د. جودة عبدالخالق يكتب:العيد فى زمن الفيروس التاجى

268

لقطات
العيد فى زمن الفيروس التاجى

د.جودة عبد الخالق

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ … بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تَجْديدُ
أمّا الأحِبّةُ فالفيروس دٌونَهُمُ … فَلَيتَ دُونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
في زمن جائحة كورونا، صار للعيد نكهة خاصة غير مسبوقة. وبهذه المناسبة، لم أجد أفضل من هذين البيتين من قصيدة شهيرة للمتنبى نظمها منذ أحد عشر قرنا. ولكن لضمان عَصْرَنة المعنى، بَدَّلت كلمة “الفيروس” مكان كلمة “البيداء” في النص الأصلى. نعم، بأية حال عدت يا عيد! طبعا لم يأت العيد هذه المرة حاملا معه ما مضى من ذكريات جميلة. وإنما جاء ب”تجديد” غير مسبوق، يتمثل فى معاناة البشر في مختلف أرجاء المعمورة على خلفية جائحة الفيروس التاجى- وفيات و معاناة وفقدان للوظائف وانخفاض الدخول وشح الأرزاق. وبعد أن كانت الصحراء اللامتناهية الأطراف هي التي تفصل بين الأحبة في زمن المتنبى، أصبح فيروس كورونا بحجمه اللامتناهى الصِّغَر هو العازل بين الأحبة في زماننا. و يا له من عازل مُرَوِّع!
كان من طقوس العيد فيما مضى زيارات وسلامات، وأحضان وقبلات، وصيحات وضحكات. أما الآن، فلم يبق من ذلك أي شيء من مظاهر البهجة والفرحة. فقد فرضت الإجراءات الاحترازية نفسها إتقاء لشر العدوى بكورونا. ولا يتبادل الناس إلا رسائل مُعَلَّبة باردة (دليفرى) عبر شبكات التواصل الاجتماعى. وفى أحسن الحالات يتبادلون التهنئة عن طريق المكالمات الهاتفية. وعلى المستوى الشخصى، آلمنى جدا أننا لم نستطع زيارة شقيقتى وقت وفاة زوجها الذى راح ضحية الإصابة بكورونا. فكانت وسيلة التواصل الوحيدة الممكنة هي الهاتف. وحتى عندما زرناهم في العيد بعد أكثر من أربعين يوما من وفاة زوجها، كان لقاؤنا عجيبا. مجرد سلام عن بُعد، وكلام، ودموع. لكن لا أحضان ولا قبلات ولا أى مظهر من مظاهر التعبير عن المشاعر الفياضة في مثل هذه المواقف العصيبة. حقا، أما الأحبة فالفيروس دونهمُ!
بمناسبة العيد، تلقيت مكالمات هاتفية ورسائل عديدة عبر الإنترنت من أقارب وأصدقاء وجيران وتلاميذ وزملاء. فضلا عن أشخاص كانوا قد رافقونى كتفا بكتف في ميدان التحرير خلال ثورة يناير. الكل يتحدث عما أصابه من هم وغم وألم نفسى وضغط عصبى بسبب حالة العزل والتباعد إتقاء لشر كورونا. إنها حالة أشبه بالحبس- غير أنه حبس بلا جرائم، وبدون أحكام قضائية، وبلا زنازين. وزادت حالات الضغط العصبى والاضطراب النفسى عند أناس كانوا قبل الجائحة من المتوازنين. ورحنا نتبادل الخبرات عن كيفية تعايش كل منا مع جائحة كورونا. ورغم تنوع التجارب، إلا أن الكل أجمع على شيء واحد: لقد كانت جائحة كورونا كاشفة لجبروت مخلوق بالغ الضآلة هو كورونا مقابل عجز مخلوق بالغ القوة هو الانسان. ألا ضَعُف الطالب والمطلوب. وسبحان الله خالق هذا وذاك!
عزاء و دعاء:
رحل عنا منذ أسابيع قلائل أحد فرسان الطب، الدكتور محمد مشالى، الرجل الذى نال عن جدارة لقب “طبيب الغلابة”. و يا له من شرف أن يُسَخِّر الإنسان طاقاته لخدمة الغلابة! ندعو الله أن يلهم أسرته الصبر والسلوان، وأن يسكنه فسيح جناته.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق