فريدة النقاش تكتب:الظلام الحوثي في اليمن

76

قضية للمناقشة

الظلام الحوثي في اليمن

فريدة النقاش

 عبر عدد من الكتاب والأدباء والمثقفين اليمنيين، وخاصة الذين يعيشون في منطقة سيطرة الميليشيات الحوثية عن استيائهم الشديد للوضع السيئ والمتردي الذي وصل إليه المشهد الثقافي في اليمن في ظل الهيمنة باسم الدين .

كنت قد زرت اليمن مرات عدة قبل سنوات من هذا الابتلاء الطائفي المذهبي، المسلح وعرفت الكثير من مثقفي اليمن إن شخصياً أو عبر إبداعاتهم المدهشة والغنية .

ولطالما كانت “صنعاء” من أحب المدن العربية إلى قلبي، تلك المدينة الفاتنة بطرازها المعماري الفريد، وبقدرة السلطات المتعاقبة على الحفاظ الصارم على طابعها المعماري الذي طالما فتن مهندسنا العبقري الفنان الراحل “حسن فتحي” ، رغم أن هذا الطابع لا ينتمي إلى مدرسته، وإن تقاطع معها في أسسه النظرية عن عمارة الفقراء .

إذ ينتمي الطراز المعماري الخاص جدا لـ”صنعاء”  إلى مدرسة الجمال البسيط ، فاليمن بلد فقير في موارده، غني غني خاص جداً في مواهبه وتاريحه الحضاري ، ولعل اكتشافات البترول والغاز مؤخراً تعين “اليمن” على الخروج من دائرة الفقر.

نعود “للحوثين” الذين يحملون المشروع الطائفي الإيديولوجي الفارسى إلى اليمن، مثلما حملت الأحزاب الدينية التي نشأت منذ سنوات في كل من لبنان والعراق وسوريا هذا المشروع ذاته، إلى هذه البلدان وعنوانه الأبرز هو ” حزب الله ”  اللبناني الذي يسوق في الوطن العربي فلسفة ولاية الفقيه، وبالتالي طموحات التوسع الإيراني في بلداننا، ويجعل الحكم باسم الدين أمرا طبيعياً ومقبولا.

والمشروع التوسعي الإيراني هو وجه آخر لصفقة القرن التي حملها لنا “دونالد ترمب” وقوامها الأساسى ينهض على تفتيت المنطقة، وإغراقها من أجل هذا التفتيت في الصراعات المذهبية، والعرقية ، وهو بالضبط ما تقوم به الميليشيات الإيرانية تحت راية ولاية الفقيه في مواجهة الاستعمار التقليدي الذي غزا العالم تحت راية نقل الحضارة للبلدان المتخلفة .

وكان تاريخ الجماعات الدينية السياسية عبر العالم قد علمنا أن مثل هذه الجماعات قد وقفت دائماً على أرض واحدة من الفاشية والقوى والتيارات العنصرية أيا كان اسمها، وكانت الثقافة هي العدو الرئيسي لها جميعا .

وفي الواقعة الحوثية الأخيرة في اليمن قام مسلحون من أعضاء الجماعة باقتحام مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في مدينة “ذمار” واحتلاله بقوة السلاح طبقا لجريدة “الشرق الأسط ” وقام ” المحتلون ” بنقل نساء وأطفال إلى المقر للسكن فيه بعد طرد الأدباء والكتاب منه، وحتى لا يعود المكان مرة أخرى مقراً للثقافة والمثقفين ذلك أن المثقفين ـ طبقا لهم ـ يشكلون خطراً أو عائقاً أمام مشروعهم القائم على الفكر الطائفي الصفوي الإيراني ، واقتحام هذا هو المقر هو الخامس منذ استولى الحوثيون على “ذمار ” .

وربما يكون هذا الاستخلاص الذي توصل إليه “الحوثيون” هو التعبير الدقيق عن موقف كل القوى الدينية السياسية التي طالما وجدت في الثقافة والمثقفين أعداء لا خصوماً فكريين، والأعداء بد من هزيمتهم ، وباسم هذا العداء الذي يشكل جوهر ومرتكز نظريتهم يجوز ـ بل يتعين أحيانا ـ قتل المثقفين وهو ما حدث بالفعل في لبنان حين قتلت القوى الدينية المفكر التقدمي “حسين مروة ” والكاتب ” سهيل الطويلة” والفيلسوف ” مهدي عامل ” وغيرهم .

وفي الجزائر قتلوا الكاتب المسرحي ” عبد القادر علولة ” ، وفي مصر قتلوا المفكر ” فرج فودة ” وهذه الأسماء هي التي أسعفتني بها الذاكرة ، إذ أن عدد ضحايا التيارات السياسية الدينية من المثقفين على امتداد بلدان العرب والمسلمين هو بالعشرات.

وينهض عداء هؤلاء للثقافة والمثقفين على خوفهم المزمن من الروح النقدي للثقافة، فالثقافة قادرة ـ دون أي عنف ـ على تفكيك فلسفتهم وأفكارهم ومن ثم فضح الجوهر العنصري واللاعقلاني لهذه الفلسفة وتلك الأفكار، وكشف حقيقتهم ، من ثم أمام الجماهير البسيطة التي تنجذب إليهم لأسباب كثيرة على رأسها لغتهم التي تحمل رسالة بسيطة تقول إنهم مفوضون من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي هم وسطاء مضمونون لديه.

والقتل المباشر ليس هو الشكل الوحيد للعنف الذي يمارسه الحوثيون ضد المثقفين إذ كشف موظف حكومي في “صنعاء” خاف ذكر اسمه عن وجود أكثر من 75 مثقفاً وأديبا ومبدعاً يمنيا لا يزالون يقبعون في السجون والمعتقلات وفق تهم كيدية ملفقة، وهم يتعرضون ـ طبقاً له ـ لأشد أنواع التعذيب والانتهاك .

وأضاف الموظف أسماء مثقفين قتلهم ” لحوثيون ” في ” صنعاء”  مثل الفنان ” نادر الجرادي ” والفنان الشعبي ” معين الصير ي” ، كما قاموا بمنع فنانين تشكيليين من إقامة معارضهم ، كما منعوا تشغيل الموسيقى في السيارات .

وأذكر أنني حين زرت ” إيران ” قبل عشر سنوات توجهت إلى أحد المتاجر لشراء اسطوانات وأشرطة كاست للفنانة ” جوجشي ” ذات الصوت المميز الساحر ، وهنا اكتشفت أنها ممنوعة ، بل وهناك عقاب صارم لمن يوزع أي تسجيلات موسيقية ، بل وإن الفنانة نفسها قد غادرت البلاد شأنها شأن عشرات الفنانين والكتاب الذين طاردهم حكم ولاية الفقيه .

تتكشف يوما بعد يوم الوجوه المرعبة للحكم باسم الدين والمثقفون في “وش المدفع” كما يقال، وكما حذر وزير الثقافة اليمني “مروان دماج ” من خطر الجائحة الحوثية التي تسعى لتقسيم المجتمع اليمني وفرزه سلالياً وطائفيا ، فإنه دعا أيضاً للتصدي للفكر الطائفي والثقافة “الإمامية ” المتخلفة لا عبر العمل السياسي والعسكري فقط ، وإنما أساساً عبر الثقافة .

وكما يستهدف الحكم الديني المثقفين في المقام الأول ، فإن على المثقفين أن يتقدموا الصفوف في مواجهة الظلام .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق