائية تبث كل أشكال التغييب والوعي المزيف ورفض منهج التفكير العلمي .

وانتشار ظاهرة تأجيل الإلتحاق بالخدمة العسكرية مما خلق بيئة مناسبة لإنتشار الوعي الزائف في المجتمع وأصبح المراطن قلق بشأن أولاده…

كانت هذه بعض الظواهر التي نتجت من تأثير محاولات تشويه وضرب الهوية الوطنية..
ولكننا نشهد الآن أن هناك إرادة سياسيه وتوجه وطني نحو استعادة الهوية الوطنية ونقاء الشخصية المصرية

ومن هذا المنطلق فإننا نقترح :-

تشكيل( المجموعة الثقافية) داخل الحكومة أسوة بالمجموعة الاقتصادية وتشكل من وزراء الثقافة والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة والتنمية المحلية…. الخ
وهي تعمل على تنفيذ الخطط والرؤي لاستعادة الهوية الوطنية…

– الدعوة الي مشروع ثقافي وطني تحت عنوان الثقافة والهوية يضم كل المثقفين الوطنيبن والمهتمين بهذا الشأن. مع إعادة هيكلة مؤسسات وهيئات وزارة الثقافة لزيادة فاعليتها وتفعيل نشاطها .

مشروع لتشجيع السياحة الداخلية للمصريين بأسعار مخفضة وخصوصاً المواقع الاثرية

نشر أكبر توعية بمشروعات الإصلاح حتى لا تترك مساحة للشائعات والأخبار المفبركة

تفعيل دور هيئة التنسيق الحضاري لمواجهة العشوائية في المدن والقرى والشارع المصري.

إعادة النظر في الإعلام الحكومي والوسمي حيث تمتلك الدولة تراثا مهما ونادرا من الأفلام والمسلسلات والبرامج الثقافية والتوعوية الموجودة في التلفزيون ومهددة بالتدمير والضياع للأسف رغم قيمتها المادية الأدبية…

مراجعة كل المناهج الدراسية وتنقيتها من الأفكار التكفيرية والمتشددة وإعادة الاعتبار لدراسة تاريخ مصر بكل عصوره دون تمييز

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق