محمود دوير يكتب:مسيرة الأغنية ومشروعنا الوطنى.. أسئلة مشروعة

228

مع كل مناسبة وطنية عظيمة، يبحث مسئولو التليفزيون المصرى عن مادة فنية لتقديمها للشعب المصرى فلا يجدوا سبيلا لذلك سوى بالعودة للماضى واستدعاء تراث فنى قدمته مصر خلال عقود الخمسينيات والستينيات حتى منتصف السبعينيات ثم بعد ذلك بعض الأعمال المتفرقة التى لا تمثل حالة عامة بل تعبر عن جهود فردية لصناعها .
فى احتفالات أكتوبر هذا العام، بدا الأمر مثيرا للتأمل والدهشة خاصة أن أكتوبر يأتى هذا العام فى ظل تحديات داخلية وخارجية يواجهها الوطن والمواطن .
جاءءت احتفالات هذا العام ومصر تواجه حربا ضد الإرهاب المنظم المدعوم من جهات خارجية وتنظيمات معادية وقد مر من الزمن سبع سنوات على بداية هذه المواجهة عقب ثورة المصريين فى 30 يونيو.
منذ 2013 حتى الآن ونحن ننتظر أن يتبوأ الفن موقعه من المواجهة وشحذ الهمم كما كان دائما منذ قام سيد درويش بتلك المهمة ليؤسس لدور فنى وطنى يلعب دورا فى الحراك السياسى والاجتماعى ومنذ صاغ خالد الذكر هذا المنهج والفن فى مقدمة صفوف المقاومة الوطنية لا يبخل بأى جهد .
أثناء العدوان الثلاثى على مصر، انطلق صوت الفنانة “فاديه كامل ” صارخا بعذوبة “دع سمائى فسمائى محرقة ” من الحان على اسماعيل وكلمات كمال عبد الرحيم كما غنت “أم كلثوم ” من كلمات صلاح جاهين وموسيقى كمال الطويل “رائعة والله زمان ياسلاحى و لا تزال تلك الأغنيه حاضرة فى الوجدان رغم مرور الزمن وغنت شادية “أمانة عليك يا مسافر بورسعيد ” اضافة إلى عشرات الأعمال التى رصدت العدوان وقاومت الغذو الغاشم والتف الملايين حول أجهزة الراديو وكانت الأغنيات خير زاد للمقاومة الباسله التى احبطت بجسارة مخطط ثلاثى لكسر مصر حينذاك.
ورغم الهزيمة المؤلمة، انطلقت الأغنية منذ 5 يوينو 1967 تشد أزر الجنود وتدعو الشعب للمقاومة وتبشر بالنصر القادم لا محالة فكانت أغنيات حرب الاستنزاف أعظم ما قدمته الموسيقى المصرية فى عصرنا الحديث وتمثل كنزا فنيا لا مثيل له استطاع بحماس وابداع أن يعيد التوزان النفسى للشعب الذى أوجعته الهزيمة ولم تكسر إرادته.
وفى حرب أكتوبر 1973، كانت الأغنيه حاضرة بقوة وقدم فنانو مصر عبر أثير الإذاعة حوالى 70 أغنية فى أقل من شهرين فقط وتحولت الإذاعة المصرية برئاسة وجدى الحكيم إلى معسكر فنى يتسابق فيه الجميع لتقديم أروع ما عندهم متطوعين تماما حتى العازفين رفضوا الحصول على أجر وعملوا دون مقابل وبعد مرور ما يقرب من نصف القرن ورغم ما تمر به مصر من تحدى فإن غياب الفن عن دوره واضح بقوة وما نراه من عجز قوانا الناعمة خاصة الأغنيه وهى الوسيلة الفنية الأسرع فى اعدادها يؤكد أن الأزمة تتجاوز الأغنية كفن من الفنون يعانى من أزمة واضحة وكاشفة لحال المجتمع ذاته فبعد أن كانت أغنيات “عدى النهار ” معادلا للهزيمة فى يونيو و”على الربابة باغنى ” تعبر عن نصر أكتوبر بكل ورعتها الفنية والفكرية صارت “تسلم الأيادى ” هى المعادل الموضوعى لثورة عظيمة قام بها الشعب المصرى فى 30 يوينو!.
هى حالة تراجع واضح.. يكشف عنها بكل تأكيد عدد الأغنيات بل والأعمال الفنية التى رصدت ثورة بحجم 30 يونيو فبحصر دقيق نكتشف أن كل ما تقدم من أعمال موسيقية حوالى 7 أغنيات بالاضافة إلى “تسلم الأيادى” هى “بشرة خير” و”تسلم ايديك” للفنان العربى حسين الجسمى وقدمت آمال ماهر “طوبة فوق طوبة ” و”يا مصريين” و”عاش الجيش المصرى ” لأمينة ربما هذه الأعمال هى الأكثر انتشارا وألاكثر اذاعة عبر وسائل الإعلام.
وفى الوقت الذى غابت الأصوات الجادة والشعراء الكبار – قيمة ابداع – والموسيقيون اصحاب التجارب الواعية والناضجة نرى الاحتفالات الوطنية يتصدرها نماذج أقل موهبة وأعمال أقل قيمة بدرجة كبيرة لدرجة نرى فيها “سعد الصغير ” أو مطربى المهرجانات يحتفلون بنصر أكتوبر أو فنان متهرب من التجنيد يغنى للجنود.. وغير ذلك من المشاهد المثيرة للتساؤل.
إلى أين نتجه؟ وهل وصلت الأمور بنا إلى هذا الإفلاس الفنى الذى يضطر صناع الفن إما الاستعانة بموروثنا الإبداعى أو اللجوء إلى أنواع من الفن – كانت نقابة الموسيقين ومازلت ترفض وجودهم وتطاردهم بدعوى أنهم يفسدون الذوق العام رغم اختلافنا حول هذا المنهج النقابى هذا التناقض الصارخ يكشف عن حالة ارتباك فى ادارة هذا الملف..
ولا يمكن الإدعاء بأن مصر تخلو من المواهب شديدة التميز سواء فى الكتابة أوالموسيقى أو الغناء لكن يبدو أن هؤلاء الموهوبين لا يتمتعون بحجم العلاقات التى يتمتع بها ملحن مثل عمرو مصطفى بينما يغيب فاروق الشرنوبى وياسر عبد الرحمن وغيرهم وتتراجع اصوات غنائية واعدة وأخرى كبيرة عن المشهد لأسباب غير واضحة وغير مفهومة ويختفى شعراء طالما قدوموا أعمالا وطنية وانسانية شديدة الروعة والتميز.
لا يمكن الفصل بين ما قدمه جيل الرواد فى الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات عن دعم رسمى من الدولة كانت تبحث عن الأفضل بين كنوز مصر وكانت تؤمن بصدق بدور الفن وتقدر صناعه تقديرا يليق بالجادين منهم وبين ما نراه الآن من خواء وسطحية وتراجع جودة الأغنية الوطنية بشكل كبير لا فصل ذلك الحال عن قدرة وارادة من يتولون مسئوليه هذا الملف الفنى وليس الغنائى فقط.
بالتاكيد فإن أى مشروع وطنى يحتاج إلى قوة ناعمة تؤمن به وتدعمه وتوثق تجربته ولكل مشروع انحيازاته فى ذلك واختياراته التى تعبر عنه وتكشف عن رؤيته فقد كان “عبد الحليم حافظ” هو صوت تجربة مشروع مصر خلال حكم عبد الناصر فى حين غاب “العندليب ” عن تجربة السادات تقريبا واختار الرئيس المؤمن آخرين للتعبير عنه كما كان “محمد ثروت ” هو صوت مرحلة من حكم مبارك الطويل – 30 سنة – وتصدرت أصوات أخرى مرحلة ما بعد ثورة يناير ثم اختفت تماما لدرجة التبخر !! بعد ثورة 30 يونيو ورغم مرور 7 سنوات لا يزال المشروع الحالى بلا مشروع فنى حقيقى جاد يعبر عنه أو يرصد تجربته..
نأمل أن يتحقق وإنا لمنتظرون.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق