محمود دوير يكتب:”صاحب المقام” سينما تغييب العقل وإثارة القلق

134

فى الوقت الذى تأثرت بقوة صناعة السينما جراء أزمة “فيروس كورونا ” وما تلاها من اجراءات احترازية شملت توقف لعدد كبير من الأنشطة الحياتية لجأ عدد من صناع السينما فى العالم للعرض عبر منصات الأنترنت وكان فيلم “الكوخ المحترق  ” بطولة اشرف عبد الباقى هو أول تجربة مصرية حيث تم عرضه خلال عيد الفطر المبارك.

ومؤخرا فقد قرر صناع فيلم “صاحب المقام ” عرضه عشية عيد الأضحى على منصة “نتفلكس ” ومن المقرر أن يتم عرضه فى قاعات السينما قريبا.

فيلم “صاحب المقام ” أثار جدلا واسعا منذ تم عرضه على منصات الإنترنت وهو التجربة الثالثة للكاتب الصحفى والاعلامى “ابراهيم عيسى ” بعد أن قدم “مولانا ” ثم “الضيف ” ولاشك أن “عيسى ” أحد أبرز الوجوه الصحفية بين أبناء  جيله ويمتلك وجهة نظر تتسم بالجراءة عبر عنها بجسارة خلال مسيرته الصحفيه والإعلامية.

مؤخرا استهوت كتابة الرواية مؤلف الفليم ليخوض التجربة ويحقق انتشارا واسعا مستعينا بذيع صيته وبريق اسمه ليس كونه روائيا استثنائيا أو قاصا جاء ليجدد شباب القصة القصيرة العربية.

ثم ينطلق “عيسى ” نحو عالم السينما بحثا عن مزيد من التأثير مؤمنا بقدرة السينما أكثر من غيرها على تحقيق مزيد من الإنتشار لأفكاره ورسالته الفنية  فيقدم عام 2017 فيلم “مولانا ” عن نص روائى بنفس الإسم ثم يقدم 2019 فيلم “الضيف “مع المخرج هادى الباجورى.

ومؤخرا يقدم لنا فيلم “صاحب المقام ” يتعاون “عيسى ” مع المخرج الشاب ” محمد العدل ” فى تجربتة الثالثة أيضا بعد أن قدم “الكبار “2010 و” البدله ” 2018 كما يتعاون مع المنتج “أحمد السبكى”.

تميزت سينما المؤلف “ابراهيم عيسى ” فى أعماله الثلاث بقدر كبير من المباشرة والخطاب الفكرى على حساب جماليات السينما ذاتها وقدرتها على طرح الأسئلة فقد تولى المؤلف الإجابة على كل الأسئلة بدلا من المتلقى وحظيت أعماله بمساحات من الجدل الفكرى الواسع خاصة فيلم “مولانا ”  الذى لولا قدرة المخرج “مجدى أحمد على ” وحرفيته لتحول الفليم إلى عمل أقرب للوثائقية منها للسينما.

وفى “صاحب المقام ” الذى يدور حول شخصية رجل أعمال شاب غرق تماما فى تفاصيل البزنس حتى أنه نسى حياته الشخصية وتجرد من أى مشاعر انسانية ولا يشغله سوى نجاح دائم ومستمر لمشروعاته الإستثمارية مهما كان الثمن.

وأثناء الإعداد لإنشاء مجمع سكنى راقى يكتشف مسئولو الشركة وجود “ضريح ” يتبارك به الناس يمثل عائقا أمام استكمال المشروع ومن هنا تبدا ويقدم الفليم بشكل شديد السذاجة حوارات فكرية بين ” آسر ياسين ” رجل الأعمال وشريكيه الذى يقدمهما كتوأم متشابه فى الشكل يجسدهما “بيومى فؤاد ” ويحمل المتدين منهما إسم حليم وتجده يقف دائما على يمين رجل الأعمال بينما يقف على يساره شقيقه الآخر “حكيم ” وكأنهما يمثلان ملكا الخير والشر!!.

