محمود دوير يكتب :السلفيون ومعاركهم الزائفة (1-2)

127

*محمود دوير
فى عام 1988 توقع ” دليب هيرو – كاتب من أصول باكستانية – أن بزوغ مصر كدولة سلفية سيهز العالم على نحو يفوق كثيرا ما حدث لدى تفجير الثورة الإيرانية ” جاء هذا التوقع لهيرو فى كتابه ” الأصولية الإسلامية ” الذى أفرد به مساحة كبيرة لتحليل تيارات الإسلام السياسى فى مصر وعدد من الدول العربية.
واستند “هيرو ” إلى الواقع السياسى والاجتماعى المصرى الذى شهد حينذاك تناميا متزايدا لجماعات الإسلام السياسى وعجز الحكومات عن مواجهتها بشكل جذرى، إضافة إلى تأثر المجتمع بشكل لافت بالأفكار الأصولية لتلك الجماعات.
وتعد جماعة الإخوان هى أكبر تلك التنيظيمات السياسية ذات المرجعية الدينية، ولكن التيار السلفى ظل مؤثرا فى الحالة المصرية بدرجة كبيرة، لكنه تأثير مغاير يعتمد خلال عقود على الابتعاد تماما عن المشاركة السياسية ورفض التحزب، بل يصل الأمر إلى رفض الديمقراطية ذاتها واعتبارها مخالفة للشريعة الإسلامية والتصريح الدائم والمستمر بعدم جواز الخروج عن الحاكم المسلم.
وانشغل التيار السلفى بكل تنويعاته ومدارسه الفكرية والفقهية بالعمل فى مجالات التعليم والتوعية ونشر رؤيتهم للإسلام وسيطروا على كل الزوايا فى قرى مصر ومدنها وعملوا على نشر نموذجهم فى الحياة.
فانتشر الزى التقليدى لهم فى ربوع مصر حيث الجلباب القصير واللحية الطويلة والنقاب بين السيدات فى محاولة للتشبه بالسلف الصالح فى كل شىء ظاهرى وشكلى، فيستخدمون السواك بدلا من معجون الأسنان باعتبار الأخير بدعة ويحرصون على إعلان موقف معاد للأقباط وموقف للمرأة به كثير من التهميش والدونية.
وكانت ثورة 25 يناير نقطة فارقة فى تاريخ الحركة السلفية المصرية التى ظلت دائما بعيدة عن تراشقات السياسة والتحذب لكنها تعبث فى التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
ويخرج رموز الحركة السلفية من جبهم العميق إلى العلن لنرى ماردا ظل متواريا عن الأنظار، وأعلنت الحركة السلفية عن تحفظها الشديد على أحداث الثورة فى بدايتها, بل أنها هاجمت شبابها, ففى أيام الثورة الأولى أصدرت جماعة “أنصار السنة المحمدية “ذات التوجه السلفى بيانا ناشدت فيه الشباب “الرجوع إلى العلماء الربانيين السائرين على منهاج النبوة فى كل المستجدات وافساح السبل للدعاة إلى الله وتفعيل العمل بالشريعة والعودة إلى أعمالهم وترك الميادين”.

ووصف السلفيون الثورة وشبابها بأنها “خطة بشر بل أحبار الماسونية وأنبياء إسرائيل وشيوخ صهيون ” وقال الداعية السلفى ” محمد سعيد رسلان ” عن الثورة “عمل لا يتناسب مع الإسلام بل خروج عليه”.
بينما لحق السلفيون الحركيون إلى ثوار التحرير بعد ثقتهم من قدرة الثوار على إسقاط رأس النظام. وأعلنوا حينها أن المشاركة فى المظاهرات لإسقاط نظام الحكم لا يمثل مخالفة للشريعة على العكس تماما من موقفهم الثابث والمستقر قبل ذلك بأيام قليلة.
كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى 19 مارس 2011 نقطة فارقة فى مسيرة التيار السلفى، حيث كشف بقوة عن رغبة فى التواجد على الساحة السياسية وعدم السماح لجماعة الإخوان بتمثيل الإسلام السياسى منفردة، ورغم الخلافات الدائمة إلا أن “غزوة الصناديق” كما وصفها رموز السلفيين قد جمعت بينهما.
ورغم التوتر الظاهر فى علاقة جماعة الإخوان بالحركة السلفية إلا أنه لا شك فى وجود مشتركات تجمعهما ربما من أهمها وحدة الهدف فى إقامة دولة دينية تكون جزءا من مشروع الخلافة العالمى، إضافة إلى رؤيتهما المشتركه لمفهوم الوطن ورفضهما التام والمعلن للمتعارف عليه بأن مصر وطن لكل المصريين، فهم يؤمنون بما قاله سيد قطب “إن روابط الأيدولوجيا والإيمان أقوى من المشاعر الوطنية الحماسية الزائفة.هذا التمييز الزائف بين المسلمين الذى يتم على أسس إقليمية ليس سوى تعبير عن الحملات النصرانية ضد المشرق”.
خرج المارد السلفى بعد عقود من العزلة .. ليفصح عن وجه عنيف واقصائى وبلا خبرة سياسية ولا رؤية للمجتمع … ونتيجة ضعف الدولة وغياب الأمن رأينا السلفيين يعيثون فى مصر بلا رادع ويصنعون قانونهم مدعين أنه قانون الله وشريعته، فنجدهم يستولون على مساجد تابعة لوزارة الأوقاف ويعتلون منبارها بالقوة ويضيئون المصابيح الخضراء بها وهدم عدد من المساجد بدعوى وجود أضرحة بها بينهم سبعة مساجد فى الإسكندرية وحدها، إضافة للعشرات فى أنحاء مصر.
واتهم بعضهم بقطع أذن مواطن قبطى هو “أيمن ثروت ديمترى” واحراق منزله وسيارته بدعوى تطبيق الحد عليه، كما اتهم بتحطيم بعض تماثيل المتحف المصرى وهدم نسخة من تمثال “سنوسرت الثالث” فى المنصورة وتمثال جمال عبد الناصر فى أسيوط.
لكن الواقعة الأشهر هى قيامهم فى مدينة الإسكندرية أحد أهم معاقلهم بتغطيه تمثال “حوريات البحر “الشهير فى ميدان الراس السودة بإعتباره يثير الغرائز ولا يجب أن يحتل مكانه هذا!!!

ويؤكد المفكر الراحل الدكتور “محمد حافظ دياب ” فى كتابه “نقد الخطاب السلفى ” أننا “نحن أمام طيف سلفى واسع لديه قدر كبير من التنوع داخله، وإن بدت الدعوة السلفية هى القوة المؤثرة وحزب النور هو المعبر عنها سياسيا”.
ويعد حزب النور هو أول حزب سلفى تتم الموافقه عليه جاء بعده عدة أحزاب منها “الأصالة” و” الإصلاح والنهضة” و”البناء والتنمية” و”حزب الفضيلة” و”الإصلاح” وفى برنامج حزب النور أفرد مساحة كبيرة للثقافة والهوية المصرية، مؤكدا “ضرورة أن تنضبط كل مناحى الحياة بضوابط الشريعة” وقد أولى النور أهمية خاصة ومتفردة للهوية الإسلامية باعتبارها المكون الوحيد للشخصية المصرية، متجاهلا عن عمد كل مكونات الهوية المصرية التى تشكل نسقا متكاملا ومتحدا.
حقق التيار السلفى نجاحا غير متوقع فى الحصول على 25% من مقاعد أول برلمان بعد ثورة يناير، وخلال حملته الإنتخابية كشف عن موقف شديد الدونية للمرأة عندما أجبره القانون على الدفع بنساء ضمن القائمة الإنتخابية لجأ الحزب لوضع صورة “ورد” بدلا من صور مرشحاته بدعوى أن وجه المرأة عورة !!!
ويكشف نوابه فى البرلمان عن وجههم الحقيقى من خلال أداء لا علاقة له بقضايا الناس أو بالقواعد البرلمانية، حيث أصر نوابه على العبث بالقسم الدستورى فى بداية الجلسات، ثم قرر أحد أعضائه ” ممدوح إسماعيل”رفع الآذان فى قاعة المجلس مما خلق حالة من الجدل.
أما عن القضايا التى شغلت اهتمامهم تحت القبة وخاضوا معاركهم من أجلها، فكان على رأسها “مكافحة العرى، تحريم المتاجرة فى الخمور، فرض قيود على قطاع السياحة، منع تنظيم الأسرة وغيرها من القضايا المشابهة.
كما رفض نواب السلفيين الوقوف اجلالا للسلام الوطنى تحت القبة كما رفضوا الوقوف دقيقة حداد على روح البابا شنودة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق