قراءة نقدية: “الاختفاء العجيب لرجل مُدهش”..

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

67

رواية أسامة علام
جرعة سحر وخيال في مدينة باردة
حسام المقدم

في حضرة هذه الرواية؛ أنت في مواجهة سيل من الدهشات المتوالية على ذهنك، حيث انطلاق الخيال يمارس ألعابه الحميمة. هنا “مونتريال” المدينة الواقعة في شمال كندا، والمتفردة بانها ضمن مقاطعة وحيدة في القارة الأمريكية كلها يتحدث أهلها الفرنسية. المدينة المراهقة التي تقيم كل عام مهرجانا “من أجل الضحك فقط” بالرغم من عدد منتحريها الكثيرين! الرجل المُدهش هو “فرانسوا ليكو” العامل في مهنة عجيبة: تزيين الموتى! والممثل المتجول في الشارع يقدم عروض الأرنب ذي الذيل المستعار للاطفال. وسنكتشف تقاطع مصير “ليكو” مع باقي الشخصيات العجائبية الاخرى التي تحكي حكاياتها في هذه الرواية المسرودة بتقنية الاصوات. “نينا جانيون” العجوز المهووسة بعشق الاحذية، والمقيمة مع رفيقاتها في بيت العجائز، تقع في الافتتان بحذائه العجيب. “ليكو” الهارب من الموت يظهر ايضا في الحلم ل”شانتال” رفيقة “نينا”. والثالثة هي “ايزابيلا لا تدري سر ما فعله هذا الرجل معها قبل عشرين سنة حين قابلها في الاتوبيس وطلب منها ان تستمع لصوت احلامها، حين ذلك وهي في الخمسين، أحست بشيء دافئ يغزوها فعرفت أن دورتها الشهرية قد عادت ولسنوات قادمة! “نتالي سان بير” الساحرة والمرشدة الروحية لا تنسى “ليكو” الذي ما ان رآها حتى رفّ حاجبه الايسر بحركة افتتان لا ارادية ستلازمه بقية حياته. أما شخصية “أماندا الخضراء” التي وقع “ليكو” في عشق جثتها (وليس هذا بالطبع نكروفيليا بالمعنى المرضي) فهي احدى عجائبه في مهنته. فامام التابوت وحضور الجسد العجيب تندفع الفراشات منتحرة على زجاج النافذة. هذه الشخصية نرحل معها في طفولتها ومراهقتها حين كانت تطير في فناء البيت او تتبعها غيمة. (ربما نتذكر ريميدوس الجميلة في “مائة عام من العزلة”). هناك جثة “موباكو” وولعها بتسجيل اسماء عشاقها على كل جزء من جسدها، وما فعله “ليكو” انتقاما لنفسه حين دهن الجسد كله بالسواد ليمحو كل الاسماء الا اسمه الذي نقشه بالوشم على باطن قدمها، لان هذا هو المكان الوحيد الذي لم يشغله اسم عاشق. هكذا يدخل “ليكو”بسحرية مدهشة داخل كل هذه العوالم الحية والميتة. وتكون النتيجة ان الجميع يخطط لخطفه، بعد ان امتد ليصبح محط أحلام الاطفال في مونتريال ايضا! الرواية بها مزيج رائع من صولات الاحلام، حيث نرى احلام المهاجرين تتسكع وتقتات من القمامة، بل تتحدث الاحلام عن عالمها ونرى ملك الاحلام البائس يشاهد انتحار ابناء مملكته دون ان يقدر على شيء. وبموت الاحلام تهاجر الطيور في غير اوانها لانها تغذت على جثث الاحلام! سنرى الموت يتكلم، والخوف يتكلم، وكل شيء مباح له الكلام في جو سحري تحوطه الهشاشة المتأصلة داخل الشخصيات الباحثة عن معنى في مدينة باردة تقتل أحلامها بيديها.
في الرواية جُرعة سحرية كبيرة ، وخيال مشتعل غامرَ واستوعب عوالم السرد في الف ليلة وليلة وتجارب أمريكا اللاتينية. تبقى الإشارة إلى “أسامه علام”، المصري المقيم في كندا، والذي كتب عن مونتريال مُعبرا عن روحها، مُتخطيا الصورة المألوفة عن عربي يكتب عن الغرب باشتباك ثقافي تصادمي.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق