ضد التيار: العرب بين كلب جونسون وهوج ترامب

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 5:49 مساءً
ضد التيار: العرب بين كلب جونسون وهوج ترامب

فى الجزء الثاني من كتابه «حرب الثلاثين سنة» تحت عنوان «الانفجار 1967» يروي محمد حسنين هيكل مشهداً من مشاهد الشماتة فيما آل إليه حال العرب بعد هزيمة يونيو 1967.
يقول «هيكل» إن معلومات وصلت من سفير مصر فى واشنطن آنذاك «محمد القوني» تتحدث عن لقاء تم بين عدد من السفراء العرب فى واشنطن، وبين الرئيس الأمريكي «ليندون جونسون»، وأتضح من محتوي الرسالة أن السفراء ذهبوا إلى اللقاء بدعوة من وزارة الخارجية الأمريكية، بسبب شعورها بالقلق الشديد الذي يساور بعض السفراء العرب الذين بقوا فى واشنطن، بعد قطع العلاقات بين عدد من الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية، بعد عدوان 1967.
وطبقا لبرقية السفير «القوني» أن السفراء العرب فوجئوا بأن الرئيس الأمريكي «جونسون» قد قرر أن يقضي معهم بعض الوقت فى قاعة الاستقبال بمبنى وزارة الخارجية الأمريكية، وأعتبر السفراء العرب ذلك حدثاً سارا لأنه يتيح لهم فرصة التحدث معه والتعبير له عن مشاعرهم بعد هزيمة ثلاث دول عربية أمام العدوان الإسرائيلي. وفضلا عن المفاجأة الأولى، فقد أنتظرتهم مفاجأة ثانية من العيار الثقيل، حين دخل إليهم الرئيس «جونسون» مصطحباً كلبه الذي كان يسميه «بيجل» ثم جلس فى مواجهة الكلب وراح يحدثه بصوت مسموع قائلا له بالحرف الواحد:
اسمع يا «بيجل» حكاية رجل شرير اتخانق مع جاره الطيب، متصورًا أن هذا الجار الطيب لا يستطيع الرد عليه، لكن الجار الطيب يا «بيجل» استجمع كل قواه، ولكم جاره الشرير لكمة قوية طرحته على الأرض، أليس له حق يا «بيجل» ؟ لماذا يحق لأصحاب هذا الرجل الشرير أن يشتكوا بعد ذلك للآخرين؟
ماهو رأيك يا «بيجل» ؟!
وانصرف الرئيس الأمريكي جونسون تاركا السفراء العرب فى حالة من الذهول.
بعد هذا اللقاء بنحو ست سنوات أعلن الرئيس السادات فى أعقاب نصر أكتوبر، أن حرب 1973 ستصبح هي آخر الحروب فى المنطقة، وبات يكرر على مشارف زيارته للقدس وذهابه لكامب ديفيد وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل أن أمريكا أصبحت تمتلك 99% من أوراق اللعبة فى المنطقة، وأنه لا حل للنزاع العربي مع إسرائيل دون تدخل واشنطن للضغط على إسرائيل لإعادة الأراضي التي احتلتها بعد يونيو 1967.
استمر هذا المنهج فى السياسة الخارجية المصرية فى العشرية الأولى من حكم الرئيس مبارك، إلى أن أخذت العلاقات بين البلدين تدخل فى مجال الشد والجذب، والتوتر الخفى أحيانا، والمعلن أحيانا أخرى حتى الثلث الأخير من حكمه.
ومنذ تولى الرئيس السيسي الحكم قبل أكثر من ثلاثة أعوام، والسياسة الخارجية المصرية تتجه نحو مزيد من التوازن فى علاقات مصر الدولية، وبدا ذلك واضحا فى التوجه نحو القارة الأفريقية التي تم إهمالها بعد المحاولة التي جرت لاغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا عام 1995، بإحياء علاقات مصر الاقتصادية والثقافية والتنموية مع بلاد القارة، وتعزيز التعاون فى الساحة الدولية مع الصين والهند واليابان والبرازيل.
وتشكل الزيارة الثانية للرئيس الروسي «بوتين» إلى مصر التي انتهت قبل يومين نقلة نوعية جديدة فى العلاقات بين القاهرة وموسكو لم تحدث منذ عام 1973.
حرص الرئيس «بوتين» على إطلاع الرئيس « السيسي» على تفاصيل موقف بلاده فى سوريا هو مظهر من مظاهر التغيير، أكده قوله بحسم فى المؤتمر الصحفى المشترك بينهما أن مصر هي الشريك الموثوق به فى الشرق الأوسط.
روسيا تثبت أقدامها فى المنطقة لتصبح لاعبًا لا يستهان به فى حل مشاكلها سواء كانت فى اليمن أو سوريا أو ليبيا حتى فى القضية الفلسطينية بالتحالف الذي تقيمه مع كل من إيران وتركيا فضلا عن التعاون المشترك بينها وبين مصر فى المجال الأمني لمكافحة الإرهاب.
كان لافتا للنظر أن الاتفاقيات الاقتصادية التي اتفق الطرفان على إتمامها وبينها إنشاء مناطق صناعية روسية فى محور قناة السويس بتكلفة تبلغ 7 مليارات دولار، وبدء تنفيذ مشروع الضبعة للطاقة النووية الذي يضم أربعة مفاعلات نووية بتكلفة نحو 21 مليار دولار تسدد بفائدة منخفضة مع انتهاء العمل بها فى مطلع عام 2029، قد انطوت على دعم اقتصادي غير مقيد بشروط مجحفة ويثمن عاليا الجهد الذي تبذله مصر من أجل اللحاق بالعصر وتحملها بشجاعة وإصرار أعباء كلفة مكافحة الإرهاب.
لم نكن فى حاجة لقرار الرئيس الأمريكي ترامب بشأن القدس عاصمة لإسرائيل، لكي ندرك أنه كما هو حال الرؤساء الأمريكيين السابقين، لم يلتفت إلى المبادرات العربية المتوالية لإنهاء الصراع مع إسرائيل بطريقة سلمية تعطي الشعب الفلسطيني حقوقه ولم يأبه لغضب العرب والعالم من قراره الأهوج، لسبب بات واضحاً فهو يدرك أنه غضب عاطفى مؤقت لا تأثير له على المستوى السياسي والواقعي، بعد أن فرط العرب فى معظم أوراق قوتهم، فأضعفوا أنفسهم بزعم أن 99% من أوراق القوة فى يد أمريكا.
مصر الآن أمامها فرصة تاريخية لبناء تحالف دولي جديد من قوتين كبيرتين يمتلكان حق النقض فى مجلس الأمن الدولي هما روسيا والصين فضلا عن قوتهما الاقتصادية المتسارعة، فإذا لم نبذل جهداً لبناء هذا التحالف وجذب أطراف عربية ودولية أخرى إليه، فليس من حق العرب ان يغضبوا إذا ما عاملهم ترامب كما عاملهم سلفه جونسون بإهانتهم والشماته فى ضعفهم وهو يدلل كلبه «بيجل»!.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.