أسباب محتملة لموجة العنف في فرنسا… ما وراء الأزمة الداخلية

4

كتب: مارك مجدي. 

 

شهدت فرنسا اضطرابًا في أكبر مدنها مع اندلاع أعمال شغب واحتجاجات واسعة، بعد مقتل مراهق من أصول جزائرية على يد الشرطة، وهو ناهل مرزوق البالغ من العمر 17 عامًا.

وقد أدى الحادث، الذي وقع يوم الثلاثاء 27 يونيو 2023، إلى اعتقال الآلاف من المواطنين في مدن من بينها باريس ومارسيليا، بعد أن خرجت تجمعات ضخمة إلى الشوارع احتجاجًا على ممارسات الشرطة الفرنسية.

عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدة اجتماعات أمنية طارئة، ودعا إلى التهدئة مُطالبًا الآباء بالتأكد من بقاء أبنائهم في منازلهم وبعيدًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لإبطاء أعمال الشغب.

ما الذي تسبب بالضبط في أعمال الشغب الفرنسية? وأين تحدث هذه الأعمال؟

بدأت أعمال الشغب الأخيرة بعد مقتل المراهق، وذكرت الشرطة أن الضباط الموجودون في الواقعة كانوا قد شعروا بالخطر مما اضطرهم لاستخدام العنف المفرط، ومع ذلك، تشير مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للحادث إلى أن هذا ليس صحيحًا.

أثارت وفاة الشاب احتجاجات في جميع أنحاء فرنسا شملت إتلاف الممتلكات، وإشعال النار في السيارات، نهب المحال التجارية واعتقال الآلاف. كما توفى رجل إطفاء باريسي وهو يحارب حريقًا في موقف للسيارات تحت الأرض.

تم القبض على ضابط الشرطة الذي أطلق النار على ناهل مع إحالة القضية على الفور إلى المحاكم من قِبل الرئيس ماكرون. ودعت عائلة ناهل، إلى جانب كثيرين آخرين، إلى تهدئة أعمال الشغب، وقالت إن البعض يستخدم موته كذريعة لاستعمال العنف. وبالطبع لفرنسا تاريخ طويل من أعمال الشغب  ضد الشرطة في جميع أنحاء المدن الكبرى.

صرح الرئيس ماكرون: “أود أن أعرب عن مشاعر حزن الأمة بأسرها إزاء موت الشاب ناهل، وأن أخبر أسرته بتضامننا…لدينا مراهق قُتل. إنه أمر لا يمكن تبريره ولا غفرانه”.

باريس هي الجزء الأكثر تضررًا من فرنسا حيث كانت الأقرب إلى مكان إطلاق النار. تنتشر أعمال الشغب في مدينة نانتير والضواحي المحيطة بها، كما تنتشر أيضًا في المدن الفرنسية ليل وتولوز ومارسيليا وليون.

اجتاحت أعمال الشغب المدن، لكن بدأت وتيرتها في التراجع تدريجيًا. تجري المظاهرات خلال النهار مع انتشار أعمال الشغب ليلًا.

ما وراء مقتل المراهق

بالتأكيد هناك الكثير من الأبعاد التي يمكن الاستعانة بها في فهم اللحظة التي انتهت إليها الأوضاع في فرنسا اليوم، بداية من الاحتجاجات التي سبقت هذه الأعمال العنيفة اعتراضًا على قانون رفع سن التقاعد الذي أقرته الحكومة الفرنسية، والذي ترتب عليه العديد من التظاهرات في عديد من المدن الفرنسية التي شهدت اشتباكات طفيفة بين المتظاهرين والشرطة، لكنها كانت بكل الأحوال أقل عنفًا بكثير من موجة الاحتجاجات الحالية، وبشكل عام وفي موجات احتجاجية سابقة، كانت الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة تتسم بالعنف الذي واجه الكثير من النقد من النخب الحقوقية والسياسية. لكن تظل الموجة الاحتجاجية الراهنة غير مسبوقة  في الأعوام الأخيرة، مما دعا البعض لتوصيفها ك”ثورة ملونة” في فرنسا. خسائر عمليات الشغب حتى الآن قُدرت بنحو 1 مليار دولار، أي أن حالة النهب والعنف ربما تكون قد تفاقمت لتكتسب الطابع المنظم. في ليلة 30 يونيو و1 يوليو وحدهما، كانت هناك 41 هجومًا على مراكز الشرطة التي تم استهدافها، مما أدى إلى إصابة 79 ضابط شرطة. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك 2560 حالة من الحرائق في الشوارع، إلى جانب 1360 سيارة محترقة و 234 مبنى.

في محاولة لاستعادة السيطرة، نشرت الحكومة 45000 ضابط شرطة في الشوارع، ومع ذلك، استمرت أعمال الشغب بكثافة كبيرة لفترة متتالية مدتها خمسة أيام، مما شكل تهديدًا كبيرًا على استقرار البلاد.

القوام الرئيسي للتظاهرات وأعمال الشغب، حسب المتاح من مشاهدات ومقاطع مصورة، يتكون من فئات المهاجرين، بالأخص من شمال أفريقيا، وهو ما يثير حالة احتقان سياسي ويستدعي كذلك ارتفاع لوتيرة الحطاب اليميني في مواجهة المهاجرين في فرنسا، وهو ما دعا اتحاد نقابات الشرطة الفرنسية إلى وصف الموقف في بيانها الأخير بأن فرنسا قد تكون على شفير الحرب الأهلية.

تحولت الاحتجاجات العفوية في غضون أيام قليلة إلى أعمال شديدة العنف يشتبه فيها الطابع المنظم، وسرعان ما بدأ خطر توقف الحياة اليومية في مدن كبرى بفرنسا ممكنًا.

موجة الاحتجاجات كبيرة وغير مسبوقة إذًا، هل لا يتجاوز الأمر مجرد الغضب الناجم عن مقتل مراهق من أصول شرقية؟

يعتقد مراقبون ومحللون أن هناك الكثير من الخيوط التي تُنسج خلف هذه الأحداث، على خلفية العلاقة المتوترة بين فرنسا وأطراف من حلف دول الغرب المهيمنة ( الغرب الأنجلو – أمريكي)، ولهذا التوتر امتداد تاريخي متعاقب بين فترات متنوعة.  في إطار التحالف الأوروبي الأمريكي، رفضت فرنسا باستمرار قبول دور الشريك الثانوي، أو الحليف الغير مشروط للدولة الأمريكية القائدة. خلال اللحظات الحاسمة كانت فرنسا دائمًا شريكًا غير يسير.

فيما يلي بعض الأمثلة من العقدين الماضيين التي تسلط الضوء على الخلافات والصراعات بين الجانبين:

مواقف فرنسية خارج السرب الغربي

في الجزء الأخير من عام 2002 وأوائل عام 2003، انخرطت إدارة جورج بوش بشكل مكثف في طلب الدعم من حلفائها لغزو العراق. في فبراير 2002، قدم وزير الخارجية الأمريكي الحجج في مجلس الأمن الدولي، زاعمًا أن العراق يمتلك أسلحة  للدمار الشامل.  ظل وزير الخارجية الفرنسي أنذاك دومينيك دو فيلبان غير مؤيدًا لهذه الجهود نحو كسب التأييد لغزو العراق، وفي خطاب لاذع، انتقد تبرير الولايات المتحدة للحرب والعرض الذي قدمه كولن باول باعتباره طرحًا مشكوكًا فيه وغير مقنع. بعد بضعة أسابيع، في 10 مارس 2003، أوضح الرئيس جاك شيراك بشكل لا لبس فيه أن فرنسا ستصوت ضد أي قرار للأمم المتحدة يجيز هجومًا أمريكيًا على العراق، لتنضم فرنسا لروسيا والصين في رفض الغزو.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان أحد الأهداف الأساسية للتحالف الأنجلو أمريكي هو تطويق روسيا من خلال دمج الدول المجاورة لها من الغرب والجنوب الغربي في حلف الناتو. من خلال جولات متعددة من التوسعات، حيث أضاف الناتو 14 دولة لعضويته، وكانت الأهداف التالية هي أوكرانيا وجورجيا: خلال قمة الناتو في أبريل 2008، أصدر حلف الناتو مذكرة بوخارست. وعلى وجه التحديد، ذُكرت أوكرانيا وجورجيا صراحة :”اتفقنا اليوم على أن تصبح هذه الدول أعضاء في الناتو”.

عارضت فرنسا القرار علانية بحجة أنه سيزيد من خطر نشوب صراع مع روسيا.

وفي مقابلة مع الإيكونوميست في أكتوبر 2019، حذر الرئيس الفرنسي الدول الأوروبية من الاعتماد على تحالف عسكري تهيمن عليه الولايات المتحدة، مضيفًا: “ما نشهده حاليًا هو الموت الدماغي لحلف الناتو “، مؤكدا على ضرورة أن” تستيقظ أوروبا وتعترف بدورها الإستراتيجي كقوة جيوسياسية”.

تطور الأمر وأصبح الرئيس ماكرون وحكومته أكثر إزعاجًا للمؤسسة الأنجلو أمريكية مع تصاعد الصراع في أوكرانيا. ومن بين القادة الأوروبيين، انخرط ماكرون على نطاق واسع في الحوار مع نظيره الروسي، وأعطى الأولوية للجهود الرامية إلى تحسين العلاقات بين روسيا وفرنسا. كما حاول التأثير على الدول الأوروبية الأخرى لتبني سياسة أكثر استقلالية في القارة.

في مقابلة بثت في 3 ديسمبر 2022، أكد ماكرون على أهمية اعتراف الغرب بالمخاوف الأمنية لروسيا بشأن توسع الناتو بالقرب من حدوده. ودعا إلى مزيد من الاستعداد لتزويد موسكو بـ “الضمانات” اللازمة لتسهيل المفاوضات الناجحة والتوصل إلى حل سلمي. وقال إن هذه الضمانات “ضرورية” إذا كان الغرب يرغب حقًا في إجراء مناقشات موضوعية وتسوية سلمية. كذلك اعترف ماكرون بمخاوف بوتين المتكررة بشأن قرب حلف شمال الأطلسي من حدود روسيا. أثارت هذه التصريحات الغضب بين الحلفاء الأنجلو أمريكيين ووسائل الإعلام الغربية، الذين اتهموا الرئيس الفرنسي بأنه دمية مؤيدة للكرملين.

علاوة على ذلك، أثارت زيارة إيمانويل ماكرون للصين في الفترة من 6 أبريل إلى 8 أبريل 2023 المزيد من الغضب الغربي. وأعرب “خبراء الأمن القومي” الغربيون عن قلقهم الشديد من الزيارة، معتبرين أنها واحدة من أهم الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها قوة أوروبية كبرى كفرنسا.

خلال رحلة عودته من بكين، خاطب ماكرون الصحفيين وأعرب عن حاجة أوروبا لمقاومة أن تتحول لتابعًا للولايات المتحدة. وشدد على” الخطر الكبير ” الذي تواجهه أوروبا من خلال التورط في أزمات لا شأن لها بها. كما سلط الضوء على اعتماد أوروبا المتزايد على الولايات المتحدة للحصول على الأسلحة والطاقة، مؤكدًا على أهمية تعزيز صناعاتها الدفاعية. كذلك حاول لمرة وأكثر تبني مبادرة لتكوين جيش أوروبي موحد، لكنها محاولات كانت فاشلة لاعتبارات كثيرة، أولها معارضة مستترة للجانب الأمريكي لهذه الفكرة.

أثناء وجوده في الصين، وقع ماكرون العديد من الاتفاقيات التجارية لتوسيع التجارة الثنائية بين فرنسا والصين، والتي سيكون الكثير منها مقومًا باليوان الصيني. حتى قبل زيارة ماكرون، بدأت الشركات الفرنسية في إبرام مثل هذه الصفقات، أولها شراء 65000 طن متري من الغاز الطبيعي السائل  باليوان.

أخيرًا، خلال محادثة هاتفية حديثة، طلب ماكرون دعوة من رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا للمشاركة في قمة بريكس الـ 15 المقرر عقدها في جنوب إفريقيا في أواخر يوليو أو أوائل أغسطس.

إن إحجام فرنسا عن الامتثال للمؤسسة الأنجلو أمريكية، وشكوكها تجاه فعالية التحالف العسكري، وسعيها لاتفاقيات تجارية مع الصين واستخدام اليوان، ومحاولاتها لإقامة علاقات سلمية مع روسيا، وانفصالها عن الاجماع الأوروبي في مسألة أوكرانيا، هي بالتأكيد ممارسات غير مقبولة بالنسبة للمؤسسة الأنجلو أمريكية.

عقاب فرنسا

يرى مراقبون أن الوقت قد حان لتوبيخ فرنسا وإجبارها على الامتثال للأجندة التي وضعتها القوى الأنجلو أمريكية. كان الدليل الدامغ على الموقف الذي أظهره التحالف الأنجلو أمريكي تجاه فرنسا هو الإعلان في عام 2021 عن تحالف أوكوس الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا. كانت الصفقة الفرنسية الهامة مع أستراليا لتزويد الأخيرة ب12 غواصة تقليدية صفقة ضخمة،  بقيمة 37 مليار دولار، اعتبر الدبلوماسيين الفرنسيين هذا الاتفاق اتفاق القرن، ليس فقط بسبب قيمته المالية الكبيرة وتعزيز العلاقة الفرنسية الأسترالية، ولكن أيضا لتأمين النفوذ الإستراتيجي الفرنسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فوجئت فرنسا بإلغاء الصفقة واستبدالها بصفقة أخرى مع الولايات المتحدة وبريطانيا. ربما كانت من هنا بداية التصرف الأنجلو أمريكي تجاه فرنسا.

لم يتوقف الموقف من فرنسا على التصرفات التجارية والعقود الدولية، كان لهذا الأمر صدى إعلامي في المؤسسات الإعلامية الغربية، حيث نشرت صحف إنجليزية وأمريكية تقاريرًا عن الماضي الاستعماري الفرنسي، منها الإيكونمست والجارديان والفورين بوليسي، مع تغطية مكثفة لقضية التعويضات التي طلبتها هايتي جراء التدخلات العسكرية والاستعمار الفرنسي للبلاد.

وربما لا تبتعد إشارات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني للماضي الاستعماري الفرنسي عن هذا الهجوم الدعائي على فرنسا، تحدثت ميلوني عن استغلال فرنسا لبوركينا فاسو واستعمار فرنسا المالي لها، في رسالة من ميلوني للاتحاد الأفريقي. وجدير بالإشارة أن ميلوني ترتبط بمعهد أسبن للدراسات، والذي تدعمه شخصيات بارزة من المؤسسة الأنجلو أمريكية.

في محاولة أخرى لإحراج فرنسا، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا موسعًا في مايو 2022 بعنوان” الفدية: كيف استولى بنك فرنسي على هايتي “، والذي تعمق في سرد الانتهاكات الاستعمارية الفرنسية في هايتي.

يرى مراقبون أن فرنسا تتعرض لهجومًا متعدد الجوانب من قِبل المؤسسة الأنجلو الأمريكية، ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن ماكرون وحكومته هم أبطال هذا الصراع المعادون لهيمنة التجمع الأنجلو أمريكي لاعتبارات تحررية، ففرنسا قوة استعمارية تدافع عن مصالحها التاريخية في نهاية المطاف، لكن ليس هناك مجالًا للشك في أن مقاومة فرنسا للهيمنة الأنجلو الأمريكية المنفردة لن تمر دون رد. يظل السؤال قائمًا، هل ترتبط الاحتجاجات العنيفة اليوم بهذا السياق ارتباطًا مباشرًا، أم أنها لا تتجاوز أزمة مجتمع يعاني من انقسام داخلي؟

 

التعليقات متوقفه