يقرر رجل الأعمال هدم الضريح فى ظل معارضة “حليم ” وحماس” حكيم ” ومنذ تلك اللحظة تنهال الكوارث على رجل الأعمال حيث تهبط اسهم شركاته فى البورصه ويتعرض منزله فى الساحل الشمالى لحريق مدمر ثم تأتى الأزمة الكبرى حين تصاب “زوجته ” التى تجسدها الممثلة ” أمينة ” بنزيف مفاجىء فى المخ تنقل على إثره للمستشفى لتظل فى غيبوبة

وتظهر شخصية “روح ” التى تقدمها “يسرا ” لتمثل ضمير العمل وذلك الطيف الذى يظهر ويختفى سريعا ولا تعرف هل هى ملاك أم بشر لتقول له باقتضاب “روح صالح اللى انت زعلتهم ” فى اشارة إلى صاحب المقام.

ويبدأ رحلة لزيارة عدد من الأضرحة الشهيرة بالقاهرة ويستدعى أحد منشدى التواشيح الدينية فى مكتبه لينشد أشهر الإبتهالات لعله يتطهر . ويلتقى بأحد المريدين بمسجد الإمام الشافعى ويحمل له رسائل الناس إلى الضريح ويبدأ فى متابعة مظالمهم واستغاثاتهم للضريح ويبدأ فى تحقيق مطالبهم.

وهنا يفتح صناع الفليم الباب على أوجاع المجتمع المتعددة فما بين الهجرة غير الشرعية وانسحاق الفقراء فى المستشفيات الحكومية ورغبة سيدة قضيت عمرها تبيع الهوى وتأمل أن تقبل توبتها مرورا بتعذيب المراة وقسوة المجتمع على النساء جاء كل هذا سريعا مؤثرا خاصة مشاهد الفنان الراحل ” إبراهيم نصر ” ومشاهد “محمود عبد الغنى ” فقد أجادا بشكل لافت رغم مشاركتهما السريعة شأن معظم  أبطال العمل الذى لم يتجاوز مساحات أدوراهم ثلاثة مشاهد.

يقرر رجل الأعمال بعد تلك الرحلة فى أوجاع الناس ومعاناتهم  أن يعيد بناء الضريح كما كان خاصة بعد نجاة زوجته من الموت.

تبدو قصة العمل تقليدية وزاعقة جدا وكأن صناع الفليم قرروا الإنتصار للميتافيزيقى وخوض معركه فكرية بين التدين السلفى والتدين الصوفى . مستخدمين العلم كبش فداء فى تلك المعركة المثيرة للدهشة والتى تطرح تساؤلا دائما هل دور السينما هو تقديم الإجابات التى يتبناها صناع الفن السابع وهل بتلك المباشرة التى تشبه رسوم الأطفال فى كتب المرحلة الإبتدائية.

نحن أمام عمل فنى اختار ان يوجه المتلقى لا أن يدهشه – رغم جهد المخرج – فى تقديم بعض المشاهد التى تكشف عن قدرة فى ادارة الكاميرا وديكور مميز وإضاءة لعبت دورا مهما فى مشاهد دغدغة المشاعر.

يبقى أداء أبطال العمل خاصة “بيومى فؤاد “و”يسرا “و “أمينة ” نمطى جدا ربما كان حضور آسر ياسين القوى من مميزات العمل القليلة.

رغم ما تردد حول اقتباس فكرة الفيلم من عمل “إسرائيلى ” يحمل عنوان “مكتوب ” إلا أن ذلك غير مؤكد وغير مفيد الخوض فيه الآن لأن الأزمة أكبر من كون العمل مقتبس من عدمه فهذا أمر متعارف عليه فى السينما العربية وظاهرة الاقتباس قديمة – حديثة.

لكن الأخطر هو طرح تلك القضية بهذا التناول السطحى والذى يضر أكثر مما يفيد ويفتح جدلا عقيما حول قيمة المنطق وضرورة التفكير العلمى فى مجتمع يعانى أزمات حادة واستقطاب شديد بين قوى التخلف والرجعية والتواكل وبين قوى تتبنى الإستنارة والحث على التقدم ورفض كل ما هو مغيب للعقول.

فالفارق كبير جدا بين دعم القيم الروحانية وبين ترسيخ مفاهيم التواكل والاعتماد مهما بدا أن بينهما شعره صغيرة  والمدهش أن “إبراهيم عيسى “منذ عرفه القارئ يعلن أنه يقف فى خندق الإستنارة ويدعم التفكير النقدى لكنه يبدو هذه المرة مختلفا أو غير موفق بالمرة.

صاحب المقام تجربة سوف تخصم كثيرا من رصيد صناعها ولن تشفع لها نوايا “إبراهيم عيسى “ولا تصريحاته المعلنة والدائمة على عكس ما جاء بالفليم.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق