أمينة النقاش تكتب:تَأمُّلٌ فى الوضاعة !  

74

ضد التيار  

أمينة النقاش  

تَأمُّلٌ فى الوضاعة !  

لم أتمالك نفسى ودخلت فى نوبة من الضحك الهيستيرى، وأنا أقرأ الصحيفة داخل الأتوبيس الذى كان يقلنى لمكان عملى، حتى ظن الركاب حولى، أن لوثة عقلية قد أصابتنى، وراحوا يتغامزون ويتهامسون، وينظرون نحوى بدهشة واستغراب ويدعو بعضهم بصوت مسموع، العلى القدير أن يهدى الجميع ويصلح من أمورهم . أما جارى فى المقعد المقابل، فترك مقعده وظل واقفا نحو عشر دقائق لحين وصول الأتوبيس لمحطته المقصودة .  

كان المقال المنشور فى الصحيفة لكاتب معروف، ممن يشهد تاريخه المهنى بالانتهازية العريقة عميقة الجذور .أما السبب فى الحالة التى انتابتنى وأثارت هواجس ركاب الأتوبيس، فلأن  المقال، كان- ويا للعجب – ينتقد الانتهازية السياسية، التى تدفع الناس كما يقول كاتبه، لتغيير مواقفها من المعارضة للنظام، إلى المساندة له، مع أن كاتب المقال من أشهر من يغيرون آراءهم كل يوم. وحين تبين لكاتب المقال المأزق الذى أوقع نفسه فيه، إذ قد يظن من وهب حياته المهنية فى نفاقهم على مر العهود والعصور، بل والاستفادة من عطاياهم على طريقة “اللى تغلب به ألعب به”، أنه يعارضهم، حتى غير البوصلة 180 درجة، موحيا أنه لا يقصد الأوضاع الراهنة. ولكى يعزز هذا الإيحاء، إنهال هجومًا على هؤلاء الذين أيدوا حكم جماعة الإخوان، وكانوا من قبل يشدون النقد عليها، لكى يكون هذا هو المثل الذى يقصده من تغيير المواقف، حيث هنا لاضر ولا ضرار!  

على مدار أربعين عامًا من مسيرتى المهنية ومشاهدتى ومشاركتى فى أنشطة متنوعة من العمل فى المجال العام، عرفت أنواعًا شتى من هذا النموذج “الانتهازى العريق” الذى خرج فى أغلب الأحوال من بيئة اجتماعية متواضعة، وظل طوال عمره يرنو للفئات الاجتماعية العليا، ويحلم بالالتحاق بها، دون أية مؤهلات أو قدرات شخصية، تؤهله بالطرق المستقيمة للوصول إلى ذلك. لذلك ارتاد طريقًا مغايرًا امتلك فيها قرون استشعار تعمل على مدار 24 ساعة، تتصيد المصالح من الكوارث، كما من الأزمان السعيدة، ومن القرب والتقرب من أصحاب النفوذ فى كل موقع ومكان وظيفى أو غير وظيفى، بحملات مكثفة من العلاقات العامة، ومن التفانى فى تقديم شتى الخدمات لهم، بدءا من حمل الحقائب وتوصيل الأبناء للمدارس، والتسوق لشراء مستلزمات المدام، والتغنى بكل ما يقومون به من أعمال حتى لو كانت تافهة، وانتهاء بالتصدى لخصوم ذوى النفوذ بنشر الشائعات وتلويث السمعة، والعنف البدنى واللفظى إن اقتضى الأمر. ويظل معيار تقديم تلك الخدمة وإدارة حملات العلاقات العامة مميزة، لمن يجزل العطاء له أكثر من غيره . وقد تكتشف فى بعض المواقف أن هذا النموذج يعمل لصاحب النفوذ ولخصمه فى آن واحد، يبتز هذا بذاك، ويختلق من المرويات، ما يوغر صدر كل منهما على الآخر، طالما يخدم هذا الوضع مصالحه ويعظم من مكاسبه .!  

عرفت من هؤلاء من يصفه بيت الشعر العربى الحكيم بالقول:  يُبدى الزهادة فى الدنيا وزخرفها ..جهرًا، ويَقبل سرًا بَعرة الجمل  (أى براز الجمل).  

كما عرفت من يسخر منهم أحمد فؤاد نجم قائلًا: يا واد يا يويو، يامبرراتى، ياجبنة حدقة على فول حراتى، استك لسانك، فارد ولامم، حسب الأبيج، يا مهلباتى..حسب الوظيفة وأنت وشطارتك، تظهر حلاوتك، تظهر مرارتك، لو خفضوك ترتفع حرارتك، لو صعدوك، تنقلب جيلاتى.!  

فى بداية هذه الألفية حضرت ندوة “لخبير إستراتيجى” فى أحد المراكز الحقوقية عن الإرهاب، فوجدته يقول كلامًا مناقضًا تمامًا لما قاله قبل أسبوعين فى مركز حقوقى آخر، وحين سعيت لأستوضح منه الأمر، قال لى بكل بساطة: “الثقافة دى مهنة، زيها زى النجارة والحدادة والسباكة، والمثقف مثل هؤلاء، يسعى لكسب رزقه بكل الطرق والوسائل”. وما لم يذكره الخبير الاستراتيجى، الذى طبق هذا المفهوم للمثقف فى حياته العملية حرفيًا،أن المركزين الحقوقيين، كان بينهما ما صنع الحداد، لأن أحدهما، كان انشقاقا عن الآخر، وأنهما “لابدين لبعض فى الذرة ” كما يقول أهلنا فى الجنوب، استعدادًا للثأر، وأنه استطاع بمهارة أن يوظف ثقافته الحقوقية فى إرضاء المركزين، كلٌ بما يهوى ويريد، أوليست المعرفة مهنة لخدمة طلبات الزبائن؟!  

كان المفكر السياسى لطفى الخولى يبدى دهشته من هؤلاء الذين ينتقدون تغيير الأحزاب والأفراد لبعض مواقفها من أنظمة الحكم، ويقول إن الثبات على المبدأ، لا يتناقض مع تغيير الآراء فى سياسات النظم، المتغيرة  بطبيعتها، وأن التغيير هو سنة الطبيعة والحياة، وأن الكائن الوحيد الذى لايتغير ولايغير رأيه أبدًا هو “الحمار”. لكن ذلك يبقى مفهومًا فلسفيًا عميقًا، لم تمنح الحياة الفرصة للخولى ليشهد صدق نظريته مع ثورة الاتصالات  الهائلة، وهى نظرية تختلف بطبيعة الحال عن نماذج الوضاعة والانتهازية المذكورة أعلاه .  

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق