فريدة النقاش تكتب:خطوة أولى على الطريق

105

قضية للمناقشة

خطوة أولى على الطريق

فريدة النقاش

 إن توقيف “محمود عزت” سوف يقضي على كثير من مخططات تنظيم “الإخوان المسلمين” هذا ما أكده أحد رجال الأمن الكبار الذين يعملون على هذا الملف، وسوف يؤدي سقوط هذه الشخصية الكبيرة في قيادة التنظيم وخاصة جناحه المسلح إلى بعض العزاء والراحة لآلاف النساء الأمهات والزوجات اللاتي ثكلن وترملن على أيدي هذا التنظيم وسجله الإرهابي الحافل بالجرائم منذ نشأته في بداية القرن الماضي.

وسوف يؤدي هذا السقوط أيضاً إلى إضعاف كل الجماعات الجهادية التي خرجت من رحم “الإخوان” واحترفت تكفير المجتمع ومقاتلته، وكأنما توافقوا جميعا على الانتقام من الشعب المصري رداً على بسالة هذا الشعب في مواجهة حكم الإخوان وإطلاق الموجة الثانية من ثورة 25 يناير 2011 في الثلاثين من يونيه 2013 وإسقاط حكم «الإخوان» بعد أن اختبرهم المصريون، وأدركوا ببصيرتهم النافذة أن نظامهم يجر البلاد إلى الوراء ويكاد يخرج بها من التاريخ .

ويتساءل الكثيرون بقلق – وماذا بعد ؟ إذ أن الدائرة تدور وساقية الفكر الديني الذي طالما كان من أقوى أسلحة اليمين سياسيا واجتماعيا لا تزال تضخ المياه في شرايينه، فما تزال كتب التكفيريين ومناهجهم تملأ المكتبات، وينهل منها الدعاة في الزوايا والمساجد، ولطالما تفاخر “محمود عزت” بأنه تلميذ “سيد قطب” وقد اختار لنفسه “الصقر” اسماً حركيا .

وسوف نكون واهمين لو تصورنا أن الضربة الموجعة التي تلقتها جماعة “الإخوان” سوف تضع حداً لتغولهم على المجتمع، ذلك أن الأذى الذي يلحقونه بالبلاد هو أكبر كثيرا من الأعمال الإرهابية التي يقومون بها .

اعتادت السلطات أن تواجههم أمنيا، وأن تسعى مؤسساتها الفكرية والإعلامية والثقافية عامة لاستخدام لغة الدين، وتختار بذلك الوقوف على نفس أرضية هذه الجماعة وحلفائها فثمة نزال آية بآية ونصا بنص، وتكفيرا ضد تكفير، وهكذا تدور الساقية، والحق أن هذا منهج عقيم لأنه يشكل عدوانا ضمنيا على المواطنة التي هي مبدأ الدولة الحديثة المؤسس، فضلا عن أن نتائجه تافهة .

ورغم كل الجهود المضنية والشريفة التي تعمل على تطوير التعليم، فما زال التعليم فضلا عن الإنقسام الخطير فيه بين أجنبي ومحلي، وبين ديني ومدني، وبين تعليم الفقراء وتعليم الأغنياء فإن الجانب التلقيني فيه لا يزال قائما، والفكر النقدي غير مرغوب فيه، إذ أن النقد يحلل الأسئلة ولا يعترف بالأجوبة الجاهزة شأنه شأن الفلسفة التي لا تعترف بأحكام مسبقة، وكانت عصور الإنحطاط قد خاصمت الفلسفة ولاذت الأخيرة بقاعات الدرس المتخصصة والمحدودة، وشاع في الأوساط الشعبية تعبير “من تفلسف تزندق” .

ويكاد الفكر النقدي أن يكون محرما في الأوساط الدينية، ورداً على مطالبة أستاذة الشريعة الدكتورة “زينب رضوان” بنقد أفكار الإمام “مالك” قال شيخ الأزهر السابق، وأنا شيخ الأزهر لا أسمح لنفسي بنفد الإمام “مالك” .

وتشكل القيود على الحريات في النظم القمعية عنصراً إضافيا وفاعلا في إسكات صوت النقد، وبخاصة نقد الفكر الديني .

ولكل هذا مازلنا نتنفس الأفكار الإرهابية وتنتشر الرؤى الوهابية بين قطاعات لا يستهان بها من الشباب .

ويدور الصراع خافتا في دوائر المثقفين ويتلقي الشجعان من بينهم ضربات متلاحقة لإسكات أصواتهم . بينما تتوالد الأفكار المتزمتة والنصية عبر تسعة آلاف وخمسمائة معهد أزهري، يدرس فيها نحو عشرة ملايين في سن المراهقة، وفي سن تشكيل منهجهم لا فحسب في قراءة النصوص، وإنما أيضا في حياتهم، وفي العلاقة مع أبناء الديانات الأخرى، وهم يتعلمون ضمنيا احتقار هؤلاء، وازدراء معتقداتهم.

وعقب ثورة يناير، ومع الفزع الذي أصاب الطبقة الغنية والمتنفذة تزايدت المحاكمات المرتبطة بقضايا ما يسمى بإزدراء الأديان بدرجة ملفتة، ومقلقة جسدت انتهاكا واضحاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ورصدت الجماعات الحقوقية 208 قضايا نظرتها المحاكم خلال هذه الفترة إتهم فيها 41 مواطنا .

وطالب مثقفون نقديون ومازالوا يطالبون بإلغاء هذه المادة الخاصة بإزدراء الأديان من قانون العقوبات ضمن ما يوصف بأنه ترسانة القوانين المقيدة للحريات التي لم تعطل فحسب تطوير الفكر الديني، بل عطلت تطور المجتمع كله، وكانت سبباً في اندفاع مئات من الشباب إلى أحضان الجماعات الدينية والجهادية من بينها، وهم يتغذون على ما تنتجه المؤسسات والمدارس الدينية وحتى المدارس العامة والإعلام، وهو ما يؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج مجموعة من الأفكار والممارسات الوهابية التي تحتقر النساء وتحقر الديانات الأخرى، وثمة حاجة ملحة لإعادة نظر شاملة في علم ومناهج وبرامج مؤسساتنا للخروج من هذا النفق إلى عالم جديد قوامه الحرية والمساواة والعدالة وأساسه المواطنة فعلا لا قولا .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق