النظام الخاص ودولة جماعة الإخوان.. شهادات ووثائق: «الجيش الإسلامى» ذراع «البنا» لضرب الخصوم.. «تفخيخ السيارات» صناعة إخوانية استخدمتها الجماعات الإرهابية

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 - 7:27 مساءً
النظام الخاص ودولة جماعة الإخوان.. شهادات ووثائق: «الجيش الإسلامى» ذراع «البنا» لضرب الخصوم.. «تفخيخ السيارات» صناعة إخوانية استخدمتها الجماعات الإرهابية

“جحر الثعابين”.. الذي تردد الكثيرون أمام الاقتراب منه، ونبشه، خوفا من لدغات أفاعيه، فقرروا الإشارة إليه من بعيد والدوران حوله بحذر، بينما حاول آخرون اقتحامه ومواجهته فى بداياته ومراحل نشأته، لكشفه، والإجهاز عليه، ليلاقي بعضهم مصيره مغدورا على عتباته، ومن بينهم؛ أحمد ماهر باشا، والنقراشي باشا، رئيسا وزراء مصر قبل ثورة يوليو، بالاضافة الى القاضي أحمد الخازندار، وغيرهم الكثير باتوا من تعداد السابقين على يد من أرادوهم عبرة للاحقين. هو “النظام الخاص” الميليشيا المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين…  قررت إحدى الباحثات عن المتاعب خوض التجربة، فى مهمة للاقتراب أكثر من ذلك النظام السري، وفضح جرائمه والتعرض لظروف نشأته ومحطاته عبر التاريخ. هي الصحفية والإعلامية المصرية، سوزان حرفي، والتي تخرجت من كلية الإعلام – جامعة القاهرة، وعملت كمراسلة بالعديد من المنابر الإعلامية الكبرى، وشاركت فى تأسيس الشق الخاص بالتلفزة العربية فى عدد من المواقع الالكترونية المهمة. اتجهت “حِرفي” للعمل كمذيعة إعلامية فى عدة قنوات فضائية منها قناة المحور وشبكة الجزيرة الإعلامية، والتي ظلت بها أربع سنوات ثم أعلنت استقالتها منها احتجاجا على سياسات القناة.
كمتسلق جبال، كما وصفها كمال الهلباوي، أحد القادة السابقين لجماعة الإخوان المسلمين، فى تقديمه لكتابها، قررت الصحفية والإعلامية سوزان حرفي، نبش ذلك الجحر، الذي لم تسلم مصر وربما العالم أجمع، الى يومنا هذا من سموم ثعابينه. وقدمت فى قرابة أربع مائة صفحة ملخص لنشأة ذلك النظام الإرهابي وأهدافه، والتكوين والبيعة، وكذلك جرائمه عبر التاريخ، وصولا الى الفصل الأخير المعنون بـ “النظام الخاص والسقوط”، لتُخرج لنا “دار ميرت للنشر” كتاب : “النظام الخاص ودولة الإخوان المسلمين” للكاتبة والإعلامية سوزان حرفي..
تقول الكاتبة : “إن جماعة الإخوان المسلمين، عندما بدأت عام 1928، بدأوا مباشرة بالدعوة العامة والنظام المسلح السري، ويُدوّن التاريخ حركة ونشأة وأهداف التنظيم الخاص، مرورًا بالعمليات التي قاموا بها، من اغتيال القاضي الخازندار، وقبلها رئيس وزراء مصر، أحمد ماهر”.
وأشارت الكاتبة، إلى أنها حاولت أن تثبت فى الكتاب، أن الإخوان هم من قتلوا أحمد ماهر، وكذلك النقراشي، كما تتناول صدامهم مع الرئيس الراحل، جمال عبدالناصر، ومحاولة اغتياله، وتنظيم ١٩٦٥، وصولًا لمرحلة الإحياء وأفكار العمل المسلح فى فترة السبعينيات، وأخيرًا وصولهم للحكم والثورة عليهم.
وأكدت “حرفي”، من خلال العديد من الوثائق، أن الإخوان هم أول من قاموا بعمليات التفجير والسيارات المفخخة، فى الأربعينيات. وترى أنها أول من يكتب عن النظام الخاص باعتباره هو النقطة المغلقة والمظلمة، معتمدة فى بحثها على العديد من المراجع والمصادر الموثوق بها، وبعض المعلومات على لسان أعضاء النظام الخاص نفسه أو من هم خارجه.
النشأة والأهداف
حمل النظام الخاص مسئولية العنف الذي قامت به الجماعة خلال الثلث الثاني من القرن العشرين، فى فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وهي العقود التي كانت الجماعة فيها طرفا مباشرا فى الصدام والمواجهة مع الدولة المصرية. وتشير الكاتبة الى أن الظروف والأحداث خلال هذه الفترة هي التي زادت من الصمت والتكتم على ذلك النظام الذي فرض على نفسه وعناصره التكتم والسرية وعدم الادلاء بأي معلومات حتى لأعضاء الجماعة نفسها.
وسعى المؤرخ الدكتور عبدالعظيم رمضان، للبحث عن الأهداف الحقيقية وراء إنشاء النظام الخاص، وتساءل عن سبب كل هذا التسليح من جانب البنا، هل كان لأسباب وطنية تتعلق بإخراج الإنجليز من مصر؟ أم كان لأسباب داخلية تتعلق بالاستيلاء على الحكم عند اللزوم؟. ويجيب رمضان على تساؤله فى كتاب “الإخوان والتنظيم السري” الصادر عن “روزاليوسف” عام 1982م، بأنه بالنسبة للسبب الأول فمن الثابت أن الأخوان لم يتورطوا فى أي دور من أدوار المقاومة السرية ضد الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية.
ويوضح “رمضان” : “ عندما أعد أحمد حسين، رئيس مصر الفتاة، خطة عمل ضد الإنجليز عند شروع الألمان فى الهجوم على الجزر البريطانية كما كان متوقعا، وحاول الاستعانة بحسن البنا وجماعته رفض البنا ذلك وقال له : “ انا لا نبحث عن مغامرة قد تخيب وتفشل وانما نعد انفسنا لعمل قوي وناجح، لان الفشل يكون كارثة لا على حركتنا أو مصر وحسب بل على العالم الإسلامي كله”.
وتشير الكاتبة الى أن عملية التراخي وعدم المشاركة فى مواجهة الإنجليز تكررت ايضا فى عهد المرشد الثاني للجماعة، وهو ما أكده الدكتور رفعت السعيد، فى كتابه “الإخوان المسلمون، الإرهاب المتأسلم.. لماذا ومتى وإلى أين؟”، الصادر عام 2004 عن شركة الأمل للطباعة والنشر، حيث يذكر أن الجهاز السري الذي زعم حسن البنا أنه أسس لمحاربة الاستعمار، قد تغيب تماما عن معارك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإنجليزي فى القنال بعد قيام ثورة يوليو، وقد تنصل المرشد العام المستشار الهضيبي من أي مشاركة فيه.
ونقل السعيد عن الهضيبي قوله : “كثر تساؤل الناس عن موقف الإخوان المسلمين فى الظروف الحاضرة، كأن شباب مصر كله قد نفر لمحاربة الإنجليز فى القنال، ولم يتخلف إلا الإخوان.. ولم يجد هؤلاء للإخوان عذرا واحدا يجيز لهم الاستبطاء بعض الشئ”، ومن هنا يتضح أن كلا من مؤسس الجماعة ومرشدها الثاني اتفقا أن الوقت ليس مناسبا بعد للمشاركة فى مواجهة الإنجليز وإخراجهم من مصر، وهو الهدف الذي تعللت الجماعة ولا تزال من وراء إنشاء “الجيش الإسلامي”.
أما عن الهدف الثاني الذي تعلل به “البنا” لإنشاء النظام الخاص، وهو مواجهة الاحتلال الصهيوني فى فلسطين، فأوردت الكاتبة ما ذكره جمال البنا، فى مذكراته عن أخيه: “ كان من الأصدقاء المقربين لـ”حسن” عبد الرحمن عزام الذي أصبح فيما بعد أول أمين لجامعة الدول العربية، وأمين الحسيني صاحب المقولة الشهيرة:” فلسطين لا تحتاج الى رجال، بل تحتاج الى السلاح” التي أيدتها حكومة مصطفى النحاس باشا، ووافقت على أن تسلك جماعة الإخوان طريقا غير قانوني لجمع السلاح بدعوى تحرير فلسطين، والأكثر أنها وعدت بأنها لن تتدخل أو تعترض الجماعة، وواكب ذلك نهاية الحرب العالمية الثانية، ما ساعد الإخوان فى جمع أسلحة كثيرة جدا من الجنود البريطانيين مقابل المال، أو جرعات من الكوكايين وخلافه من الطرق.
وأكدت “حرفي”: إذن لم يكن الهدف من تأسيس الإخوان لـ “ جيش المسلمين” هو مقاتلة الصهاينة فى الأساس، وهو ما أكده أيضا عبد الرحمن بك عمار، وكيل وزارة الداخلية فى شهادته أمام المحكمة بقضية مقتل النقراشي باشا، حيث قال إن الإخوان كانوا على أثر كل حادث يتمسحون بقضية فلسطين، وكنت متيقنا أن هذا التمسح باطل ولا أساس له، لانهم اذا كانوا يقصدون حقا خدمة فلسطين لتوجهوا لمكان التدريب الذي أعدته الحكومة فى “ هايكستيب” ظاهرين لا متخفين.. لا أن يذهبوا الى جبل المقطم للتدريب فى الخفاء”.
كان الهدف من وراء إنشاء النظام الخاص هو الدفاع عن الجماعة وضرب خصومها، لا مواجهة الإنجليز فى مصر، ولا الحركة الصهيونية المحتلة للأراضي الفلسطينية. وهو ما يراه الشيخ محمود عامر، رئيس جماعة أنصار السنة بالبحيرة، والذي أوردت “حرفي” شهادته، قائلا: “النظام الخاص تنظيم عسكري سري هرمي، أنشأه حسن البنا كذراع مسلحة يضرب بها خصومه”.
ويؤكد عامر : “ البنا كان مؤيدا للعنف بكل أشكاله فهو كان يرى من حيث المبدأ ضرورة ضرب التلاميذ بالعصا ويستحسن ضرب الخارجين عن طاعته حتى من داخل الجماعة وأن تبرأ من ذلك ( مذكرات الدعوة والداعية، ص 129). وهو الأمر الذي انتهى به لإنشاء التنظيم الخاص.
متى أنشئ النظام الخاص ؟
قد يبدو السؤال غريبا فى البداية خاصة مع القطع الذي تحاول الجماعة حسمه عبر مؤرخيها وقادتها بأن النظام الخاص أنشئ فى أوائل أربعينيات القرن العشرين، فالمؤرخ الرسمي للإخوان محمود عبدالحليم، الذي كان يحتل مكانة متقدمة بالنظام الخاص فى مرحلة من المراحل يذكر أن النظام الخاص نشأ بداية عقد الأربعينيات.
حين دعا البنا خمسة من الثقات حوله وهم :صالح عشماوي، وحسين كمال الدين، وعبدالعزيز أحمد، وحامد شيرت، الى جانب محمود عبدالحليم، ليكونوا النواة الأساسية والمسئولين عن هذا النظام.
العام 1938م هو أيضا تاريخ أوردته “حرفي” فى كتابها لنشأة النظام الخاص عند الإخواني البارز أحمد رائف، الذي أكد فى مقدمة كتاب “تجربتي مع الإخوان من الدعوة الى التنظيم السري”، الصادر عن الزهراء للإعلام العربي، للدكتور السيد عبدالستار المليجي، أن حسن البنا أنشأ النظام الخاص فى هذا العام- أي 1938-، بناء على نصيحة عزيز باشا المصري، وهو العام نفسه الذي ذكره المستشار الدمرداش العقالي، أحد أعضاء الجهاز الخاص البارزين وزعيم طلبة الإخوان، أوائل الخمسينيات بالجامعة.
أما المرشد الثالث للجماعة عمر التلمساني الذي انضم للجماعة عام 1933 قال: أنشأت الجماعة هذا النظام فى عام 1936 بهدف تحرير مصر من الإحتلال البريطاني ثم انحرف عن الطريق، وقد يكون هذا التاريخ أكثر واقعية مع ما ذكره أحمد عادل كمال بربطه بين الثورة العربية فى فلسطين وبين الحاجة لإنشاء التنظيم الخاص، لكن قول التلمساني بأن التنظيم نشأ لتحرير مصر من الإستعمار البريطاني وهو الاستعمار الذي ولدت الجماعة نفسها فى ظل وجوده يفتح الباب للظن بأن النظام كان سابقا على بداية الثورة فى فلسطين. كما أوردت “حرفي” العديد من الشهادات الاخرى التي أشارت الى أن النظام الخاص كان موجودا قبل عام 1935 متمثلا فى فرق الجوالة والرحلات.
التكوين والبيعة
تطور شكل وهيكلة النظام الخاص لدى الإخوان أو الجيش الإسلامي كما تطلق عليه الوثائق السرية للنظام مع مرور الوقت، وقد تطابق تشكيله مع تكوين الجيوش الحديثة من حيث الهيكل فكان له قيادة عليا وهيئة أركان وجنود. لكنه اختلف مع الجيوش النظامية على مستوى هيكلية الجنود التي اتخذت شكلا عنقوديا وذلك للحفاظ على السرية التامة حتى داخل أعضاء النظام نفسه، فلم توجد مايمكن أن يطلق عليه فرقة ولا كتيبة بالمعنى الحرفى للكتيبة.
وطبقا لقانون التكوين الذي يحدد الهيكل التنظيمي لجيش الإخوان ومهامه، الذي ضبط فى قضية السيارة الجيب، فإن هذا الجيش تشكل فى فترة الاربعينيات من هيئات ثلاث وهي: القيادة، وأركان حرب أو اللجنة الفنية، والجنود. كانت القيادة تضم عشرة أشخاص خمسة من بينهم لا يتصل أحد منهم أتصالا مباشرا بأي من أعضاء النظام، فهم من رجال الدعوة العامة المؤتمنين على سر وجود تنظيم للجماعة، وهم يشتركون فى اجتماعات قيادة النظام كل ما وجهت إليهم الدعوة حين تقتضي الضرورة ذلك.
وتم تحديد مهام قيادة الجيش بدراسة طرق التنفيذ لما يصل من خطط صادرة من الأركان، وتنفيذها وإصدار بيانات يشترك فيها جميع الأعضاء وبيان الصعوبات القائمة فى طريق تنفيذ ما يراه المجلس غير قابل للتنفيذ. كذلك الإشراف على أحوال الجند والاطمئنان على دوام قوتهم المعنوية.
أما الأركان فهي مجلس من خمسة أشخاص ويمكن أن يزيد عددهم كلما احتاج الأمر، ومهمته وضع خطط لتنظيم القوات فى كل من أوقات السلم والحرب، ودراسة المعدات عمليا وتحديد ما يصلح منها لاستعمال الجيش، وإصدار بيانات بمميزاتها وطرق استعمالها وحفظها، وكذلك تحديد الأهداف التي سيتم التعامل معها، ورسم خطة التنفيذ من زمان ومكان والقوات المطلوبة. أما بالنسبة للجنود فمهمتهم تمثلت فى الإستعداد الروحي والعقلي والطاعة والتنفيذ.
عندما يتم قبول ترشيح أحد الأعضاء الجدد للانضمام للجيش الإسلامي، يتم تحديد جلسة معه فى بيت أحد المقربين منه من أعضاء النظام، وذلك بهدف لقائه بمسئول المنطقة فى النظام الخاص، والذي يركز فى الحديث مع المرشح على فريضة الجهاد الذي يميز الإخوان عن سواهم، وعن وسائله وعن وجود الاستعداد والتجهيز لتحرير البلدان، وإقامة الحكم الإسلامي، حتى يجد منه القبول، فيطالبه بالمبايعة على السمع والطاعة والكتمان، ثم يخبره بأمر الجيش الإسلامي.
بعد موافقة العضو تبدأ مرحلة تجهيزه عبر عدة دروس وذلك للتعريف بأنواع السلاح وطبيعة تركيبتها الميكانيكية، وكيفية إستخدامها وحلها وإعادة تركيبها، ويخصص كل درس للحديث عن سلاح ولا ينتقل المسئول أو “المُكون” طبقا لمسماه بأوراق النظام الخاص للسلاح الآخر الا بعد أن يتأكد من أن أعضاء الخلية الجديدة استوعبوا واتقنوا ما تم شرحه. وشملت قائمة الدروس جميع الأسلحة التي يمكن استخدامها فى الحروب، بداية من المسدسات بأنواعها المختلفة، وكان المسدس يسمى مصحفا كي يمكن الحديث عنه وذكره دون حرج أو خوف، مرورا بالمفرقعات والقنابل اليدوية بأنواعها مختلفة.
انطلاقا من الحديث الشريف بأنه من مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية، تمثل البيعة أحد أهم الشعائر عند جماعة الإخوان، وفى الدعوة العامة تبدأ البيعة للمرشد أو من ينوب عنه بالتوبة والاستغفار ثم المعاهدة على نصرة الإسلام والعمل على تطبيق شريعته. أما عندما يجتاز المرشح اختبارات النظام الخاص بنجاح، فيتم تحديد موعد له ليعطي البيعة لمندوب الإمام أو المرشد العام ومعه المسئول الأول عن جيش الإخوان، حتى ولو سبق للعضو تأدية البيعة العامة، فهذه البيعة بيعة الأخ المجاهد أو البيعة على الجهاد.
وعرضت “حرفي” فى كتابها كيفية أداء البيعة :”تبدأ البيعة بتذكير العضو بآيات الله التي تحض على القتال فى سبيله وتجعله فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وتبين له الظروف التي تضطر الجماعة لجعل التشكيل سريا وبيان شرعية ذلك العمل. ثم يتم تذكير المبايع من جانب متلقي البيعة ذلك المخفى خلف رداء، بأنه مادام قدم مؤمنا بفريضة الجهاد فى سبيل الله، عازما على العمل فى صفوف المجاهدين، فإنه يأخذ البيعة على الجهاد فى سبيل الله، لينتصر الإسلام ويسود القرآن أو الاستشهاد مع الإلتزام بالكتمان والطاعة، ثم يخرج من جانبه مسدسا ويطلب من المبايع أن يتحسسه وأن يتحسس المصحف الشريف الذي يبايع عليه.. ويجمع من كتبوا مذكراتهم من جنود وقيادات “الجيش الإسلامي” فى هذه الفترة أنه بعد البيعة يذهب من أقسم لجبل المقطم للتدريب على إطلاق النار فترة قصيرة، حيث كانت الأسلحة مخبأة فيه، ثم يعودون بعد ذلك لمنزل المرشد العام حسن البنا، وبصحبتهم عبدالرحمن السندي، فى لقاء قصير يحيهم فيه ويدعو لهم بالخير.
هنا تبدأ مرحلة جديدة لعضو النظام الخاص المستجد، أو المجند الجديد بجيش المسلمين، وهي مرحلة الإعداد والتجهيز وتم تقسيمها لأربع مراحل تستغرق كل واحده منها خمسة عشر اسبوعا بإجمالي ستين اسبوعا،أي خمسة عشر شهرا من التدريب، وفى كل مرحلة من المراحل الأربعة يحصل المجند على خمس عشرة حصة بواقع حصة كل اسبوع، يتلقى فيها برنامجا قاسيا فى التربية العسكرية والجهادية، مع الجانب التعبدي والروحاني.
ولعب جبل المقطم ساحة آمنة لتدريب الأعضاء بالقاهرة قبل انكشافه، ولم يختلف نظام التدريب فى الأقاليم الا بوفرة التسهيلات، حيث تتوفر الأسلحة والذخائر والأماكن الأمينة التي يتم فيها التدريب بجهد أقل. كانت قيادة الجيش تقوم برحلات تدريبية يتم بعضها فى القاهرة بجبل المقطم، فى أماكن نائية منه لا يسمع منها طلقات الرصاص، أو انفجار القنابل، أو فى بلدة الرقة بعزبة القيادي حسني عبدالباقي، كذلك تم تخصيص مراكز تدريب بمحافظات الشرقية والقليوبية.
أما النخبة من أعضاء الجيش الإسلامي فكان يتم تدريبهم بصحراء الإسماعيلية، قرب قرية عين غصين، حيث كانت قرية إخوانية بحتة، وكانت تقع وسط معسكرات الجيش الإنجليزي، وهذا الجيش دائم التدريب فلم يكن غريبا سماع أصوات الطلقات النارية أو فرقعة القنابل اليدوية والمتفجرات.
كان التدريب يشمل إطلاق النار من المسدسات والبنادق والرشاشات، وتفجير أنواع من القنابل اليدوية شديدة الانفجار والحارقة، كذلك أعمال الفدائيين وحرب العصابات والتدريب على قنابل المولتوف وتخريب المواصلات والسكك الحديدية، واستخدام المفرقعات والألغام وغيرها. ولم يقف جيش الإخوان عند التدريب على استخدام القنابل والأسلحة التقليدية، بل انتقل للتفكير فى صناعة ما يستطيع تصنيعه محليا من المفرقعات.
كما عرضت “حرفي” فى كتابها العديد من التدريبات الأخرى لعناصر النظام، حيث تم تدريب أعضاء جهاز المخابرات التابع للنظام على قطع وتوصيل الكهرباء، واستخدام اللاسلكي والتصوير والاختزال والتمثيل وعمل المكياج، وتغيير الزي وقيادة وسائل المواصلات، كما امتد نشاط القسم لزرع أعضائه داخل كل الوزارات والجامعة والأزهر والمدارس وأقسام البوليس والمحال الصناعية اليهودية والأجنبية والمصرية على حد سواء.
وحدد الجهاز عدد سبعين شخصا على الأقل بالقاهرة، يتم توزيعهم داخل المؤسسات العامة كالآتي: 5 للدراسة والتعقب للمهام، و15 للشيوعية، و24 على 7 أحزاب وهيئات، 2 جهات أخرى، و2 حزب العمال، و10 نقابات عمال، 2 البوليس السياسي “ أمن الدولة”، 5 سكرتارية ورئاسة العمليات، 5 للأقاليم ويلزم للقسم مكتب فى كل إقليم، على أن ينظم مكتب الأسكندرية على غرار مكتب القاهرة. وكان الهدف أن تتمكن مخابرات النظام الخاص من الحصول على بيانات مفصلة عن المنشآت الحكومية من وزارات ومحافظات ومديريات وأقسام ومراكز ونقط البوليس والسجون ومكاتب التليغراف والتليفون والبريد، وغيرها وعن المواصلات من سكك حديدية وترام وطرق زراعية، وخطوط الاتوبيس بدقة متناهية، بالاضافة الى الأحزاب والمؤسسات الاخرى الموجودة فى ذلك الوقت.
جرائم النظام الخاص
تؤرخ الجماعة للعام 1945 بأنه عام القوة، فقد اكتمل بناء هيكلها التنظيمي، واستقرت أجهزتها العلنية والسرية، وانتشرت وتوسعت داخل مدن وقرى ونجوع مصر، اضافة الى تمددها خارج حدود القطر المصري، لكن بدأ هذا العام بسقوط المرشد العام حسن البنا فى انتخابات مجلس النواب، وفى يوم 24 فبراير، وهو اليوم الذي تم تحديده لإلقاء أحمد ماهر باشا، رئيس وزراء مصر حينها، بيانا أمام البرلمان، ليبلغه قرار حكومته إعلان الحرب ضد الألمان والإنضمام لدول الحلف فى الحرب العالمية الثانية، ولم يكد أحمد باشا ماهر ينتهي من الادلاء ببيانه حتى أطلق عليه المحامي الشاب محمود العيسوي الرصاص بينما كان ماهر باشا يجتاز البهو الفرعوني، فأودى بحياته، ثم القي القبض على حسن البنا وعدد من قيادات الإخوان البارزين.
ويعترف محمود الصباغ بأن الإخوان درسوا خطة لقتل أحمد ماهر باشا رئيس وزراء مصر، ردا على رغبته فى إعلان الحرب على المانيا لصالح بريطانيا، لان ماهر بذلك يكون انضم عمليا لأعداء الإسلام وأمر المسلمين بالقتال فى صفوف أعدائهم من المحتلين بدلا من أن يؤدوا فريضة الجهاد بقتال أعدائهم. وحول ما اثير عن انتماء العيسوي للحزب الوطني أكد أحمد حسن الباقوري، أحد أبرز قيادات تنظيم الإخوان فى كتاب بقايا ذكريات هذا الشك باليقين حيث أكد انتماء العيسوي للإخوان، وأن النظام الخاص قد قرر الانتقام من أحمد ماهر بسبب اسقاط حسن البنا فى انتخابات الدائرة بالاسماعيلية.. بدأت حكومة إسماعيل صدقي الثانية والتي تولت السلطة فى فبراير 1946 تفطن لقوة وخطر تنظيم الإخوان، وقررت التحرك للحد من سطوته عبر تغيير قوانين الجمعيات والجوالة، فحدثت المواجهة بين الإخوان والحكومة، وكان النظام الخاص طرفا رئيسيا فى هذه المواجهة، وتصاعدت حدة المواجهات سعيا لاسقاط حكومة صدقي، ففى 4 ديسمبر 1946 نفذ أفراد النظام الخاص عملية ضرب أقسام البوليس فى القاهرة بقنابل صوتية، فضربوا أقسام الموسكي والجمالية والأزبكية وباب الشعرية. كما عمد النظام لإرهاب الحزبين اللذين منحا صدقي باشا الأغلبية البرلمانية وذلك بإلقاء قنابل حارقة على سيارات كل من محمد حسين هيكل باشا، رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ومحمود فهمي النقراشي باشا، رئيس حزب السعديين، فى توقيت واحد.
قنابل عيد الميلاد واغتيال الخازندار
عاد النقراشي باشا رئيسا للوزارة يوم 9 ديسمبر 1946، واستقبله النظام الخاص بعدة عمليات جماعية متزامنة لإيصال رسالة للإنجليز أن الحكومة عاجزة عن حماية مصالحها ورعايها، كانت البداية بالعملية المعروفة بـ “قنابل عيد الميلاد” وكانت بدايتها تفجير النادي المصري الإنجليزي بالزمالك، وقام بها حسن عبدالحافظ، ومحمد مالك، كما انتشرت خلايا التنظيم بشوارع وسط القاهرة لضرب الجنود المحتفلين بأعياد الميلاد، فى الحانات والبارات.
تم تحويل عناصر الاخوان المتهمين فى قضية “قنابل عيد الميلاد” للمحكمة وتم الحكم عليهم بأحكام تراوحت بين 3 و5 سنوات، ونظر القضيتين أحمد بك الخازندار وكيل محكمة استئناف القاهرة وأكد الأحكام الصادرة. ويعترف أحمد عادل كمال أحد قيادات النظام الخاص فى مذكراته، انه عاد من جلسة الحكم وهو مقرر ضرورة التخلص من هذا القاضي، لكن علم أن مجموعة أخرى تم تكليفها بالفعل للقيام بهذه المهمة، وبالفعل قام عناصر النظام الخاص فى صباح يوم 22 مارس عام 1948 باغتيال القاضي أحمد الخازندار، امام منزله.
ظل النظام الخاص ورغم جرائمه والعمليات التي نفذها، يتمتع بسريته ولا يعرف عنه شئ، حتى وقع عناصر النظام فى قضية السيارة الجيب نوفمبر عام 1948، ووقعت أهم مستنداته وكمية من أسلحته، وانكشف أمر امتلاك جمعية الاخوان المسلمين لتنظيم خاص أو جهاز سري مسلح، وتم التعرف على عدد لا بأس به من أعضائه، وأثناء عملية المداهمة تم الكشف عن أجهزة وأدوات خاصة بمحطة اذاعية لاسلكية مقامة فى منزل بضواحي القاهرة، وتم القبض على عدد كبير من قيادة النظام الخاص الميدانية وتحويلهم للتحقيق..
لم يتوقف النظام الخاص عن ارتكاب الجرائم، فحاول أحد عناصر النظام إحراق محكمة الاستئناف وتفجيرها، فى 13 يناير عام 1949، بهدف حرق أوراق قضية السيارة الجيب، فقام بتفخيخ شنطة بالمتفجرات، وتركها الى جوار دولاب القضايا، لكن سرعان ما كشف أمرها واستطاع احد العاميلن اخراجها من المحكمة، لتنفجر خارجها وتقتل وتصيب قرابة 20 من المواطنين.
ما بين انكشاف امر التنظيم الخاص فى قضية السيارة الجيب عام 1948 ومحاولة نسف محكمة الاستئناف فى 1949 نشط أعضاء النظام الخاص فى كل اتجاه لمواجهة حكومة النقراشي باشا، وذلك لاظهار ضعفها وعدم سيطرتها على الأوضاع، سعيا لبث الخوف فيها كي لا تتخذ إجراءات ضد الجماعة، ومن بين صور هذا الضغط قيام طلاب الاخوان فى المدارس وفى الجامعات بتعطيل الدراسة، فاضرب طلاب كلية الطب يوم 4 ديسمبر 1948، وعندما حضر حكمدار العاصمة اللواء سليم زكي، لمتابعة ما يحدث بقصر العيني، فإذا بأحد طلاب الاخوان بين المضربين يلقي عليه قنبلة أودت بحياته، وأصابت عددا ممن حوله.. وفى 6 ديسمبر قام طلاب المدرسة الخديوية بالاضراب وعندما حضر البوليس استقبله المضربون بالقنابل لكن تمكن الضباط من القبض على السيد بدر، ولطفى فتح الله فى القضية التي عرفت بـ “قنابل الخديوية”.
حل الجماعة واغتيال النقراشي
أمر الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948، بحل جماعة الاخوان المسلمين بكل فروعها فى البلاد ومصادرة أموالها، واعتقال أعضائها وتأميم ممتلكاتها، وفصل موظفى الدولة والطلبة المنتمين لها.. وبالفعل وبعد صدور القرار تم القبض على عدد كبير من أعضاء الجماعة. وفى كتاب “الإخوان المسلمون.. قراءة فى الملفات السرية”، عرض عبد الرحيم على نص المذكرة التي تقدم بها عبدالرحمن عمار، وكيل وزارة الداخلية لمجلس الوزارء بطلب حل جماعة الإخوان المسلمين.
وتضمنت مذكرة الحل ثلاثة عشر سببا، أهمها الإعداد للإطاحة بالنظام السياسي القائم عن طريق الإرهاب مستخدمة تشكيلات مدربة عسكريا، ومسئوليتها عن قتل أحد خصومها السياسيين فى بورسعيد، ونسف فندق الملك جورج بالاسماعيلية، وحيازة أسلحة ومفرقعات ومتفجرات، الى جانب الاعتداء على رجال الأمن اثناء تأدية وظيفتهم ونسف العديد من المنشآت التجارية المملوكة لليهود.
قررت الجماعة التخلص من النقراشي باشا، ردا على قرار حل الجماعة، فأصدر النظام الخاص فتوى بإباحة دم النقراشي وضرورة إغتياله، فكلف السيد فايز مجموعتين سريتين للاشتراك معا للتخطيط والتنفيذ لاغتيال رئيس الحكومة، فاجتمع كل من محمد مالك، وشفيق أنس، وعاطف عطية حلمي، والضابط أحمد فؤاد، وعبدالمجيد أحمد حسن، ومحمود كامل السيد، لمهمة قتل النقراشي، وتولى قيادة العملية الضابط بالبوليس المصري أحمد فؤاد، فتم رصد تحركات النقراشي والتجهيز الجيد لاغتياله.
فى صباح يوم الثلاثاء28 ديسمبر عام 1948، نزل محمود فهمي النقراشي من بيته، ثم تحرك عبدالمجيد من المقهي المقابل لوزارة الداخلية بإتجاه المبنى، بعد تلقيه اشارة بقرب وصول النقراشي لمكتبه، وكان يجلس على مقهى آخر بالقرب منه شفيق أنس فى زي كونستابل، ومحمود كامل السيد بزي سائق سيارة بوليس، فتبعاه لداخل الوزارة وانتظر عبد المجيد فى البهو، حتى وصل موكب رئيس الوزراء مبني الداخلية، واثناء تحرك النقراشي وسط حراسته نحو المصعد حتى اذا صار على وشك الدخول، أطلق عليه عبدالمجيد أحمد حسن، ثلاث رصاصات من الخلف، فسقط النقراشي قتيلا.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.