الهجرة إلى الصين

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 - 5:02 مساءً
الهجرة إلى الصين

أنا مهاجرة.. أهاجر إلى الصين لساعتين كل يوم. ولقد أدمنت مشاهدة المذيعة تيان وي Tian Wei والمذيع يان روي Yang Rui فى برنامجها اليومي حوار Dialogue منذ كانا يتبادلان تقديمه إلى أن استقل Yang Ruiبالبرنامج لتتفرغ هي لبرنامج آخر مماثل. ولقد عرفت طريقي إلى هذه الهجرة اليومية منذ إنشاء القناة الصينية cctug أهرب إليها من عواصف الشطط التي ألمت بقنواتنا وأجد فيها ضالتي، وأحدث عنها كل من يسألني، لماذا تشاهدين ؟! كنت أؤكد لكل من يسألني أن الباحث عن الطاقة الإيجابية يجدها على هذه الشاشة الصينية الناطقة باللغة الإنجليزية، فلا تكلف ولا بهرجة ولا رموش صناعية ولا استعراض للشعر المستعار ولا لعمليات شد أو نفخ الوجوه ولا أثر لأي مجوهرات، عيون المذيعين والمتحدثين هي الجواهر الوحيدة، تشع منها الثقة من غير تبجح، كما تنطق بالكبرياء بعيدا عن أن تكبر، أما عن البساطة، أو الأناقة فالواضح أنها فى الطبع أصيلة.. يصلك كل ذلك من أول طلة، ويظل يلازمك حتى نهاية البرنامج، أي برنامج أو نشرة أخبار.
أما إذا بدأ الكلام.. فعلى الفور تدرك أنهم يجيدون فن الاستماع أولا ومنه تأتي أسئلتهم فى مكانها، يتضح منها دراسة متعمقة لموضوع البرنامج بزواياه وأبعاده وجذوره، وهم ليسوا من النوع الذي تستهويه الثرثرة لمجرد إثبات الوجود وإنما هم يفرضون حضورهم اللطيف عارفين بالحدود، فالحديث عن الصين إن كان من جانبهم فلايزيد عن التأكيد، « نحن دولة نامية «، أما سرد الإنجازات فلا يرد إلا على ألسنة المتخصصين من الأجانب.
أقوى رجل فى العالم
فى حلقة برنامج حوار التي أذيعت فى آخر يوم من أيام انعقاد الدورة التاسعة عشرة للمؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني حاور Yang Rui أربعة من الضيوف وكان السفير الشيلي فى الصين واحدا منهم، وجاء السؤال الأول عن أهم ما خرج به كل منهم فقال السيد جورج هاين Joerge Hein سفير شيلي إنه مهتم جدا بإعلان الرئيس الصيني ش شين بنج خطة العمل التي لم تقتصر على السنوات الخمس التالية بل امتدت لتصل لمنتصف القرن الحادي والعشرين فيما يتصل بتحقيق الرفاهية المعتدلة لجميع أهل الصين، وقال إن هذه أول مرة يستمع فيها عن مثل هذا التعبير “ الرفاهية المعتدلة “ uboderce prosperity، تعبير دقيق يؤكد الأمل خاصة، حين نتذكر أن الصين نجحت فى إخراج مائة وخمسين مليونا من أبنائها من دائرة الفقر، وحين جاء وقت ظهور السيد مارتين سيف Martin Seiff عبر الأقمار الصناعية، وهو من معهد السياسة العالمية فى واشنطن فقد سأله Yang Rui عن رأيه فى وصف إحدى الصحف للرئيس الصيني بأنه أقوى رجل فى العالم، ولقد أجاب الرجل الأمريكي بأن هذا أمر طبيعي جدا، فرئيس الصين هو أمين عام للحزب الشيوعي الصيني، وهو أكبر حزب حاكم على مستوى العالم، وهو الحزب الذي يضم فى عضويته مائة مليون من أبناء الصين الذين زادوا عن المليون، وهو الحزب الذي تتمتع البلاد فى ظله بنوع من الاستقرار تفتقده الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول الغرب فى العموم، وما نجده فى السياسة نجده فى الاقتصاد، فلقد واصلت الصين صعودها الاقتصادي حتى أصبحت ثاني قوة اقتصادية فى العالم فى 2014.
والآن أصبحت على القمة، وفى الوقت الذي تعاني فيه البنية الأساسية فى الولايات المتحدة الأمريكية من أوضاع مزرية فلقد أضاف الرئيس الصيني إلى نجاحاته فى هذا المضمار مشروعا كونيا هو مشروع « الحزام والطريق « وذلك الذي ينهض بشبكات من الطرق تخلق فرص عمل للملايين من أبناء آسياء وأفريقيا وأوروبا وعبر كل البلاد الداخلة فى ألوف المشروعات التنموية ذات الصلة، بمشروع يأتي فى الأصل إحياء لطريق الحرير.
يجيد Yang Rui توزيع الوقت والأسئلة بين ضيوفه الأربعة، يستوى فى ذلك المتحدثان معه فى الأستديو أو الآخران اللذان يأتي حديثهما عبر الأقمار الصناعية، يسير الحوار فى تدفق وسلاسة لا يشوبها قراءة من الأوراق المعدة أمامه على الطاولة أو مقاطعة فجة لأي من المتحدثين، وحين تنتهي الثلاثون دقيقة المخصصة للبرنامج أصفق له وأنا أقول شكراً، الف شكر على هذه المسرة التي يهديها لنا بحزمه وحضوره وقدرته على هندسة الكلام مع ضيوفه بما يحقق لنا الفهم الذي منه تأتي المتعة، أكاد أظنه يحقق نفس المتعة لضيوفه، ذلك أنه يعطي لكل منهم فرصة لمتابعة الآخرين، بما يساعد على التذكر والتعليق والإضافة…
يخطئ من يظن أن هناك فروقا فادحة بين مستويات الآداء على اختلاف المذيعين والمذيعات، أو اختلاف أنواع البرامج سواء كانت فى السياسة أو الاقتصاد أو الفنون أو شئون المجتمع ومشاكل الشباب الصيني، ففى بلد يحكمه مبدأ الجدارة وليس الوساطة يحتار المرء إن حاول ترتيب أوجه التميز، يصدق ذلك على الصينيين كما هو يصدق على المراسلين الأجانب، ينتشرون فى عواصم العالم، والمراسل من أي بلد هو واحد من أبنائها، وغالبا ما يدخل فى حوار مع مذيع أو مذيعة نشرة الأخيار بما يوضح لنا ما يحدث فى البلد المعين وفى نفس الوقت نعرف موقف الصين من هذا الحدث أو ذاك، أما فى أيام انعقاد الدورة التاسعة عشرة لحزب الشعب الصيني فكنا نشاهد أثناء النشرة الأخبارية ثلاثة أو أربعة مراسلين فى نفس الوقت يجيبون بالتوالي على أسئلة مقدم أو مقدمة النشرة، فواحد يشير إلى مغزى المراجعة المستمرة للسياسات وتعديلها حال لزوم ذلك مثلما حدث بعد الاندفاع فى الانتاج الصناعي وما ترتب عليه من زيادات مقلقة فى مستويات التلوث وكيف أنهم الآن يطبقون من الأساليب ما أدى إلى خفض التلوث بنسب ملحوظة وتبني الرئيس ينج للاتفاقات الدولية بشأن معالجة التغير المناخي، يتحدث مراسل آخر ليبين اهتمام المسئولين فى بلاده باتجاه الصين إلى تحقيق مجتمع الرفاهية المعتدلة، كما أعلن الرئيس ينج فى صياغة مبتكرة، يكمل مراسل ثالث بأن الابتكار مرتكز يهم الرئيس الذي قال فى خطابه الافتتاحه لمؤتمر الشعب الصيني « إننا نريد تحقيق الاشتراكية بخصائص صينية « وكيف أن أفكار الرئيس ينج أٌدرجت فى الصيغة الجديدة لدستور البلاد والتي اعتمدها مؤتمر الشعب ليرفع بذلك أسم ش شين ينج إلى مصاف قادة الصين العظام، الزعيم ماو والسي دنج هيشياوبنج، وحين أتى دور أحد مراسلي القناة فى القاهرة، فقد اهتم ياسر عبد الحكيم بالإشارة إلى الروابط التاريخية بين مصر والصين منذ اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية، فور إعلانها 1949 كما أشار إلى عديد من مجالات التعاون منها الطاقة والبنية الأساسية وفى القلب منها “ الحزام والطريق “ وأكد أن قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بثلاث زيارات للصين فى غضون السنة ونصف السنة الماضية هو أمر غير مسبوق ولا يمكن أن تخفى دلالته كما لا يمكن حصر مجالات الاستفادة من الخبرة الصينية خاصة فى مكافحة الفقر والفساد.
يتعب من يبحث عن أي أثر للتباهي على هذه القناة ويتضح للمشاهد أن التفاخر ليس من صفات أهل الصين، كما وأن التباكي ليس من شيمهم، وليس معنى ذلك أنهم بلا مشاكل، أو أنهم يحسنون التغطية عليها، فهم على العكس يحددون مشاكلهم ويتتبعون إنجاز الحلول، وحين يتحدث الخبراء الأجانب عن الطفرة الاقتصادية التي نتجت عما أدخله دنج هيشاوبنج من إصلاحات أواخر الثمانينات من القرن الماضي حولت مسار الاقتصادي الصيني وأدخلت الملكية الفردية على أكبر دولة شيوعية فى العالم لتتيح تعاونا فريداً، بين القطاعين العام والخاص، فإن المذيع الصيني الأريب لابد أن يذكر بتلوث الهواء، كما يذكر بمناطق لا تزال تعاني من الفقر وتوابعه فى بعض أقاليم الصين إلى جانب التنويه بمشاكل الفساد، صحيح أن خطة ينج أطاحت بألف وخمسمائة فى العام الماضي، وربما بعدد مماثل هذا العام كما بينهم وزيرة عدل سابقة، إلا أنه يمضى فى الخطة بلا هوادة، لكن شبكة المتخصصين الأجانب ومنهم رؤساء دول ورؤساء جامعات ومعاهد ومراكز بحوث علمية تجعل الكلام فى إنجازات الصين أكثر إقناعا بل إن منهم من قال إن الصين التي حققت هذه المعجزة الاقتصادية لقادرة على إنجاز ما تطمح إليه، وفى مراكز الدراسات الغربية تجرى بحوث منها لأساتذة أمريكيين يتوقعون أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة الأمريكية فى كافة المجالات بحلول عام الفين وثلاثين..
أواصل بدأت رحلة الهجرة اليومية إلى cctvg وقد طورت نفسها أكثر وأصبحت منذ بداية هذا العام 2017 الشبكة العالمية CETN للتليفزيون الصيني، تبرهن الصين بها على صدق إيمانها بأن الجدارة هي الحل.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.