قيرجيزستان ثورة ملونة ثالثة أم محاولة انقلاب فاشلة؟

123

كيف بدأت الأحداث فى قيرجيزستان؟ فى الرابع من أكتوبر الجارى أجريت انتخابات برلمانية، ووفق النتائج الأولية التى أعلنت حينها، فازت فيها أحزاب مقربة من أسرة الرئيس القيرجيزى سوورنبايا جينبيكوف ومن عدد من كبار موظفى الدولة. بناء على ذلك قام أنصار المعارضة بالخروج إلى الشوارع يوم 5 أكتوبر الجارى، غير أن قوات الأمن تعاملت معهم بالعنف وقامت بتفريقهم، غير أن المتظاهرين استولوا على عدد من المبانى الإدارية التابعة للحكومة مثل البرلمان وغيره، نتيجة ذلك أن قامت اللجنة المركزية للانتخابات بإلغاء نتائج الانتخابات وقدم رئيس الوزراء كوباتبيك بورونوف استقالته بينما بقى الرئيس فى منصبه، ولكنه اختفى عن الأنظار وظل يصدر القرارات ولا أحد يعرف مكانه.
قيرجيزستان دولة منقسمة إلى قسمين رئيسيين، الشمال والجنوب، ودائما ما يحدث صراع بينهما، رغم أنه فى السلطة يوجد ممثلون من الشمال والجنوب رغم أنهم لا يحبون الحديث عن هذا، الرئيس الحالى سوورنبايا جينبيكوف هو ممثل للجنوب، ويحكم البلاد منذ ثلاث سنوات. وقيرجيزستان هى أفقر دول وسط آسيا من ناحية الموارد، كما أنها تجد صعوبة فى أن تحصل على استثمارات خارجية بسبب عدم الاستقرار، وعدم قدرتها على سداد ديونها، أثناء حرب الولايات المتحدة فى أفغانستان استأجرت قاعدة فى قيرجيزستان، وأعتقد أن روسيا لها قاعدة عسكرية هناك، الدولة حالياً تعيش ظروف اقتصادية صعبة خاصة بعد انتشار وباء كورونا، وتعتمد على بعض الخامات التى تقوم باستخراجها واستغلالها بعض الشركات الروسية والصينية، كما تعتمد على تحويلات المواطنين العاملين فى روسيا.
أما لماذا أدت نتائج الانتخابات البرلمانية الأولية أثناء حكم الرئيس جينبيكوف إلى الفوضى والاحتجاجات. فالرئيس من السياسيين المتزنين وتصور أنه بإعلانه أنه على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية، سيؤمن عملية انتخابية نزيهة، وفرز أصوات نزيهة، لكنه لم يأخذ فى اعتباره أن الشعب لن يستطيع تصديق عدم انحياز الرئيس لحزب شقيقه الأصغر أسيلبيك جينبيكوف، وتبين أن حزب شقيق الرئيس استغل الإمكانات الحكومية أثناء الدعاية الانتخابية رغم الانفصال الشكلى عن الرئيس.
على رأس حزب آخر من الأحزاب الفائزة كان رئيس مصلحة الجمارك السابق، وهو من كبار الفسدة، فليس سراً أنه كون ثروته الضخمة من الفساد على حدود البلاد، لم يحاكمه أحد بل أعطى فرصة لتأسيس حزب. واستطاع شراء مئات الآلاف من الأصوات ومن ثم استطاع تخطى حاجز 7% اللازمة لدخول البرلمان. هذان الحزبان حصلا على أكبر عدد من أصوات إذا حدث وتم الاعتراف بنتيجة الانتخابات، ولكانت الأغلبية فى البرلمان لصالج الجنوبيين، وهذا بالطبع لم يكن إلا أن يثير غضب بقية الأحزاب والشماليين الذين دعوا أنصارهم إلى الشوارع.
لا يمكن اعتبار ما حدث بأنه ثورة من الثورات الملونة، كل ما حدث هو اضطرابات ـ كما يقول الخبير بشئون وسط آسيا أركادى دوبنوف ـ فشلت السلطات فى السيطرة عليها، ورغم أن كثيرين يقارن ما حدث فى العاصمة القيرجيزية بما حدث فى بيلاروسيا بعد الانتخابات الرئاسية، غير أن المقارنة هنا غير جائرة فقيرجيزسان ليست بيلاروسيا فالشعبان مختلفان تماماً، فالشعب القيرجيزى أكثر حرارة من الشعب البيلاروسى الأوروبى والأمور يأخذها الرجال على عاتقهم على عكس بيلاروسيا حيث المتظاهرين معظمهم من النساء والفتيات، كما أن الاحتجاجات فى بيلاروسيا سلمية فى معظمها على عكس قيرجيزستان.
على أى حال الرئيس من مخبئه أعلن أنه سيتقدم باستقالته بعد أن يعيد البلاد إلى الطريق القانونى، وأعلن حالة الطوارئ فى العاصمة بيشكيك، وأنزل الجيش لضبط الأمن ورغم اللغط الشديد حول شخصية رئيس الوزراء الجديد إلا أن عقد اجتماع لنواب البرلمان، حيث اجتمع 62 من نواب البرلمان من أصل 120 نائبا واختاروا صدر جباروف رئيساً للوزراء، وذلك بعد أن عين الرئيس السابق المازبيك أتومابايف، والذى كان معتقلاً فى قضايا فساد وأخرجه المتظاهرون بأن عين الملياردير أوموربيك بابانوف رئيساً للوزراء وتبين عدم صحة ذلك بل تم القبض على الرئيس السابق أتومابايف وأعادوه إلى السجن، كما تم القبض على القائم بأعمال وزير الداخلية باعتباره أحد المحرضين على التظاهر والفوضى.
رئيس الوزراء القيرجيزى الجديد فى أول تصريح له بأن روسيا ستبقى الشريك الاستراتيجى الرئيس لبلاده، مشيراً إلى أن علاقات روسيا وقيرجيزستان تتطور عبر سنين كثيرة، ولعل أهم ما صرح به رئيس الوزراء القيرجيزستانى الجديد هو قوله بأن الرئيس جينبيكوف على استعداد للتقدم باستقالته بعد إقرار أعضاء وبرنامج الحكومة الجديدة، غير أن هناك من اعترض على تعيين جباروف رئيساً للحكومة، مشككين فى نتائج التصويت والنصاب القانونى فى البرلمان وأعلنوا من جانبهم تعيين المازبيك باتيركوف رئيساً للحكومة المؤقتة ما يشير إلى أن الأزمة لم تنته بعد.
فى كل الأحوال بعد نزول القوات المسلحة للشارع عاد الهدوء للشارع القيرجيزى بعد أن وضع الشعب يده على قلبه منتظراً الأسوأ، وأعلن رئيس الوزراء جباروف عن أن الانتخابات البرلمانية ستجرى خلال شهر ديسمبر المقبل. تجدر الإشارة إلى أن البرلمان فى النظام السياسى القيرجيزى يتمتع بسلطات تفوق سلطات رئيس الدولة فهو الذى يعين ويقيل رئيس الحكومة، وربما هذا هو سبب الصراع الشديد على مقاعد البرلمان. الطريف أن هذا هو الرئيس الخامس لقيرجيزستان، فقد أطاحت ثورة ملونة بأول رئيس أسكار أكايف وهو عالم بصريات وأكاديمى، ويعيش الآن فى روسيا، والرئيس الثانى الذى جاء بعد الثورة مورمانبيك باكيف، جرت الإطاحة به فى أعمال شغب، وهو يعيش الآن فى بيلاروسيا، تلته روزا أوتونابايفا ولم تستمر فى الحكم سوى عام ونصف، ثم الرئيس المازبيك أتومبايف وهو الآن يقضى عقوبة السجن وقضى فى الحكم من 2011 ـ 2017، ثم الرئيس الحالى جينبيكوف وأعلن أنه سيستقيل. وتعتبر قيرجيزستان أقل دول وسط آسيا استقراراً، فقد تعاقب عليها خمسة رؤساء، بينما بقية دول نفس المنطقة لم يتغير فيها الرؤساء سوى مرة واحدة، وبعضهم باق فى الحكم منذ الاستقلال حتى الآن مثل رئيس طاجيكستان إمام على رحمون الذى خاض الانتخابات الرئاسية للمرة الخامسة يوم الأحد الماضى 11 اكتوبر 2020.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق