قصة قصيرة ..عطوة أعطاني وردة

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

121

حنان طنطاوي

بشرني الجميع قبل حصولي على درجة الدكتوراة، بأني سأعرف طعم الراحة بعدها، لكني لا أشعر سوى ببدء التحدي والمواجهة؛ اختفت (الشمّاعة) التي علقت عليها تسويف طموحي وشغفي لسنوات، وبدأَت مشاريعي في الكتابة والعمل التطوعي وكل ما حلمت به منذ زمن، تتمرد، وتطل عليّ من خلف أبواب الدواليب التي أدمنت غلقها على ما أتمناه.. حتى حين.

لا أدري لماذا يطلقون عليها في كلية صيدلة “دكتوراه الفلسفة”؟! كلمة الفلسفة –حسب معلوماتي- هي كلمة مشتقة من اليونانية، ومعناها “حب الحكمة”، وأرى أني قضيت أكثر من عشر سنوات من عمري في رسالتي الماجستير والدكتوراه، أستجدي فيهن الحب، ولا زلت أبحث عن الحكمة!
خطر على بالي ما قرأته للكاتب “أحمد خالد توفيق” عن الفلسفة والفلاسفة: (هناك أشياء مهمة في الفلسفة بالطبع، لكن هناك أشياء لا تطاق ولا يمكن احتمالها، لو قارنت في ميزان البشرية بائع الفول الواقف على باب شارعنا بـ(نيتشه) لرجحت كفة بائع الفول على الفور. إنه رجل سعيد مفيد لنفسه و الآخرين).
رغم اختلافي مع فكرته، لكن منطقها وجيه، فربما كان بائع الفول أوحارس البيت مثلا، أكثر هدوءا من “نيتشة”، ذلك أنهما بذلا ما في وسعهما، وفق ما أتيح لهما من مساحات لم تتعد غرفة ضيقة تحت (بير السلم) أو عربة من الخشب والعجل، لكن المشكلة تبدأ، عندما تضع الحياة أحدا ما في مهب الخيارات والأسئلة، يكون حينها عدم البذل والتقصّي تقاعصا، وفي المقابل يكون البحث والتفكير ألما دائما.
كنت في صالون الشعر للسيدات -أحذو حذو كل امرأة تهرب بين أقنعة الوجه، وحمامات البخار؛ من الإفراط في التفكير ومن الصداع والواجبات- أتابع اختيار إحدى الفتيات للون الذي ستصبغ به شعرها، أشارت إلى صورة فتاة أخرى تتصدرغلاف إحدى المجلات القديمة، تريد أن يكون لون شعرها بنفس هذه الدرجة، لم أتبين اسم المجلة، لكني عرفت الفتاة بمجرد أن لمحت كوفيتها الفلسطينية، إنها “راشيل كوري”؛ المناضلة الأمريكية التي تضامنت مع القضية الفلسطينية، وسافرَت إلى غزة تاركة بيتها وبلدها وقارتها، لتدافع عن بيوت فلسطينية تدهسها كل يوم عربات ثقيلة مغتصبة، وقَفَت في مرة منهم ببسالة أمام الجرافة، تظن أن صمودها ومناشدتها، كفيلان بإيقاذ ضمير السائق، وربما راهنت أيضا على شعرها الأشقر –الذي يثبت أنها أجنبية- كي يردعه، لكنها صححت رهانتها، بينما تربت الأرض على عظامها وهي تتكسّر؛ تحت العجلات السوداء.
يوما ما ستتحلل عظام الجميع، قليلون هم من ستبقى وجوههم، وأجسادهم مثل “كوري” قائمة، صلبة، محفورة على جدران البيوت التي استشهدت وهي تدافع عنها، قرأت قصتها بالتفصيل في رواية “راشيل كوري حمامة أولمبيا” للكاتب والشاعر الفلسطيني “هارون هاشم رشيد”، أشعرتني القصة بابتذال يومياتي، وانتفاء قيمتها، لكني لازلت أحاول، وسأظل، ولن أملّ من إيجاد قيمة لما أقوم به يوما ما.
نويت –أملا في تطوير كتابتي- البدء في تدوين مقالات عن بعض الكتب التي قرأتها، وفكرت في كتابة مناظرة بين كتاب “تعليم المقهورين” للمفكر البرازيلي “باولو فيريري” ، وكتاب ” سيكولوجية الجماهير” للمؤرخ الفرنسي “غوستاف لوبون”.
تأخرت في الذهاب للعمل، فقررت أن أستقل المترو لأختصر بعض الوقت، لكن مفاجأتي بسعر التذكرة التي تضاعفت عن آخر مرة ركبته فيها، جعلت البحث عن (فكّة) تحديا جديدا يعطلني عن موعدي، حالفني الحظ بالجلوس، لأظلل بعض السطور في كتاب “سيكلوجية الجماهير” منها مثلا:
(إن الزمن هو الذي يطبخ آراء وعقائد الجماهير على ناره البطيئه, بمعنى أنه يهيْ الأرضية التي ستنشأ عليها وتبرعم. نستنتج من ذلك أن بعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فتره أخرى. فالزمن يراكم البقايا العديدة جداً للعقائد والأفكار, و على أساسها تولد أفكار عصر ما).
شتت انتباهي أثناء القراءة، حوار جانبي، بين سيدتين بجواري، تنصح فيه إحداهن الأخرى؛ بأن عليها التوجه لمبنى المحافظة، للتأكد من دفع قيمة المصالحة القانونية؛ في حال كان بيتها مخالفا، وذلك كي لا تتم إزالته، فأخذت الثانية تسألها وهي متوترة، عن الإجراءات، وكيف تعرف إذا كانت اشترت شقتها في عمارة مخالفة أو لا؟!.. امتد الحوار لتفاصيل لم أرد الاستماع لها، كنت معنية أكثر بما أظلله في مطلع كتاب “تعليم المقهورين”:

(التعليم الحواري ليس هو ذلك الجدل العقيم الذي يمارسه قادتنا، وإنما هو ضرب من الوعي بالواقع الإنساني، فالإنسان عندما يتبين واقعه يدخل في علاقة حوارية مع نفسه وزملائه والعالم الذي يعيش فيه، هذه العلاقة الحوارية هي التي تخدم الوعي وهي التي تؤدي إلى الحرية، وبالتالي إلى تغيير العالم).

نزلت في المحطة أهرول إلى عملي، فأوقفني رجل في شارع عمودي على شارع التحرير، يمد لي يده، ويقول:
(خدي مني دي يا بنتي…)

كانت وردة حمراء متفتحة، كتفتح ابتسامته ونظرته الودودة، أربكني هذا الرجل الخمسيني الوسيم الذي يلقبني بابنته، ويهديني وردة زاهية كهندامه المنمق، استغرقت ثوان حتى أدركت أنه يبيع الوردات اللاتي رصهن في صندوقه الخشبي المفتوح، كان يضعه على الكرسي الخلفي لدراجته، نظرة واحدة عليه كفيلة بأن تفتح في القلب سبلا للعبق والبهجة وللشجن أيضا، اشتريت وردته التي أحببتها رغم شوكها الذي كاد يدمي أناملي.
حفزتني ابتسامته، وقيادته لعجلته بدأب هو يمد يده بالورد للعابرين، كي ألحق به –رغم تأخري- وأسأله عن اسمه، أجابني: (عطوة)، فاستأذنته بعد أن صوّرته أن أكتب عنه.. وكان عنوان مقالتي: “عطوة أعطاني وردة”.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق