فريدة النقاش تكتب:الإشتراكية مجددًا ..

140

قضية للمناقشة

الإشتراكية مجددًا ..

فريدة النقاش

تابعت على مدى شهور، ربما منذ اكتشاف وانتشار وباء كورونا المفردات التي استخدمتها السلطات ووسائل الإعلام في تحديد الفقر المدقع، مواقعه وقواه، ووقفت في هذا الصدد على تعبيرات القرى الأكثر فقرا، الفئات الأشد احتياجا، سكان العشوائيات المهمشون والفئات الأولى بالرعاية …. ألخ، وأفزعني أن عدد القرى تجاوز الألف، أما البشر فهم بالملايين . وتساءلت ـ بحزن ـ و لا أظن أنها أسئلتي أنا وحدي ماذا كنا نفعل إذن ؟! على الأقل منذ اندلاع ثورة يوليو 1952 وأين ياترى ذهب حصاد الخطط الخمسية والعشرية، وبرامج القضاء على الفقر والأمية، إذا كنا ونحن سوف نحتفل بعد ثلاثة عقود فقط، بمرور مائة عام على ثورة يوليو نواجه مثل هذه الأوضاع، فهل يا ترى سوف تظل الأجيال التي ستحتفل بهذه المناسبة تسأل نفس الأسئلة ؟ وتظل أيضاً تشاهد طوابير مرضى بؤساء أمام المستشفيات ؟ .

وهل يا ترى ستظل برامج المواجهة كما هي الآن، تدور في فلك الأعمال الخيرية وجرعات الإنقاذ العاجل في انتظار أن يقوم المحسنون من أصحاب المليارات بالمشاركة الجادة في مثل هذه البرامج .

ويؤلمني حقاً أنني كنت قبل ثلاثين عاما قد رصدت على صفحات هذه الجريدة المقاتلة صوراً مشابهة : الفقر المدقع وقلة الحيلة وشح الموارد التي يتوفر عليها المواطنون، والذين كانوا حينذاك أيضاً بالملايين، وتقدم أصحاب المليارات للمساهمة في الأعمال الخيرية وغالبا عبر الجوامع والكنائس كما يحدث الآن .

ولا ينكر  إلا جاحد حجم الجهود المبذولة لإخراج البلاد من الفقر المدقع، مع ملاحظة أن الرئيس “عبد القتاح السيسي” عبر بصدق وفي أكثر من مناسبة عن استيائه من جهامة المنظرر في الأحياء العشوائية أو شديدة الفقر مؤكداً أنه “لا يجوز أن نترك الناس ليعيشوا في هذه البيئة وبهذه الطريقة” .

وبقى ترتيب الأولويات في المشروعات الحكومية مع ذلك كما هو يدور في إطار العمل الخيري رغم كل الجهود الشريفة والنوايا الحسنة، ورغم نفور الرئيس من الأوضاع التي يعيش فيها الفقراء .

ويكتسب وصف الأعمال التي تجرى على قدم وساق في مواجهة الفقر بالعمل الخيري مشروعيته من حقيقة أن المفهوم العام الذي تنطلق منه وتدور في إطاره هذه الأعمال كلها هو التخفيف من حدة الفقر وليس استئصاله تماما، ومثل هذا الاستئصال لا يتم إلا عبر رؤية متكاملة ومختلفة تماماً عن كل ما يتم رغم أهميته وجدواه، وأقول رؤية متكاملة ومختلفة لأن ما يجرى إنجازه الآن، ولأنه لا يتعامل مع جذور المسائل، ويعالج العرض لا المرض سوف يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر وإن في ثوب جديد، وسيكون الفقر طبعاً أقل حدة .

ترتبط جذور المسائل عضويا بالإنقسام الطبقي الفادح في المجتمع المصري، والذي لم يعد يلفت الأنظار، وغاب هذا الانقسام حتى عن أدبيات الأحزاب الإشتراكية، وحين توافقت هذه الأحزاب على أننا نعيش فترة انتقال طويلة إلى الإشتراكية، أصبح هذا الانتقال كأنه هو الهدف بينما توارت الإشتراكية ولم يعد أحد يذكرها، وبانت كأنها يوتوبيا أو هدف وهمي يستخدمه سياسيون لتهدئة الخواطر أو أداة لمواساة الذين يعانون من شظف العيش وهم بالملايين .

كانت الأحزاب الإشتراكية قد توافقت في أدبياتها على أن النقد الذاتي هو آلية رئيسية لتطوير آدائها وبرامجها وسعيها نحو المستقبل .

لكن النقد الذاتي ظل قابعاً في الأدبيات دون الممارسة، وهو ما أدى بالأجيال الجديدة التي تلتحق بهذه الأحزاب إلى الإنخراط في العمل الحزبي مسترشدة بمشاعرها دون تثقيف جدي، لأن توقف برامج التثقيف في الأحزاب الإشتراكية أصبح يفضي ـ دون قصد قطعاً ـ إلى بعض تصريحات ومواقف غريبة على الإشتراكية . والاشتراكيين، وإقترنت الإشتراكية في بعض هذه التصريحات والممارسات بالعدالة الاجتماعية والعدالة الاجتماعية هي تاريخيا عنصر أساسي في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، ولكنها ليست الاشتراكية التي هي نفي كل أشكال الاستغلال وليس مجرد التخفيف من وطأته ومعاونة الواقعين في قبضته على التحمل والصبر .

والاشتراكية هي باختصار بناء عالم جديد تماما، عالم يختلف في كل مناحيه عن ماهو قائم، فالإشتراكية على حد تعبير أحد دعاتها الأقوياء ” مع الديموقراطية إلى أبعد الحدود في سياق قضائها على الاستغلال بوقف استنزاف الرأسماليين وكبار ملاك الثروة لفائض القيمة من العمال والمنتجين .

ستكون الإشتراكية على هذا النحو ثمرة لنضال المنتجين والكادحين من أجل الوصول إليها عبر العالم الجديد القائم على العدالة والمساواة، وغالبا ما يمر هذا النضال بصراعات كثيرة طويلة المدى في سلسلة من التحولات التاريخية تتم عبرها وفيها عملية تغيير الظروف، وتغيير البشر أنفسهم فكما تصنع الظروف الإنسان، يصنع الإنسان الظروف، ومن الضروري أن يتسلح هذا الإنسان بالوعي الذي تنتجه الثقافة، ذلك الوعي الثوري الذي يمكنه من الإسهام في صنع الظروف .

والأجيال الجديدة من الاشتراكيين مطالبة الآن ببذل جهود ثقافية وسياسية ترد الاعتبار للإشتراكية وتضعها مجدداً على جدول الأعمال حتى يسهموا فعلا في صنع الظروف ووضع الاشتراكية على جدول الأعمال هو عمل استراتيجي، بل وهو أساس التصرف على الحزب الاشتراكي ورفع رايته وتنمية ثقافته الهادفة لبناء عالم جديد، عالم لا استغلال فيه ولا حاجة أو خوف .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق