حوار مع الكاتب و الشاعر أسامه مهران

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

347

حوار: 
أمل جمال

حينما نقول أسامه مهران الصحفي و الشاعر و المحلل الاقتصادي ، فنحن نعني المستشار الإعلامي – للجامعة الأهلية – بمملكة البحرين، الحاصل على الدكتوراه المهنية في الإعلام التطبيقي.وعدة دورات في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. الصحفي الذي بدأ كتب في روز اليوسف و الاهرام في بداياته ورئيسا للقسم الاقتصادي بجريدة أخبار الخليج و غيرها من المناصب الكثير و المشرف. فما الذي جاء بالشعر في درب الاقتصاد وكيف انتصرت الصورة الشعرية على جداول البورصات و تنبؤات منظمة الفاو و الأوبك. ربما تطرق عقلنا هذه الأسئلة لكنها تتوارى حينما نعرف أنجده هو العالم الكبير الشيخ المراغي، الذي كان أحد العلماء الكبار وأحد أقطاب الإصلاح في عصره. فقد كان مصلحا اجتماعيا و تنوريا تتلمذ على يد الإمام محمد عبده و حصل على العالمية و عينقاضي قضاة السودان، وعقب عودته لمصر وصل إلى منصب رئيس محكمة مصر الشرعية، وتولى منصب مشيخة الجامع الأزهر مرتين: عام 1928 و عام 1935 و ظل حتى وفاته في الاربعينيات. أما خاله فهو الصحفي الكبير محمود المراغي الذي تولى رئاسة تحرير صحيفة «العربي الناصري» وصحيفة «الأهرام» شغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» و غيره ذلك. هذه الخلطة الأدبية و الصحفية في التربية لابد لها من مردود يثير الأسئلة لاشك حينما يقرر صاحب الاسم و القلم أن يصدر دواوينه الشعرية دفعة واحدة. و هو ما سنتعرف أسبابه و غيرها في تطوافنا معه في عالمه في هذا الحوار.
س1: ماذا يمثل الشعر في حياة أسامة مهران؟
– سؤال صعب أن أتحدث عن منطقة خجولة مني، عن حقيقة لم أكن أكشف عنها أمام آخرين، كان الإفصاح يتم أمام فئة بعينها، فريق من الأصدقاء المهمومين بشعر جديد، بصورة لم تخلق من قبل، بإيقاع في منتهى الحرية والأناقة والطرب الأصيل، كنت مهمومًا مثل أبناء سبعينيات جيلي “المهضوم” بأن يكون البناء تراكمي، رأسي، وليس أفقيًا، وأن يكون تكدس المعاني فوق صورها المتلاحقة مفعولًا مطلقًا في كل شيء، في تبيان الفرق الواضح بين كل ما قرأناه، وكل ما نسعى لكي نكتبه، كانت الكتابة علم، مثلما هي فن، ومثلما القراءة علم، وهي كذلك فن، الشعر في حياتي يمثل ذلك الملاذ الآمن الذي أقول فيه كل شيء بحرية، أن أتصالح من خلاله مع نفسي، حتى لو لم ألتقي بقارئ على الطريق، أو بناقد على مقهى، أو بعابر سبيل داخل “سوبرماركت”، نعم إنه النقص الذي أكتمل به، وعندما أشعر بذلك الخواء الذي لا يشغله مقال، ولا تشبعه رغبة عابرة، أو خبر صحفي على أعلى درجة من المهنية والكياسة، أجد أن الشعر قراءة وكتابة واستماعًا هو أحد الملاذات الآمنة لي من كل سوء، هو أغلى جزء في حياتي. من عهدة التاريخ.
س2: لماذا الشعر الآن؟ أعني مشروع النشر؟
– سؤال وجيه، الكثيرون يطرحونه والكثيرون يتعجبون بأنني أستعد أن أُخرج من عهدة التاريخ ذلك المخلوق الذي ظل حبيسًا على مدى عقود داخل محاجر معلومات الذاكرة، كنت أقول لنفسي أن ما صادفته في البدايات من تهميش متعمد وصراعات لها أساس سياسي أو عقائدي، أو نفايات تراكمت بفعل فوضى ثقافية لم تكن منضبطة للحد الذي يجعلني أرتبط بنشر منتظم مع صحيفة، أو بتعاطي له صفة الاستمرارية مع مجلة، أو حتى مع نشرة “على الماشي”، كنت متحفظًا على من يتلقف التجربة وهي في ريعان تطلعها، كل ما كان مهيأ لاتهامي مثل غيري بـ”التقليد الأعمى”، لكل من يحاول الخروج عن النص، والهروب من قواعد لها تاريخ، وأصول لم يعد لديها ما يعينها على قبول التحدي، فكرت مثلًا أن أنشر في مصر، ورغم عقبات السبعينيات وضحالة نوافذ النشر والانتشار، نشرت لي مجموعة لا بأس بها من القصائد في صباح الخير المصرية، وفي صحيفتكم الأهالي، وفي مجلة الكاتب عندما كان الراحل الكبير صلاح عبدالصبور مشرفًا عليها ومعه المرحوم علي شلش، ونشرت على ما أظن في العدد الثالث من مجلة إضاءة 77، وتم الحديث عني في أكثر من مجلة مهمة مثل إبداع وفصول وعن طريق عمالقة رحلوا أمثال إدوارد الخراط وغيره.
لماذا الشعر الآن؟ أقصد لماذا النشر الآن؟
ربما تكون نصيحة من صديق، أو دعوة مازالت خالدة من أمي رحمة الله عليها، أو فكرة مجنونة تلبستني في غفلة من سنوات التحفظ والنكران، لكن الأكيد أنه ليس مهمًا أن نتأخر في الوصول، إنما المهم أن نصل وليكن ما يكون. بالضربة القاضية
س3: الصحافة والشعر في رأيي الشخصي متنافسان في حياة الكاتب فهل تغلب الصحافة على الشعر؟ هل هذا التصور صحيح في رأيك؟
– طبعًا منافسة حامية الوطيس بين الصحافة والشعر، الصحافة لا تقبل بشريك والشعر يظل صامتًا إلى أن يسدد لكماته القاضية في لحظة تكون فيها الصحافة مسترخية على مقعد وثير بانتظار كل ما هو جديد، الصحافة كانت قدرًا محتومًا، لقمة العيش التي يبحث عنها كل كائن حي، الوظيفة التي أكسبتني خبرات ومهارات وكيان مجتمعي أتشرف دائمًا به، أما الشعر فهو وجهي الآخر، هي قبلتي التي أستعين بها مع كل صلاة، ووجهتي التي أذهب إليها ربما كل يوم عن طيب خاطر، وعن رضا ومصالحة تامة مع النفس، استراحة محارب لا يرى الأشياء فيها إلا من ثقب إبرة، ولا ينفصل عنها إلا عندما يوشك الرحيل أن يخط أنامله بالأحرف الأولى على قصيدة تولد، أو فكرة تناجي، أو هم ثقيل يزاح من النفس غير المطمئنة. الشعر أو النثر، الصحافة أو الشعر، سمها ما شئت، وجهان لعملة واحدة لكنهما مختلفان في الملامح والمعالم والتشبيهات، في الروح والصوت والصورة ووقع الخطى، الشعر أفادني كصحفي، لكن الصحافة لم تخدمني كشاعر.
س4: كم ديوانًا تنتظره في المطابع حاليًا؟ – ثلاثة دواوين. ١- حد ادني. ٢- ظرف زمان ٣ – كائنات مجهولة النسب

س5: هل هي كل ما كتبت سابقًا أم هناك الجديد؟
– اختلاط الأنساب في نظري يمثل مشكلة مجتمعية، لكنه ليس بالضرورة كذلك عندما يشتبك القديم مع الجديد، الدواوين الثلاثة تمثل عدة مراحل في الكتابة قديمها كان أو جديدها، كل تجربة تكمل أخرى أو تتكامل مع أخرى، وهكذا. البحرين وأنا .
س6: الأدباء البحرينيين، أبرز الأسماء في الشعر والسرد المعاصرين لك؟
– ربما تعرفينهم فهم منتشرون في كل مكان بالوطن العربي، على مستوى الشعر الفصيح نجد قاسم حداد وعلوي الهاشمي وعلي عبدالله خليفة وفي الشعر العامي نجد علي الشرقاوي وزوجته الشاعرة “الحالة” فتحية العجلان، أما عن كُتاب السرد أو النثر فهم كثيرون، وأعتقد ان بينهم صحفيون على درجة عالية من الكفاءة والمهارة والتألق أمثال خليل يوسف رضي وعيسى الشايجي رئيس تحرير صحيفة الأيام فهو كاتب ومهني على أعلى الدرجات والقمم الإعلامية في عالمنا العربي، وهناك من الكُتاب الذين وافتهم المنية مبكرًا مثل الروائي المعروف عبدالله خليفة. مملكة البحرين غنية بالمبدعين والصحفيين المهرة، والمهنيين الفارقين. بين المراغي والمراغي.
س7: الشيخ المراغي والكاتب الكبير محمود المراغي كيف أثر هذان الاسمان في حياتك؟
– هما أهم من بدأت حياتي في معيتهما، الشيخ المراغي الجد والعالم الكبير، ومحمود المراغي الخال والصحفي والكاتب وأيضًا الاقتصادي الذي أخذ بيدي مع مطلع حياتي الصحفية ولم يتركني إلا بعد أن تعلمت منه أصول المهنة، وفنون الصياغة، وحرفنة التعاطي مع الخبر، أو الحدث، أو الحوار، أو التحقيق التفاعلي الميداني، لقد تعلمت من الراحل الكبير محمود المراغي الكثير خلقًا ومهنة، وتقاليد حياة، أما الشيخ المراغي فلم أعاشره حيث توفاه الله بعد ولادتي بأيام، لكنني أسمع عنه الكثير من المواقف التي رسخت مبادئ وأرست قواعد، ووضعت أصول لطريقة التفكير الديني ومنهج عمل لكل من يريد أن يربط العقيدة بحركة الدواب على الأرض، والسياسة بكل ما نؤمن به عن ظهر قلب.
أيام عزبة النخل س8: للنشأة دورها في تكوين اتجاهاتنا حدثنا عن نشأتك؟
– النشأة هي الجنة بالنسبة لي، هي كل حدث سعيد، حيث نشأت في منطقة بضواحي القاهرة اسمها عزبة النخل، أيام كانت عزبة للنخيل والأعناب، للفلل الساحرة والكيانات الخلاقة، لم تكن مرتعًا للعشوائيات مثلما أصبحت بعد ذلك، كانت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي راحة للمبدعين، وبراري للمفكرين، وجنات تعشش بين جوانها الطيور المهاجرة، ويسكن في روابيها نحل العسل، كانت النشأة في منتهى الخصوبة لإخراج كل ما كان يتكون في ذهنيتي المركبة منذ المهد من العمر، حياة يانعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بدايات مشجعة لكل من يريد أن يتلقى العلوم والفنون، ولكل من يسعى كي يصبح رقم “ما” في أبجدية تراتبية مخالطة ومختلطة، لقد نشات في بيت يعشق الصحافة حيث والدي المهندس والخطاط والفنان محمد محمود مهران، ووالدتي ابنة الشيخ المراغي وأختي الوحيدة سناء وجدتي التي تربيت أصول الشجاعة والإقدام على يديها رحمة الله عليها، وعمتي التي لم تتزوج أبدًا ولم تنجب سوى رعايتها لي، حياة في غاية الاستقرار حيث المجلات والصحف تأتي إلى البيت كل صباح وبينها مجلات ميكي وسمير وسندباد، كانت الحياة أكثر جمالًا وأقل قبحًا، وكانت العائلة هي كلمة السر فيما وصلت إليه فيما بعد، وما حققت عن طريقه من نجاحات أو إخفاقات. القلعة والبحر
س9: من الزراعة إلى الصحافة مشوار .. كيف كان الطريق فيما بينهما؟
– صحيح، هذا السؤال وجيه، من الذي جاء بالقلعة إلى جوار البحر؟ الزراعة مجرد كلية جامعية ذهب بي مجموعي المتواضع في الثانوية العامة للالتحاق بها، ولكن دراستي في هذه الكلية وبالجامعة التي تخرجت منها والتي حملت طوال دراستي ثلاثة اسماء، “جامعة عين شمس فرع شبين الكوم، أو جامعة طنطا فرع شبين الكوم، ثم جامعة المنوفية في شبين الكوم”، كلية لها مذاق خاص، كلية الحياة مثلما يقولون، الدراسة وقد خلقت في حياتي ذلك الخيال المُطعم بالعلوم الطبيعية، والدراسات التطبيقية، والكيمياء الحيوية، قد تستغربين لو قلت لك أن هذا النوع من العلوم كان محفزًا ومكونًا أصيلًا ساهم بكل تأثير في تصفية ذهني من غرائب الطبيعة، ليدخل بي إلى عالم الممكنات، حالة خاصة عشتها مع كلية الزراعة، وعشق خاص مع الزملاء والأصدقاء والأساتذة الكرماء. تسأليني عن الشعر وعلاقته بدراسة الزراعة، وهنا أستطيع القول بأن الشاعر أي شاعر هو ابن حياته، جغرافيته، وأحداث بلاده، تضاريسه التي نشأ وترعرع في كنفها، أيامه وأحلامه وعلاقاته بالأشياء، كنت عضوًا نشطًا بمجلس الطلبة وكنت أمينًا للجنة الجوالة بالاتحاد العام لطلاب الجامعة، وكانت تربطني في الصغر علاقات مع فنانين زملائي في الاتحاد أمثال سامح الصريتي وزوجته الراحلة نادية فهمي، كذلك ارتبطت مع مفكرين وأساتذة أجلاء وعلماء من كل مكان في كلية الزراعة .. كلية الحياة. بين روز والأهرام
س10: روز اليوسف ماذا يعني هذا الاسم لأسامة مهران؟
– يعني بداية المشوار، روز اليوسف هي خطوتي الأولى في مضمار الصحافة، وهي المثل الأعلى الذي كان يضم صغار الآلهة المتوجين، صلاح حافظ، المراغي، عبدالرحمن الشرقاوي، تمامًا مثلما كان بين المخضرمين الجيل الثاني الذي أتشرف بالانتماء إليه أمثال الصحفي الكبير عادل حمودة، ومحمد عتمان، ومحمود عبدالوهاب وقبلهم العظيمتان نجاح عمر ومهجة عثمان بصباح الخير، ثم الراحل شفيق أحمد علي، والزميل الغالي صديق العمر جمال عنايت نجل الصحفي الكبير الأستاذ راجي عنايت وغيرهم الكثيرين ممن شرفت بالعمل معهم والانتماء إلى مدارسهم الصحفية والفكرية والمجتمعية.
س11: جريدة الأهرام ماذا أضافت لك وأنت شاب في بداية الطريق؟
– الجدية، حيث كانت البداية بمجلة الأهرام الاقتصادي الأسبوعية، كان رئيس تحريرها رحمة الله عليه الدكتور لطفي عبدالعظيم بمثابة كلمة السر التي أدخلتني إلى محراب التحرير الاقتصادي لأجيد فيه، مع نخبة من الزملاء الأعزاء الذين تشرفت بالعمل معهم أمثال كمال جاب الله وجمال زايدة والمرحوم مصطفى إمام وعماد غنيم والزميلات إيزيس سليمان وراوية الصاوي وعزة علي، لقد تعلمت من الأهرام الاقتصادي الدقة في الصياغة وكنت حريصًا كل الحرص ألا يلتهم شغفي بالمهنة صدق المعلومة وشفافية الخبر، وعذوبة الكتابةلحسن الطالع
س12: تجربة الهجرة ماذا تقول عنها؟
– كل خير، هي مدرسة في حد ذاتها أن تكوني مهاجرة إلى بلد عربي، بالتأكيد سيكون الإحساس بالغربة مردودًا عليه، والشعور بالاغتراب مشكوكًا في صحته، ذلك أن اختياري لمملكة البحرين تحديدًا لكي تصبح بالنسبة لي وطني البديل أو المترافق مع وطني الأصلي مصر، قد كنت لحسن الحظ موفقًا حيث عملت في أول صحيفة يومية هي أخبار الخليج ولمدة 16 سنة، كرئيس للقسم الاقتصادي ثم انتقلت بعدها إلى صحيفة الأيام التي أكتب فيها عمودًا أسبوعيًا حاليًا وذلك قبل أن أكون رئيسًا تنفيذيًا للتحرير بصحيفة الميثاق اليومية، ثم رئيسًا لتحرير صحيفة أسواق الاقتصادية الأسبوعية كأول صحيفة أيضًا في هذا المجال الحيوي والصعب. مملكة البحرين أضافت لي علمًا، وخلودًا ورسوخًا واستقرارًا في كل شيء، فهي البلد التي نضجت فيها، وهي المكان الذي رغبت في العيش به بكل فخر وتجلي واعتزاز، يحفظ الله مصر، ويحفظ الله البحرين.
س13: ماذا يقول أسامة مهران الإنسان، لأسامة مهران الشاعر؟
– لا شيء، صدقيني لا شيء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق