أمينة النقاش تكتب:مهام المواجهة

152

ضد التيار

مهام المواجهة

أمينة النقاش

جدد الرئيس السيىسى فى الندوة التثقيفية الأخيرة للقوات المسلحة الحديث عن أهمية الوعى المجتمعى لمواجهة حروب الجيلين الرابع والخامس التى تستهدف إسقاط الدولة، بزعزعة ثقة المواطنين فى أنفسهم، والتشكيك فى كل إجراء سياسى يُتخذ لاستخدامهم أداة للتدمير وإشاعة الفوضى بزعم التغيير. ودعا هيئات الدولة المختلفة والأسر إلى القيام بالتوعية بتلك الأساليب والكشف عن سعيها لضرب التماسك الاجتماعى من الداخل، لتكرار ما جرى من تدمير لمؤسسات الدولة فى 2011.

يطرح خطاب الرئيس مهمتين عاجلتين لتفعيل سبل مواجهة تلك الحروب. الأولى إعادة بناء تحالف 30 يونيو الذى أسقط جماعة الإخوان من الحكم بدعم من جيش مصر الوطنى، لاسيما بعد أن أكد الرئيس أنه لا تصالح معها. ولا يظن أحد أن تلك مهمة هامشية فى قلب الظروف الصعبة التى تمر بها البلاد، بل هى أساسية لأن كل طرف فى هذا الحلف يمتلك من أدوات التأثير فى محيطه ما يخدم تلك المواجهة. وهو حلف يضم أحزابا وقوى سياسية وشخصيات عامة وكتابا ومثقفين ممن يؤمنون بالمبادئ الدستورية التى تعزز مدنية الدولة، وترفض الزج بالدين فى العمل السياسى.

المهمة الثانية التى لاتقل أهمية عن الأولى هى إعادة بناء «إعلام الدولة» على أسس مهنية وعلمية احترافية وجذابة وتتسم بالموضوعية والصدق فى آن واحد. ففى معظم دول العالم تمتلك الدولة محطة إذاعية أو فضائية تليفزيونية أو الاثنين معا للترويج لأهدافها بأساليب مهنية مبتكرة دون إعلانات ،تشوش على وضوح الرسالة التى تبتغيها، ودون شعبوية دعائية تخصم من القضايا الجادة المستهدف إيصالها.

وفى هذا السياق تقدم قناة روسيا اليوم الفضائية نموذجا فذا لإعلام الدولة، الذى يمزج بين الاحتراف المهنى العالى المستوى والجذاب، وبين ما يسمى بالمسئولية الاجتماعية التى تفرض عليه الموازنة بين الارتقاء بمعايير الأداء الإعلامى المهنى، الذى يمتلك القدرة على إمداد متابعيه بالمعلومات وتحرى الدقة والموضوعية فى نشر الحقائق، وبين الاستجابة لاحتياجات المجتمع الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، بالبعد عما يمكن أن يروج للعنف والجرائم والفوضى، ومواد التسلية التافهة التى تحط من كرامة الأفراد والفئات، وتسلط الضوء على الفضائح. وبهذا المفهوم للمصلحة العامة تقدم روسيا اليوم برامجها الإخبارية والحوارية والتثقيفية وأفلامها الوثائقية والفنية، وعبر تلك الوسائط الجذابة والملتزمة بالمعايير المهنية، تنقل القناة إلى مجتمعها وإلى العالم، رسالة روسيا الإتحادية والقيم التى تروج لها، وتكسب كل يوم أرضا جديدة.

الشىء نفسه تقوم به فضائية فرنسا 24، التى تمولها الحكومة الفرنسية فضلا عن إذاعة مونت كارلو الدولية، وبى بى سى الفضائية والإذاعية التى تمولهما وزارة الخارجية البريطانية. ولا يخفى على فطن أبدا النظرة الاستعلائية والاستعمارية التى تنظر بها بي بي سى إلى منطقتنا وتتجلى فى الشريط السينمائى المرافق لنشراتها الإخبارية، الذى يختصر منطقتنا فى عدة مناظر دمار وخراب قبيحة وبائسة تؤكد عمى فى البصر والبصيرة فيمن أعدوا الشريط، ويصرون على بثه على مدار 24 ساعة لتثبيت فكرته المتعالية. أما منطقتنا الغنية بحضارتها والحافلة بالتنوع الثقافى والفكرى والعرقى والدينى والفنى والمعمارى، فهى أمور لا يفتح الغرب الاستعمارى وأدواته الإعلامية، عينه عليها سوى لنهبها!

على مشارف غزو العراق عام 2003، حل راديو سوا محل إذاعة صوت أمريكا التى مولتها الحكومة الأمريكية وبثتها أثناء الحرب العالمية الثانية. وقام راديو سوا على نظرية أن معظم سكان البلاد العربية هم الشباب، فتوجه إليهم ببرامج ترفيهية تروج لنموذج الحلم الأمريكى برغم أنه بات يتهاوى، وتسوق لأهداف السياسة الأمريكية.

تمر مصر منذ يناير 2011 بظروف استثنائية على أكثر من صعيد، وتتربص بها من الخارج والداخل كما أوضح الرئيس أخطارا أمنية لا ينكرها سوى غافل أو حاقد، تتطلب رؤية إعلامية مغايرة، لما هو سائد الآن. وفى مثل هذه الظروف التى تتراجع فيها فضيلة القراءة، تضاعفت الأدوار التى تلعبها الصورة التليفزيونية فى تشكيل وعى الجمهور واهتماماته. والدور المؤكد الذى باتت الإعلانات الى تحاصرنا فى كل القنوات المصرية، هو تغذية الصراع الطبقى، بما تعرضه من منتجعات وإسكان وتعليم وطعام ومواد استهلاكية فاخرة، لا يقدر على أسعارها سوى أثرياء، ولا تخاطب غيرهم، ولا تبعث فى الجموع الغفيرة التى تشكل أغلبية المصريين سوى مشاعر اليأس والإحباط من فرط الشعور بالحرمان.

أصبح من ضرورات المسئولية الاجتماعية، ودعم حماية الأمن القومى المصرى انشاء محطة تليفزيونية أرضية، ولا مانع من بث برامجها فضائيا، تخلو نهائيا من الإعلانات، وتتبع المعايير المهنية المشار إليها، وتزود بخبرات إعلامية تتسم بالكفاءة والثقافة والحضور، وهى عناصر يعج بها مبنى ماسبيرو، أو حتى بالاستعانة بمن هم من خارجه، لبث برامج تخبر وتعلم وتثقف وتسلى، وتعلى من قيم الجماعة على القيم الفردية التى يحترفها الإعلام الاستهلاكى، وتحفز على الاهتمام بالوطن، تاريخا وحاضرا ومستقبلا، وتتوجه لمشاكل واحتياجات وأحلام من تستهدفهم برامجها وهم 90%من الشعب المصرى، الذى تحطم معنوياته يوميا إعلانات لا عقل لها عن المنتجعات والكبويندات وأوجه الانفاق الفاخر. ولعل من بيدهم الأمر أن يمنعوا تلك الإعلانات عن بقية القنوات التى تملكها الدولة، وأن يخصصوا للإعلان قناة مشفرة، يشترك فيها من يحتاج إليها.

مهمتان عاجلتان لشحذ قوى المواجهة، وهما ليستا مستحيلتين رغم صعوبتهما، لكن الإقدام عليهما بجانب الإفراج عن المحبوسين احتياطيا فى قضايا سياسية، طال الصمت بشأنها، يفتح باب الأمل فى حماس القرار السياسى للمهمتين.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق