فريدة النقاش تكتب:عن الحب في زمننا

41

قضية للمناقشة
عن الحب في زمننا
فريدة النقاش

استمعت مصادفة خلال عطلة صيفية لمدة اسبوع إلي مجموعة من أغاني الحب الجديدة لمطربات ومطربين لم أكن قد سمعت بأسمائهم من قبل, وفوجئت بأنني أسجل- أولا بأول- تلك الفروق البارزة جدا بين الكلمات والمعاني التي تتضمنها هذه الأغنيات من جهة, وبين الكلمات والمعاني فيما يمكن أن نسميه الآن- بالأغاني التقليدية لعبدالوهاب, وأم كلثوم, وشادية وعبدالحليم والعشرات الأخرين من المطربات والمطربين الذين استمع إليهم جيلي وعشقهم.
أخذت أدقق جيدا فيما أسمعه من جديد- طبعا- دون أن أفقد شغفي القديم بالتقليدي كما أخذت أصنفه في مجال المقارنة. لم أكن معنية بالوصول إلي الأفضل أو الأسوأ, بل كنت أحاول التقاط ما تحمله المعاني الجديدة وكلماتها وإيقاعاتها بل وطريقة أدائها من خصائص تعبيرية تجعل من يستمع إليها يقول وهو مطمئن – أنها حقا تعبر عن زماننا. فكل فن يسعي لأن يعيش ويؤثر لابد أن يحمل سمة زمانه.
فما الذي جري- يا تري- للحب في زماننا هذا بما يحمله من سمات, تجعلنا نجزم أن تغييرا عميقا قد طال مجريات حياتنا كلها, وتعبر الأغنيات الجديدة عن هذا التغيير, بطريقة الأجيال الجديدة في التفكير والتعبير عن الأفكار والرؤي.
كانت ملاحظتي الأولي أن لوعة الحب والشكوي من الهجر والخيانة التي امتلأ بها قاموس الأغنيات التقليدية قد اختفي, أو كاد, كما اختفي أو كاد, الذل أمام المحبوب رجلا أو امرأة, فالخضوع مرفوض- وبرز – في هذا السياق- شكل من المساواة العميقة والتي تبدو أنها غير مقصودة, بل يجري التعبير عنها كأنها الأمر العادي في العلاقات الإنسانية الجديدة التي حملت هذه الأغنيات بعض سماتها.
استنتجت – مبدئيا- أن نضال النساء من أجل المساواة علي مدار تاريخنا الحديث لم يذهب سدى, وها هي درجة عليا من وعي الذات قد جعلت المساواة- من كل جوانبها شرطا اساسيا للتحرر, وبات التعبير عن هذا المفهوم الجديد للمساواة ميدانا خصبا للشعراء والموسيقيين والمغنين. وهو ما يطرح علينا ضرورة الاجتهاد للوصول إلي البنية الداخلية العميقة لعلاقات الحب الجديدة, إذ أن العلاقة بين الرجل والمرأة تبقي دائما ركنا أساسيا في العلاقات الاجتماعية, ولن يكون بوسعنا أبدا التعرف علي حقيقة التغيرفي هذه العلاقات دون معرفة شاملة بعلاقة النساء والرجال في إطارها.
وعلاقة النساء بالرجال هي شأنها شأن العلاقات الاجتماعية كلها في حالة تغير دائم يفرضه إيقاع العصر ومستجداته, ولكنه ليس تغيرا بسيطا ولا سلسا بل إنه يموج بالمتناقضات, ويخفي في طياته عناصر متقدمة اجتماعيا وأخري متخلفة وهما في حالة صراع دائم. ولطالما كان كسب النساء مطلبا بل وهدفا أوليا للقوي الاجتماعية والسياسية المتطلعة إلي الهيمنة.
ولا تكتمل أي رؤية أو نظرة إلي العالم دون أن تتضمن هذا العنصر الأساسي عن علاقة النساء بالرجال. ولطالما كنا نتساءل لماذا تتمحور الأغنيات جديدها وحتي قديمها حول هذه العلاقة مع تنوع الأفكار والآراء والمواقف ازاءها, ولم يكن هناك رد بسيط.
وتبين لنا القراءة المتأنية حقيقة الفكرة التي جري طرحها كثيرا في كل نقاش جدي حول العلاقات الاجتماعية, وهي الفكرة التي تقول إن هذه العلاقة بين الرجال والنساء تبقي جذرا رئيسيا شأنها شأن علاقة العبيد والأسياد في تطورها عبر التاريخ, وفي تأثيرها القوي علي كل العلاقات داخل أي تشكيلة اجتماعية اقتصادية, وهي – أي العلاقة بين النساء والرجال التي تكون- مبدئيا- نظرة أو رؤية أي مجموعة اجتماعية إلي العالم, وتصبح هذه النظرة أو الرؤية هشة وناقصة إذا ما جري اختزالها إلي مجموع أفكارها السياسية فحسب مستبعدة علاقات النساء والرجال, كما تستبعد الفلسفة أو الفن أو الاقتصاد لتصبح نتائجها فقيرة وفاقدة للدلالة.
بوسعنا أيضا أن نستدل من أغنيات زماننا علي التحول العميق داخل الوجدان الجماعي الذي أصبح يتقبل هذه الأغنيات ويستمتع بها وقد حولت ما كان غير عادي في زمن سابق إلي شيء عادي كأنه ولد معنا, وهي سمة من سمات الصراع بين القديم والجديد انتجها التاريخ الطويل لهذا الصراع.
سوف يتساءل الأصدقاء أليست كل هذه الاستنتاجات من أغنيات عملا مبالغا فيه, فنحن نستمع للغناء لنستمتع لا لنتأمل في المعاني, وردي هو أن هذا التساؤل يطرح علينا مجددا مهمة طالما اعتبرناها زائدة عن الحاجة, ألا وهي إحياء تقليد النقاش العميق والصبور والشامل للقضايا.
أتذكر- في هذا الصدد المصطلح الذي أنتجه الناقد الراحل الدكتور “علي الراعي” عن الفرجة والفكر, في محاولة لعبور الفجوة التي رأها مصطنعة بين المتعة التي يمنحها لناالفن وبين الافكارالعميقة التي يدل عليها ويقودنا لها.
ويقودنا الفن الجميل لاكتشاف زماننا, والتعرف بعمق علي أنفسنا ومجتمعنا, وهي أهم الوظائف التي يقوم بها الفن علي الاطلاق . وإن كان من السابق لأوانه أن نصف زماننا هذا بأنه زمن كورونا فإن بوسعنا أن نتعرف عبر فنون زماننا وأقربها إلي وجداننا وروحنا- اي الغناء- علي ملامح هذا العالم الجديد الذي يتشكل ببطء لا بسبب كورونا فحسب وإنما يضاف إلي الوباء أيضا سلسلة من الأحداث الجسام التي صحبته أو ترتبت عليه, والتي سوف يعبر عنها الغناء- لاحقا- بطريقته.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق