قضية للمناقشة: وعود المواهب والأفكار

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 - 5:12 مساءً
قضية للمناقشة: وعود المواهب والأفكار

تنعقد فى منتصف ديسمبر الدورة الثانية والثلاثون للمؤتمر العام لأدباء مصر، والذي كان فى بداية نشأته ينعقد باسم مؤتمر أدباء الأقاليم وبدا كأن هؤلاء الادباء هم صنف آخر من المبدعين لأنهم قادمون من خارج القاهرة. إذ القاهرة هي قلب الدولة المركزية التي تستحوذ على كل شيء.
ومن تابع تطور هذا المؤتمر منذ تأسيسه-مثلي- سوف يري بوضوح مقدار نضجه وشموله، وهو ما تحقق تدريجيا وتحاكميا على مر السنين، وهو ايضا ما صنعته المبدعات والمبدعون بوعي ومقدرة دون أن يتركوا شيئا للصدف.
ويخطئ من يتصور أن تسامح السلطات السياسية والثقافية مع التوجهات ضد اسرائيل ومن اجل الديموقراطية وحرية الفكر والتعبير والتي اصبحت عنوانا له قد كانت منحة من قبل هذه السلطات التي حاصرت المجال الديمقراطي، وإنما هو – أي هذا التسامح- فى واقع الأمر نتاج الاصرار والدأب والمثابرة والدفاع المستميت عن الحق فى الحرية والتعبير والعيش بكرامة، وعن الحق فى اختيار الرؤية والموقف بعيدا عن الضغوط، وهو ماتجلي فى الابداع الثري لعدة اجيال من المبدعات والمبدعين الذين أسهموا إن مباشرة أو بشكل غير مباشر فى اعمال الموجات الثورية المتتالية بعد أن شاركوا فى تمهيد الارض لها.
وبقي فى هذا السياق مفهوم الالتزام حيا وهو الذي حدد هؤلاء فى صياغة أسسه وتوسيع آفاقه- بقي حيا رغم ما تعرض له من حملات تشويه منظم من قبل المحافظين والرجعيين والمتسترين بالدين الذين طالما افزعهم أن غالبية المبدعات والمبدعين الجدد يحملون مشاعل التنوير والعقلانية والفكر النقدي الذي يخاصم الجمود والثبات، ويبين بمهارة هشاشة الافكار والرؤي التي يطرحها اليمين الديني عامة.
وسوف يظل هذاالمؤتمر مناسبة مهمة للنظر النقدي فى انتاج هؤلاء المبدعات والمبدعين، والانصات إلى الدبيب الخافت لهذا التيار التحتي الذي ينساب ببطء، بل ويتجدد كنبع لا ينضب كلما شهدت عضوية المؤتمر وجوها جديدة تنهل من علاقتها العضوية الحميمة بحياة الناس العاديين من الطبقات الشعبية والوسطي فى الريف والمدن الصغيرة التي تأتي منها غالبية عضوية المؤتمر والتي اختبرت التهميش والإهمال لزمن طويل بسبب بعدها عن المركز والاوضاع الاجتماعية- الاقتصادية الصعبة التي يعيش فيها هؤلاء.
اختارت امانة المؤتمر عنوانا بالغ الدلالة لهذه الدورة هو “التأسيس الاجتماعي للادب” كما اختار “طه حسين” شخصية المؤتمر لتؤكد فى المحورين التواصل مع تراث المؤتمر وقضاياه منذ اكثر من ثلاثين عاما، ومع القضايا الراهنة ايضا فى المجتمع المصري المشغول بتطوير التعليم، وهو يذكرنا بالدور المجيد الذي لعبه “طه حسين” سواء حين كان وزيرا للمعارف والتربية والتعليم الآن أو حين وضع كتابه التأسيسي “ مستقبل الثقافة فى مصر” الذي رأي فى ديمقراطية التعليم وفى مناهجه ووحدته الاساس الأول لبناء ثقافة وطنية جامعة، وتربية اجيال مؤهلة وقادرة على اعمال الفعل فى كل الشئون ودون ضعف، وبعد أن كتب هذا الكتاب الذي اعاد المؤتمر نشره، أخذ يتجول فى كل اقاليم مصر لينشئ المدارس، ويحث الاغنياء على الاسهام فى هذا العمل الوطني المجيد. ولا يخفى علينا أن اصلاح التعليم الآن يسير عكس منهج طه حسين.
ويدخل المؤتمر فى هذه الدورة الي منطقة شائكة هي توظيف التراث القبطي فى الرواية المعاصرة، وهو بحث كتبته “دينا محمود عبد الرحمن”، ولابد أنه سيكون موضوعا لنقاش واسع. ورغم كل هذه الجهود الشريفة والنبيلة التي يبذلها القائمون على المؤتمر، فماتزال هناك فجوة واسعة بين المبدعات والمبدعين فى الاقاليم من جهة، وبين المنابر الاعلامية والثقافية التي تقدمهم لجمهور المتلقين من جهة اخري، وهي معضلة امتد البحث فى جذورها منذ المؤتمر الاول، وماتزال فى حاجة إلى علاج مؤسسي وليس فرديا، خاصة بعد أن ازداد عدد سكان مصر واصبحت تضم اكثر من مائة| مليون مواطن بينهم ملايين المبدعات والمبدعين الذين يحتاجون إلى رعاية حقيقية.
وتتزايد كل دورة اعداد المبدعات اللاتي يشاركن فى المؤتمر كباحثات اوشاعرات او قاصات، ومع ذلك فما تزال هذه المشاركة اقرب ما تكون الي الرمزية. وعلينا أن نضع فى الاعتبار حقيقة ان التضييق على النساء فى الحياة الاجتماعية داخل الاسرة وخارجها يهدر فرص وامكانات مبدعات واعدات سرعان ما تذوي مواهبهن وسط الحصار المادي والمعنوي، وقليلات هن اللاتى يفلتن من هذا الحصار. ونحن مطالبون هنا ان نطبق مبدأ التمييز الايجابي لصالح المبدعات فنختار عددا اكبر منهن للمشاركة خاصة من بين المقيمات فى الاطراف البعيدة اعمالا للمبادئ والقيم العليا التي قام عليها هذا المؤتمر أي المساواة والحرية والكرامة الانسانية، وهي القيم والمبادئ التي استقرت فى صلب النسيج الاجتماعي بعد موجات الثورة رغم كل اشكال التدهور القيمي والاخلاقي الذي اخذ يظهر بقوة فى بعض سلوكيات المصريين.
سوف يبقي مؤتمر ادباء مصر انجازا كبيرا فى حياتنا الثقافية وهو رغم كل شيء يعدنا بالمواهب والافكار.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.