47 عامًا على العبور العظيم…ذكريات أبطال من حرب أكتوبر

حمدي الكنيسي: حرب أكتوبر يوم أسود على إسرائيل

142

اللواء معتز الشرقاوي: الجندي البسيط البطل الحقيقي في معركة النصر
طلال شكر: كان هدفنا قهر العدو واسترجاع الأرض
يوسف القعيد: كنا بنصوم حتى المغرب.. والمسيحيون كانوا صائمين أيضًا
نادر عناني: الحرب وحدت بين المصريين

تحقيق: نجوى ابراهيم

فدائى فدائى.. فدائى فدائى
أصل العروبة فدائى
أموت أعيش ما يهمنيش وكفاية أشوف علم العروبة باقى..
بهذه الكلمات التى تحرك المشاعر وتغنى بها العندليب “عبد الحليم حافظ” خاض الجيش المصرى حرب أكتوب المجيدة..
الصمت يلف المكان.. الساعة تقارب الثانية ظهرا.. وعلى غير انتظار يخرج المارد المصرى من قمقمه.. محطما كل القيود ومتفوقا على كل التوقعات.. انطلقت نسور الجو.. تعبر القناة, وتصاحبها طلقات المدفعية.. تدك حصون العدو وقلاعه, وشرع الجنود البواسل ينشئون جسور العبور, وانطلقت صياحاتهم قوية: الله أكبر.. الله أكبر, تبارك المسيرة وتزلزل الارض تحت اقدام العدو الذى فر جنوده هاربين امام الزحف المقدس.. انه يوم السادس من اكتوبرعام 1973.. اليوم الذى خاض فيه الجيش المصرى هذه الحرب المجيدة وحقق الانتصار العظيم ضد اسرائيل التى احتلت أرض سيناء 6 اعوام منذ النكسة فى يونيو1967.
وفى العيد السابع والاربعين لملحمة النصر، نتذكر ابطال الحرب الاصليين من ضحى بدمائه وفقد روحه أو من فقد أجزاء من جسده فى سبيل استرجاع جزء من تراب الوطن واستعادة كرامة مصر, ومنهم من يعيش بيننا الآن.
وفيما يلى نستمع لذكريات عدد من ابطال اكتوبر البواسل..
الاعلامى الكبير حمدى الكنيسى”صاحب اشهر برنامج إذاعى عسكرى من قلب الحرب” صوت المعركة” الذى كان يزلزل صدور الاعداء ويحمس الجنود المصريين على الاصرار والنصر يقول “صوت المعركة” كان سلاحى فى حرب أكتوبر, فقد بدأت عملى كمراسل حربى بعد النكسة فى 67, لان كان احساسى بالنكسة مضاعف, وأول ما بدأت حرب الاستنزاف كنت اذهب على الجبهة واقوم بالتسجيل, واتذكر ايام تنحى عبد الناصر وانا شاهد على ذلك الشعب باكمله خرج, وجاء المواطنون من المدن والنجوع والكفور البعيدة لتأييد الرئيس “عبد الناصر”, وانا كأحد ابناء الشعب رأيت أن دورى ان اكون على الجبهة, وفى حرب أكتوبر بدأت برنامجى “صوت المعركة” ونقلت كيف كانت تستغيث رئيسة وزراء اسرائيل “جولدا مائير” بأمريكا, “وكانت تقول صراحة “احنا بنموت” نحن نحتاج دعما وجسرا جويا, ونقلت طيارين معهم جنسية أمريكية اسرائيلية وقعوا بالبراشوت وتم اسرهم, وبينا كيف حدث انهيار كامل لاسرائيل ولولا الجسر الجوى لكانت الهزيمة الساحقة لاسرائيل, البرنامج نجح لدرجة ان لجنة ”جرانيت” التى شكلتها الحكومة الاسرائيلية لبحث أسباب الهزيمة كان من لجانها الفرعية بحث أسباب انتشار البرنامج المصري المعادى
“صوت المعركة ” بين الإسرائيليين الذين يجيدون اللغة العربية, وبين الفلسطنيين.
واضاف الكنيسى، أن الكثيرين منا لا يعرفون اهمية التوقيت الذى قامت فيه حرب اكتوبر انها جاءت فى توقيت بالغ الاهمية ليس فقط بسبب التخطيط العسكري المصرى الخطير والتنفيذ المبهر، ولكن لأنها اندلعت قبل أيام قليلة من تنفيذ إسرائيل خطة تحمل اسم “الحزام الأسود” وهى الخطة التى وضعها وزير دفاعها موشيه ديان فى أوائل عام 1973, وكانت تشمل ضم جنوب لبنان كله الى اسرائيل، وضم أجزاء من سوريا، وإقامة خط يشبه خط بارليف فى غور الأردن، وتحويل سيناء الى مركز تجارب للمفاعلات النووية الإسرائيلية, وبهذا الحزام العسكري، يتحقق الأمن الكامل والشامل لإسرائيل، وتضمنت الخطة توجية ضربات للدفاع الجوي المصرى وجميع المطارات المصرية، حتى لا تفكر مصر فى التدخل إذا استنجدت بها لبنان أو سوريا، وكان مخططا للحزام الأسود ان يتم تنفيذه فى 22 : 25 اكتوبر بعد الانتهاء من عيد الغفران, وجرى التبكير بموعد تنفيذ الخطة الجهنمية الإسرائيلية يوم 8 اكتوبر، ولكن حربنا المجيدة فى 6 أكتوبر أنقذت لبنان وسوريا والأردن وسيناء، وبدلا من تنفيذ الحزام الإسود الإسرائيلى، كانت حرب اكتوبر يوما أسود فى تاريخ اسرائيل.
وتابع: رصدت فى كتابى”كلام من لهب” بطولات كثيرة تؤكد فكرة خلود الشعب المصرى وحبه للحياة الكريمة والحرية.
واللواء “معتز الشرقاوى” أحد المشاركين فى حرب اكتوبر اكد ان اهم الدروس المستفادة من حرب اكتوبر هى أن الجندى البسيط هو البطل الحقيقى فى معركة النصر ,لافتا الى ان ابطال اكتوبر لديهم الكثير والكثير من القصص والروايات التى يجب توثيقها لانها الحقيقة فهم الذين عاشوا هذه الاحداث, وتذكر بطولة المساعد أول بحرس الحدود ابان حرب اكتوبر “أحمد محمد ادريس” لافتا الى انه صاحب اقتراح تغير شفرة التواصل بين أفراد الجيش الى لغة نوبية لا يفهمها العدو الاسرائيلى.
وقال اللواء “عادل مسعود”، أحد ابطال حرب أكتوبر: إن الجيش كله كان يصر على النصر , وتذكر احد الجنود الذى فقد قدمه اثناء احدى الاشتباكات وكان يبكى عندما تم نقله الى المشتشفى بالاسماعلية, اخر اخذ طلقة فى بطنه وبعد استخراج الرصاصة اصر على العودة للكتيبة ليقاتل مع اصدقائه, وقال: إننا كنا نطلق على الاعلامى حمدى الكنيسى وقت الحرب المقاتل لانه كان يقاتل العدو مثلنا, وكان سلاحه هو صوته , فكان برنامجه “صوت المعركة” يزلزل صدور الاعداء ويحمسنا على الاصرار والنصر.
اما “صلاح الانصارى” كان ضمن سلاح الصاعقة فى منطقة البحر الاحمر, فيتذكر وقت الحرب قائلا: كان هدفنا الوحيد هو أن نحارب وننتصر, ورغم معاناة الحرب كنا نجلس ونضحك ونهزر ونلعب ونغنى فى جو ملئ بالفكاهة والدعابة, وكان الامل موجودا ولدينا اصرار على العبور والانتصار, ومن المواقف التى لا ينساها “صلاح الانصارى” قال: انا شاركت فى معركة شدوان يناير 1970 وقتها هاجم الاسرئيليون جزيرة شدوان وشهدت الجزيرة ملحمة شعبية تقاسم فيها ابناء محافظة البحر الاحمر مع جنود القوات المسلحة الصمود امام قوات الاحتلال وكنت ضمن مجموعة الصاعقة البحرية لحراسة الفنار الذى يقع جنوب الجزيرة واستمر القتال بين قوات الاحتلال وافراد الصاعقة ورفضنا الاستسلام وقاتلنا بشجاعة وتم انسحاب القوات الاسرائيلية فى اليوم الثانى من الجزيرة وكان الفريق”سعد الدين الشاذلى”قائد القوات المسلحة فى قطاع البحر الاحمر ووضع لنا خطة المقاومة ووقتها اصدر كتيب بعنوان اعرف عدوك وكان قائدا ميدانيا مثل باقى الجنود .
واتذكر ايضا أنه وقت الحرب لم يكن هناك فرق بين القيادات وباقى الجنود كنا اسرة واحدة نأكل ونشرب معا ولم تظهر فكرة الرتب العسكرية إلا فى اوامر القتال فحسب.
ويقول “طلال شكر” نقيب فصيلة الاستطلاع فى الجيش الثانى اثناء الحرب: بعد النكسة التحقت بالجبهة الشعبية, وذهبنا مع مجموعة من زملائنا للتدريب على ضرب النار ,وفى عام 1968تم تجنيدى وكنت فى احد تشكيلات الجيش على الجبهة وكان وقتها يتم تدريبنا على مشروع فض هجوم العدو والمدهش أن إدارة الجيش وقتها كان لديها وعى كامل بأن اسرائيل ستحاول الاعتداء على الضفة الغربية, وكان الهدف من تدريبنا هو التصدى لقوات العدو وتدميرها .
واضاف شكر: انه فى يوم 6 اكتوبر خاض سلاح المشاة والمدفعية والطيران معركة مشتركة فى ادوار متكاملة فكانت معركة الاسلحة المشتركة ,وظهرت فيما بعد براعة الجيش المصرى , وصدرت الاوامر لفرقتنا ليلا يوم 12 اكتوبر للتقدم و عبور القناة ,وكان معنا اللواء ابراهيم العرابى قائد الفرقة, ورأينا الامدادات العسكرية الامريكية التى يتم امداد اسرائيل بها, ولم انس ابدا الدبابات الخضراء الامريكية والصواريخ الحديثة التى رأيناها تنزل العريش مباشرة وقمنا بأسر العديد منها واخذناها الى مركز القيادة الرئيسى.
وأكد “شكر” ان وقتها كانت الروح المعنوية للجنود مرتفعة جدا.. هدفنا الوحيد هو استرجاع أرضنا وقهر العدو, ولم نشعر بالخوف, وبعد العبور شعرنا أن بلدنا رجعت تانى, وكان الجندى المسلم يساند المسيحى الكل مشاعره واحده وهدفه واحد.. ورأينا على الجبهة كل التخصصات خاصة بعد الامر الرئيس “الراحل جبال عبد الناصر” بتجنيد المؤهلات العليا, وامر وقتها بصرف نصف مرتبات هؤلاء المجندين حتى لا تضار اسرهم , ورغم هذا التجنيد الالزامى, والذى استمر لاكثر من 5 سنوات إلا أن الكل كان مقبلا على التدريب, وتم تدريبنا على اعلى مستوى واستطعنا الانتصار على الجيش الذى لا يقهر, وانتصرنا رغم ترسانة الاسلحة وخط بارليف, وكان ذلك بفضل ارادة الشعب الذى كان يصر على الحرب وعلى الانتصار, واحتضن الجيش فى ذلك الوقت , فهناك من تبرع بمرتبه كاملا من اجل المعركة والمصانع الحربية وكانت تعمل بكامل طاقتها .. فالبطل الحقيقى لحرب اكتوبر هو المواطن المصرى الذى لم يبخل على وطنه بأى شىء.
من منا لا يتذكر فيلم “المواطن مصرى” للكاتب يوسف القعيد الذى جسد من هو البطل الحقيقى لحرب اكتوبر وأظهر أيضا معنى الصداقة بين رفقاء السلاح خاصة فى الجيش.. هذه المعانى اوضحها لنا “ابراهيم منصور” 67 سنة على المعاش – يقول حضرت 73 ومكثت فى الجيش 5 سنوات كنت مجندا فى الجيش الاول وكانت مهمتى انا ومجموعة من زملائى مد الخطوط الاولية للجيش بقطع الغيار الخاصة بالتسلح.. وافتكر قبل ايام من 6 اكتوبر رفضوا ننزل إجازة وقالوا جاءت الاوامر بشد الطوارئ وعرفنا اننا هنحارب وكنا فى رمضان كلنا بنصوم حتى المغرب حتى الجنود المسيحيون يصومون معنا ونفطر كلنا ساعة أذان المغرب . ويقول إن البطل الحقيقى فى هذه الحرب هو المواطن البسيط الذى تم تجنيده وقام بتنفيذ الاوامر التى تم التخطيط لها من قبل القيادات ,وكنا على اتم استعداد للموت فداء للبلد واسترداد الارض
وتابع: أفتكر عاشر يوم الحرب عندما تقدمت اسرائيل وضربت وحدة بأكملها فى السويس وكان مطلوب منى انا وعدد من الزملاء توصيل عربية قطع غيار تسليح لسيناء وتمكنا من الذهاب بالعربية بمساعدة الشرطة العسكرية .
أما المهندس” نادر عنانى” فكان ضابطا احتياطيا برتبة ملازم أول فى الجيش الثانى قال: صدرت لى الاوامر بعبور القناة فى اليوم الثامن من اكتوبر حتى التحقت بقوات اقتحام نقطة عيون موسى “نافرون” وكانت آخر نقطة فى خط بارليف جنوبا , وضعت اسرائيل فيها مدافع ضخمة كن نطلق عليها مدافع أبو جاموس لصوتها المرعب.
ودارت معركة ضخمة حتى قمنا بتحطيم أهم مدفعين , وكان دورى التعامل مع اسلحة وذخيرة والغام العدو التى لم تنفجر واعادتها للضرب بها , واتذكر اننى واصدقائى قمنا بوضع رمال سيناء فى جيوبنا, واستطعنا دخول نقطة عيون موسى ذلك الحصن الحصين.
وينهى حديثه مؤكدا لن أنسى روح التعاون بينى وبين أفراد الكتيبة بغض النظر عن الديانة مشيرا الى أن قائد الجيش كان العقيد وهبة هو صديقه الضابط أسعد كنا ناكل معا ونعيش معا, ولم يكن أحد منا يفكر هذا مسلم وهذا مسيحى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق