“كفاح سيناء” ..قصة قصيرة لـ “د. عادل وديع فلسطين”

317

كفاح سيناء

قصة قصيرة

د. عادل وديع فلسطين

تمر الأيام بمصر الحزينة .. الوطن منكسر .. المواطن مهموم يترقب فجراً جديداً .. لا يملك غير إطلاق وترديد بعض النكات التي لا تلبث أن تشعر بسخافتها بعد سماعها، لكنها كانت وسيلة لإطلاق شحنات من الأسى توغلت داخل صدر المواطن المصري .. حتى هذه النكات كانت تطلق سراً .. ونتذكر قصيدة لنزار قباني ذلك الوقت التي كانت تتداولها أيادي طلبة الجامعة والشباب خلسة كأنها منشورات عدائية يحذر تداولها ويعاقب عليها القانون .. كان يعبر نزار في سطوره عما يجيش في صدر كل مصري وعربي .. جلداً للذات وقلباً محترقاً وعتاباً على تقصيرنا ّ!ّ! لكنها في النهاية غيرة على الوطن وحزن على الإنسان العربي المقهور ..

ويكتب نزار : ـ

أنعي إليكم يا أصدقائي اللغة القديمة .. والكتب القديمة

أنعى لكم كلامنا المثقوب كالأحذية العتيقة .. ومفردات القهر والهجاء والشتيمة

مالحة في فمنا القصائد … مالحة ضفائر النساء

والليل والأشياء والمقاعد .. مالحة أمامنا الأشياء

يا وطني الحزين .. حولتني بلحظة

من شاعر يكتب للحب والحنين . لشاعر يكتب بالسكين

لأن ما نحب أكبر من أوراقنا ، لابد أن نخجل من أشعارنا

إذا خسرنا الحرب لا غرابة .. لأننا ندخلها

بكل ما يمتلك الشرقي من مواهب الخطابة

ويكتب أحمد فؤاد نجم :

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

كل الجهود كل الزنود للمعركة

ألحان جنان تعزف نشيد المعركة

وكمان لجان عشان عيون المعركة

سلام يا واد للست معمع معركة

وسلام عشان لأن حتماً معركة

لقد كان نجم بهذه السطور يتعجل المعركة وأخذ الثأر .

أما الأبنودي فتسيل أشجانة بصوت عبد الحليم حافظ ليعبر عن مصر القرية الحزينة

عدى النهار والمغربية جاية تتخفي ورا ضهر الشجر

وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر

ياهل ترا الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين

أبو الغناوي المجروحين

يقدر ينسيها الصباح

أبو شمس بترش الحنين

أبدأ .. أبداً بلدنا للنهار

بتحب موال النهار لما يعدى فوق كل دار

ويقول الأبنودي في مكان أخر عن الجندي المجهول : ـ

شهيد .. صاحبي نسيته بعد مازال الخطر

وكا….ن غربني موته .. لا غرسوا بندقية

ولا شاهد حجر في الرمل … ع الرميم

……………………………………

لكن من خلال كل هذا اليأس يرى النابه أن هناك شيئا ما … البيت يعاد ترتيبه من الداخل .. قيادات عسكرية تنزوي وأخرى تبزغ .. أفواج من المقاتلين تخرج وأفواج بديلة جامعية تدخل .. تدريبات على العبور في ترعة الإسماعيلية .. الاستغناء عن الخبراء السوفييت .. لتبدأ حرب الاستنزاف لتطيح بفكرة الإستسلام وتقلق طمأنينة العدو .

وبدأت إعادة بناء القوات المسلحة

وإعادة تنظيم البيت العسكري من الداخل

وإعادة بناء القوات الجوية

وبناء حائط الصواريخ

… لتبدأ حرب الاستنزاف

وقامت المخابرات العسكرية المصرية بتشكيل منظمة سيناء العربية … تكونت من أبطال من قبائل وبدو سيناء بالاشتراك مع ضباط من المخابرات المصرية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في سيناء .

وجاءت التعليمات والأوامر من القيادة العليا للقوات المسلحة بأن يتم اختيار بدو سيناء عن طريق ترشيحهم بواسطة مشايخ قبائل سيناء .. وأن يشرف على تدريبهم مجموعة من ضباط الصاعقة والمهندسين والمفرقعات والصواريخ ، كما أنه لابد أن يرافق هذا الفريق رعاة الغنم وقصاصو الأثر.

ومن بين أهم هؤلاء الأبطال محمود عواد ، إبراهيم سليمان ، غريب محمد غريب ، أحمد عطيفي ، مصطفى أبوهاشم ، أحمد عفيفي ، والمهندس الشاب حمدي عقدة ، هذا غير رجال الشرطة ومنهم نقيب حسن أسامة ونقيب جيش عاصم حمودة .

وفي خندق على الضفة الغربية للقناة ، تجمع بعض رجال المنظمة ينظرون بأسى وحسرة تجاه الضفة المقابلة علم إسرائيل .. يا للعار .. يهب الجميع يريدون التحرك نعمل شيئا ما .. يتصدى لهم محمود عواد ينهرهم قائلا :

– مش دي الطريقة اللي ح نشتغل بيها … لابد أن نكون منظمين .. وأنا بصفتي قائد منظمة سيناء سأقوم بدراسة كل عملية ح نقوم بيها وده طبعاً بعد الاتصال بالقيادة وشرح الموضوع بالتفصيل وتوضيح الخطة، وكمان في حاجة مهمة … إمكانية الدعم اللي ممكن نحصل عليه في حالة احتياج القائمين بالمهمة لذلك .. أما عن هذا العلم المزروع في أحشائنا فلن يقلعه معي غير أخونا غريب محمد غريب .

غريب :

العلم النجس ده مش حايصبح عليه صبح .. بس الليلة دي عتمة مافيش قمر وعلشان ماتوهش وأطول على المسافة .. حاتسحب على الشاطئ لغاية ما كون قدامه بالضبط وأحط علامة انزل من عندها أنا مش بس حا أنكس علم إسرائيل وأنزله .. أنا كمان حا أرفع علم مصر .

ولإتمام مهمته ، تسلل محمود عواد إلى المعسكر المهجور بالقرب من تمركزهم .. وقام بخلع إطار خشبي ضخم ليصير صارياً كبيراً للعلم المصري .. ثم قام بجلب علم ضخم من قيادة الجيش الثالث .

وعندما جاءت الموافقة من القيادة بالقيام بالعملية … اختارت معهما إثنين من بدو سيناء.

ركب الجميع مركباً مطاطياً وعبروا إلى الجانب الشرقي للقناة عند الفجر ، وكانت المنطقة التي تتمركز بها قوات العدو شبه خالية إلا من مكبرات للصوت تبث منها أصوات كاذبة لمجنزرات من أجل التموية ، تمكنت القوة من رصد بعض الجنود ، ومن خلال خلفية أصوات المجنزرات الوهمية تقدم الأبطال ليفاجئوا جنود العدو ويستولوا على أسلحتهم بعد القضاء عليهم . وتم أسر أحد الجنود .

قام عواد بنزع العلم الإسرائيلي .. لم يرد أن يعطي هذا العلم شرف حمله والعبور به للضفة الشرقية فقام بتمزيقه وقذف به بعيداً في مياه القناة لتكون شاهداً على مهانته .

ثم قام عواد بتثبيت علم مصر وأحاطه بعدة ألغام لحمايته .

هذا هو محمود عواد .. الذي رفع أول علم مصري على أرض سيناء سنة 1969 ليظل العلم مرفوعاً حتى عام 1973 .

كان اليهود يطلقون عليه وعلى زملائه ( الأشباح ) وهو الذي تسلم قيادة المنظمة بعد النكسة والتحق بالمخابرات الحربية ، وتم تكليفه بزرع الألغام في منطقة البحيرات المرة وتنفيذ عمليات في عمق سيناء بمساعدة أشخاص من بدو سيناء ، وقد شارك محمود عواد في الحياة السياسية والعسكرية رغم أنه معافى من التجنيد لكونه وحيدا العائلة .. وكنت تجده في كل موقع يسقط فيه شهداء … يحمل الشهداء والجرحى فوق كتفه لينقلهم إلى المستشفى . كان وزملاؤه يسبحون في القناة بالطول والعرض ويقومون بعمليات في وضح النهار وأيضا في الليل ، ولا ننسى أنه ورفقاؤه استطاعوا أن يقاوموا الأعداء ويمنعوهم من احتلال الجزيرة الخضراء .. وأثناء حرب السويس استطاع قتل قائد الشرطة العسكرية الصهيونية ، كما كان له دور مهم ومحوري في معركة السويس وأيضا معركة قسم شرطة الأربعين .

أما غريب محمد غريب فيعتبر أنشط رجال المقاومة .. فقد بدأ العمل الفدائي بالهجوم على معسكرات الإنجليز منذ عام 1948 وكان داخل سيناء حين بدأت النكسة ، وقد نجح من خلال عملية فدائية في أسر إسرائيليين ملازم أول بحري يعقوب كهانوف ، ورقيب بحري أبراهام ، وقد تم تكريمه من الزعيم جمال عبد الناصر ، ومنحه نوط الامتياز من الطبقة الثانية عن دوره في أسر هذين الإسرائيليين ، كما كرمه الرئيس محمد أنور السادات عام 1980 ، ومنح نوط الامتياز من الطبقة الأولى ونجمة سيناء .

أسدل الستار على كفاح البطل عام 1989 عن عمر يناهز واحد وستين عاما بعد كفاح استمر أكثر من أربعين عاما في المقاومة والعمل الوطني .. وتوفى البطل بعد أدائه مناسك الحج وصلى على جثمانه في المسجد الحرام ودفن في مكة المكرمة .

………………………………………….

وتضم منظمة سيناء العربية أيضا واحد من أبرز رجال المقاومة وهو المجاهد “شلاش خالد عرابي” ويعتبر أنشط مندوبي المخابرات الحربية .. لقد دوخ المخابرات الإسرائيلية وأفقدها توازنها في أواخر الستينيات ، وقد رصد جهاز الأمن الإسرائيلي (شين بيت) آلاف الدولارات مكافأة لمن يرشد عنه أو يساعد في القبض عليه حياً أو ميتاً ، وهو الفدائي الذي قال عنه المدعي العام العسكري الإسرائيلي (عوزي راك) أنه وشبكته من أخطر شبكات الجاسوسية التي كشفت عنها إسرائيل أثناء محاكمته أمام المحكمة العسكرية الإسرائيلية التي حكمت عليه في أربع تهم بالسجن 39 عاما.

وقد اعتقلته مخابرات إسرائيل في آخر عملية قام بها خلف خطوط العدو في ديسمبر 1968 العملية رقم 64 بعد مقاومة عنيفة وتبادل لإطلاق النار نتج عن ذلك إصابته في فكه وقطع لسانه ، عذب بشدة وهو الجريح وأهانوه بخسه وندالة وهو الأسير . فلم يزده ذلك إلا حماساً وقوة وقد تم الإفراج عنه بناء على طلب المخابرات المصرية في مارس 1974 ضمن صفقة تبادل للأسرى .

………………………………………………

كان الفريق أول محمد أحمد صادق رئيس أركان حرب القوات المسلحة في زيارة لمنطقة القناة وبورسعيد ليتفقد القوات وذلك في عام 1970 .. استمع لتقرير عن عملية ناجحة لمنظمة سيناء العربية تصادف عودة رجالها يوم زيارته للمنطقة . استفسر الفريق عن حالة الأفراد وسلامتهم .. تساءل عن هويتهم وطلب تقريراً مفصلاً عن العملية .. أفادوه بأن قائد هذه العملية هو الشيخ سالم الهرش ـ شيخ مشايخ قبائل سيناء .. وقد اختار هذا الرجل رجاله بنفسه ورشح للمخابرات المصرية ستة من شباب البدو تم تدريبهم وتحققت على أيديهم نجاحات كبيرة كلفوا بها داخل إسرائيل ما بعد عام 1956 .. قام هؤلاء بجمع المعلومات بنجاح وتحديد مواقع العدو ورصد التحركات العسكرية وبسبب هذه المعلومات ، أرسلت مخابرات سيناء إشارة لوزارة الحربية في 2 يونيو 1967 بتوقع هجوم إسرائيلي يوم 4 أو 5 يونيو .. وأكثر من ذلك فقد أرسلوا رسالة أخرى يوم 5 يونيو بتوقع بداية الهجوم خلال ساعات .

عرف الفريق ما هو أخطر عن هذا الشيخ الوطني العظيم الذي يعمل في صمت .. لقد رفض هذا الرجل تدويل سيناء ونصح اليهود والأمريكان في مؤتمر الحسنة الذي عقد عام 1969 والذي كانت تطلب فيه إسرائيل وأمريكا فصل سيناء عن مصر واعتبارها منطقة مستقلة نصحهم بألا يتطرقوا لهذا الموضوع المستحيل الوصول إليه لأن مصر لن تفرط في ذرة واحدة من أرض سيناء … ونحن أيضا بدو سيناء لا نوافق مطلقا على طرح هذا الموضوع .. نحن مصريون حتى النخاع ولسنا خونة لنسعى لبيع أراضينا أو التفريط في شبر واحد من أرض الوطن .

عرف الفريق أنهم موجودون جميعاً في جزيرة سعود بالشرقية في رحال الشيخ عيد أبو جرير ، طلب الفريق ترتيب زيارة في نفس الليلة ليشكره وزملاءه على وطنيتهم ، وما أن غابت الشمس حتى تحرك الفريق من بورسعيد يرافقه أحد قيادات المنظمة ، ليلتقي بالشيخ حوالي ساعة .. تقدم الشيخ بعدة مقترحات لدعم عناصر المنظمة ، وافق عليها الفريق على الفور وغادر المكان بعد أن أوصى بحماية وتأمين الشيخ والمنظمة .

…………………………………………………

وتسجل البطولات المصرية والعمليات الفدائية والعسكرية العديد .. العديد من قصص البذل والعطاء … وهذه قصة لأحد أبطال مصر الذين ضحوا بحياتهم من أجل وطنهم وهو أحد ضباط سلاح الإشارة مراد زكريا :

وتبدأ القصة بأن خطط الجيش المصري لضرب القوات الإسرائيلية بعد منتصف الليل وقت حدوث الثغرة ، كان العائق الكبير أمام رجالنا هو تحديد المواقع والاحداثيات لإطلاق النيران في الظلام التام ، الأمر الذي دفع القيادة لتكليف أحد ضباط الإشارة لكي يتسلل خلف خطوط العدو ويمد قواتنا بمناطق تمركز الإسرائيليين وإحداثياتهم الحقيقية وأماكن تخزين السلاح والمعدات .

نجح البطل مراد زكريا ومعه جندي أخر في الوصول خلف العدو الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، وعن طريق جهاز اللاسلكي الذي يحمله أبلغ الجيش المصري بكل التفاصيل .. وبعد نصف ساعة بدأت قواتنا ضرب مواقع العدو الإسرائيلي وظل البطل طيلة ثلاث ساعات متصلة يقوم بتصحيح أوضاع إطلاق النار في جميع الاتجاهات حسب تحركات العدو .

أنهى البطل مهمته وتكبد العدو خسائر فادحة .. وعندما بدأ رحلة العودة من جديد مع أول ضوء للشمس في الساعة الخامسة صباحا ، وقع في حقل ألغام ، انفجر اللغم .. وأصيب البطل ونقل إلى مستشفى السويس … وأجريت له عملية بتر للساق .

كانت صحته في تدهور مستمر مما تطلب نقله للقاهرة .. وهنا كانت الخطورة فإسرائيل كانت تعترض أي سيارة إسعاف مصرية … تم نقل البطل إلى سيارة تابعة للصليب الأحمر .. وارتدى جلباب أبيض بدلا من اللباس العسكري ، إلا أن الكمين الإسرائيلي إعترض السيارة لكن عناية الله القدير انقذته وعبرت السيارة ووصلت القاهرة.

عاش الضابط المصري مراد زكريا بساق واحدة فقد أهدى الأخرى لبلده تذكارا غاليا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق