أمينة النقاش تكتب:.. وهل لديكم تجريدة ؟

97

ضد التيار
.. وهل لديكم تجريدة ؟

أمينة النقاش

الصراعات الحادة التى نشبت داخل الأحزاب بسبب تشكيل القوائم الوطنية لانتخابات مجلسى الشيوخ والنواب، مسئول عنها بشكل رئيسى، بجانب الأحزاب بطبيعة الحال، من يعدون تلك القوائم، ومن يشيرون عليهم، ومن يسمحون بتكرار تجربة حزب أغلبية مصنوعة، كما كان الحال فى تجربة الحزب الوطنى، الذى قاد البلاد من كارثة إلى أخرى، إذ ظل طوال 30 عاما يحوز فى انتخابات المحليات والبرلمان والشورى على أغلبية كاسحة، متنازلا عن بضعة مقاعد لأحزاب المعارضة مخليا الساحة، من كل منافسة حزبية، لكى يمدد تيار الإسلام السياسى وجوده فى كل موقع ومكان، ولكى تمدد جماعة الإخوان أقدامها فى وجه الشعب المصرى، فتحوز للمرة الأولى فى تاريخها على 88 مقعدا فى انتخابات مجلس الشعب 2005، ثم تصعد فى 2012 إلى سدة الرئاسة، لتفرض عليه على مدار عام كامل، أسود من قرن الخروب، الهلاوس والخزعبلات التى كانت تروج لها، مثل القول أن المانجو رخصت بسبب كرامات الرئيس المؤمن القابع فى الاتحادية، وأن الكهرباء تقطع عشان الواد بتاع العشرين جنيه وغير ذلك من الترهات التى أذهلت الشعب المصرى بالمستوى الذهنى والعقلى والثقافى المتواضع لقادة الجماعة فى سدة الحكم!
بأى حق يستولى حزب مستقبل وطن على أغلبية المقاعد فى المجلسين، وهو حزب حديث النشأة، لم يكد يمضى على تأسيسه سوى بضعة أشهر، وتكتظ قوائمه بعدد لا يستهان به، ممن يسمون انفسهم رجال أعمال، لعب بعضهم دورا مرموقا فى التمهيد لثورة 25 يناير بحماقات سياسية غير مسبوقة، حينما تمكنوا من تحويل مجلس الشعب فى عهد الرئيس مبارك، إلى برلمان خاص، يشرع لحماية مصالحهم التجارية فقط، فى مجالات التصدير والاستيراد والاحتكار، وغير ذلك من جرائم الاستيلاء على الأراضى والشواطئ والتوكيلات الأجنبية!
ما الذى ينتظره حزب مستقبل وطن من هذه الألعاب النارية التى يقوم بها، سوى تفتيت الأحزاب القائمة، وزيادة الصراعات فى صفوفها، وتأكيد التوجه الرسمى بتهميش الحياة الحزبية، وعدم الاعتراف أصلا بأن لا ديموقراطية ممكنة دون تعددية حزبية تتسم بقدر من الوجود والتأثير، وحرية الحركة، ويسمح لها بمنافسة حقيقية فى انتخابات حرة ونزيهة. وإذا كانت الأوضاع العامة الاستثنائية التى تمر بها البلاد تفرض بعض القيود والتحكمات، فلماذا تغيب الحكمة عن عمل توازن بين مستقبل وطن وبين الأحزاب الأخرى، للحفاظ عليها، ولمنح هذا التحالف الانتخابى بعض المصداقية، بدلا من إعادة انتاج تجارب أثبت الواقع فشلها وعجزها عن دعم الدولة وفشلها فى إحداث الاستقرار؟!
عن حزب مستقبل وطن أُجيب وأقول له ولمستشاريه، إن ما ينتظرنا جميعا من تلك السياسات التى ترفض التعلم من تجارب الماضى القريب، هو تمهيد أرض خصبة جديدة لنشاط جماعة الإخوان، التى كانت الأحزاب المدنية، وفى القلب منها حزب التجمع، هى حائط الصد الوحيد أمامها.
أما الغاضبون داخل أحزابهم مما يسمونه التمثيل الهزيل لها داخل القوائم الوطنية، فعليهم التوقف قليلا بعد أن يعقلوا غضبهم، لكى يدركوا أنه غضب فى غير محله، وأنهم جميعا مسئولون عما آلت إليه أوضاع الأحزاب من ضعف، لأن المعارك الانتخابية هى جزء من نشاط أى حزب، وليست كل نشاطه، وأن جهودا كافية لم تبذل لتدريب الكوادر وتثقيفها وتأهليها للقيادة فى كل موقع، ولتقوية أواصر الوحدة الفكرية والتنظيمية بين أعضائه، وإلا ما وصلنا إلى هنا مما أغضبكم . فبالله عليكم ما هى القوة التى تمتلكها تلك الأحزاب لتفرض الشروط التى تريدها على حزب مستقبل وطن، أو حتى لترفض تلك الشروط القاسية الموضوعة سلفا للمختارين من بين صفوفها فى تلك القوائم، لكى تظل خارج المشهدين السياسى والنيابى على مدار خمس سنوات. ولماذا لم تنسق الأحزاب المتقاربة فى التوجهات، للتفاوض المشترك مع القائمين على حزب مستقبل وطن؟ ولماذا قبلت من البداية المشاركة فى ذلك التحالف؟
تروى لنا وقائع التاريخ، التى تتعلم الأمم من تجاربها الفاشلة قبل الناجحة، أنه فى أثناء ثورة 1919 وبعدها تشكل حزب الوفد من جناحين، أحدهما متشدد يدعو إلى استمرار العنف الثورى للجماهير الشعبية للمفاوضة مع الملك فؤاد حول نصوص الدستور، وللضغط على بريطانيا لتحقيق شعار الثورة «الاستقلال التام أو الموت الزؤام،أى السريع ». وأما التيار الآخر المعتدل. فكان يرى مواصلة التفاوض مع بريطانيا، لتحقيق الاستقلال التام، مع المحافظة على مصالح انجلترا ومصالح الأجانب فى مصر، وبواسطة كل سبل التفاوض السلمية المشروعة. ومع ميله لتيار الاعتدال، نجح زعيم الثورة سعد زغلول، الحقوقى البارع، فى أن يوفق بين التيارين. وحين اختلف مع الملك فؤاد حول تفسير بعض بنود الدستور، ذهب إلى قصر عابدين لمقابلة الملك، الذى كان يجزع من الشعار الذى أطلقه سعد: الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة، لأنه كان يرى نفسه فوق الاثنين معًا .
وحين رفض الملك مقترحات سعد، تقدم له باستقالته، بينما الحشود الجماهيرية تحيط بالقصر وتهتف: سعد أو الثورة، وتحت ضغطها، استجاب الملك للمطالب. وخرج سعد ليعلن أنه استقال من الإستقالة،وحين واصل التفاوض مع الاحتلال بالمكاتبات والمشاركة فى المؤتمرات والمراسلات لإعلان استقلال مصر اتهمه المتشددون، الذين لم يكونوا من دعاة الثورة أوالكفاح المسلح ضد الانجليز، بل فقط برفع اللهجة الدعائية المنددة بهم، اتهمه هؤلاء بالتهاون والتنازل للمحتل. فرد سعد على من يدفعونه للتشدد قائلا: هل لديكم تجريدة. بمعنى أنهم لا يملكون قوة عسكرية لتنفيذ ما يطالبون به، الذى هو جعجعة بلا طحن!
وإلى كل الغاضبين فى الأحزاب، ويدعون للكفاح المسلح لهدمها، إعقلوا غضبكم، فليس لديكم تجريدة !

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق