ترامب يعيد الصراع العربى الإسرائيلى إلى نقطة الصفر

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 2:10 مساءً
ترامب يعيد الصراع العربى الإسرائيلى إلى نقطة الصفر

Diamox csf leak
كما حدث حين فوجئ العالم بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، فقد فوجئ ترامب نفسه بردود الفعل الواسعة والعنيفة، وغير المتوقعة، التي أعقبت إعلان القرار، الذي كان الرئيس الأمريكي يتوهم أنه لن يثير سوى ضجة متواضعة من التي تعوّد الرؤساء الأمريكيون صدورها عن الأمة العربية، فإذا بالضجة التي آثارها القرار تتحول إلى زوبعة عالمية، وإذا بالاعتراض على القرار يشمل جميع أعضاء مجلس الأمن باستثناء الولايات المتحدة، وجميع دول الاتحاد الأوروبي، وإذا بالمظاهرات تندلع فجأة فى معظم العواصم العربية، وإذا بالعرب والمسلمين والفلسطينيين يتناسون فجأة ما بينهم من خلافات، وخصومات ومنافسات، ويتذكرون بدون تمهيد أنهم أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وأن فلسطين هي قضيتهم المركزية، وأنهم لا يمكن أن يعترفوا بالقدس عاصمة لإسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى الغاء كل اتفاقيات وعود السلام التي أبرموها مع الإسرائيليين خلال الأعوام الأربعين الماضية: من إطار السلام فى الشرق الأوسط الذي عقد فى كامب ديفيد، إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي وقعت فى واشنطن، ومن معاهدة وادي عربة للسلام مع الأردن، إلى معاهدة أوسلو، التي تبادلت فيها كل من منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الاعتراف.
وفى خلال أسبوع واحد كان العرب والمسلمون، بمن فيهم الفلسطينيون، قد نفضوا كل ما فى قلوعهم من رياح، وعقدوا اجتماعاً طارئا فى الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، وعقدوا آخر استثنائيا لمنظمة التعاون الإسلامي على مستوى الملوك والأمراء والرؤساء، ليصدر عن الاجتماعين ما يزيد على ثلاثين قرارًا، هذا غير ما يمكن أن يصدر عن الاجتماع الاستثنائي للقمة العربية الذي لم يتحدد بعد موعد ما يمكن أن يصدر عن الاجتماع الاستثنائي للقمة العربية الذي لم يتحدد بعد موعد انعقاده، من قرارات وإنذارات وتحذيرات.
ولم يكن هذا الأسبوع يقترب من نهايته، حتى تسارعت وتيرة التهديدات العربية والإسلامية، وازدادت نبرتها حدة، حيث أوشكت فى بعض اللحظات أن تذكرني، بالبيانات العسكرية التي كان يبثها مذيع الأمة العربية الشهير والجهير أحمد سعيد أثناء حرب يونيو 1967، حول الانتصارات التي حققتها الجيوش العربية على إسرائيل خلال الساعات الأولى من تلك الحرب، التي لم تستغرق سوى ست ساعات، وهي بيانات ثبت بعد ذلك أنه لم يكن بينها بيان واحد يعتمد على معلومة صحيحة أو صادقة..!
مالفت نظري أن كل هذه الضجة العنيفة التي أحدثها العرب والمسلمون، سرعان ما بدأت تتراجع، ومن غير انتظام فى اللحظة نفسها التي بدا فيها مؤتمر القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي مناقشاته فى اسطنبول، حين اكتشف المجتمعون أن مستوى التمثيل فى المؤتمر لا يتناسب مع حجم الضجة الإعلامية العالية التي أحدثها العرب والمسلمون والفلسطينيون، وأن عشر دول من الدول السبع والخميسن التي تتشكل منها منظمة التعاون الإسلامي لم تحضر المؤتمر. وأن 16 دولة لم يحضر رؤساؤها وملوكها القمة أو تشارك فى أعمالها، واقتصر تمثيلها على رؤساء الوزارات أو وزراء الخارجية أو مستوى أدنى من ذلك، ومعنى ذلك أن نسبة الملوك والرؤساء الذين حرصوا على أن يحضروا القمة بأنفسهم لم يكن يزيد على الربع.. !.
ولعل العرب قد تنبهوا لحظتها فقط إلى أن الرئيس الأمريكي قد اختار التوقيت الأكثر ملاءمة له، لكي يعلن قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فأعلن القرار فى وقت اتسم بتصاعد المشاكل بين الدول العربية وبعضها البعض، ووصلت تلك المشاكل إلى حد التفكير فى تقديم شكاوي متبادلة إلى هيئة الأمم المتحدة، تتهم فيها بعض دول الخليج زميلاتها بدعم الإرهاب فى المنطقة، وانتكاس المحاولات التي كانت تبذل لإتمام المصالحة بين منظمتي «فتح» و»حماس» وإعادة الوحدة بين الضفة والقطاع.
وعلى عكس ما كان ترامب يتصور، فإن إعلان قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أدى فى البداية إلى العكس، فانتزع العرب أنفسهم مما كانوا غارقين فيه من مشاكل وخلافات وصراعات، وبدوا وكأنهم قد توحدوا لمواجهة خطر ضياع القدس، لكن ذلك لم يستمر سوى أيام قليلة عادوا بعدها إلى قواعدهم سالمين، وتذكروا خلافاتهم التاريخية.. فما كادت قمة اسطنبول تتخذ قرارا بأن تكون القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية، حتى تصدى لها فريق من المتشددين العرب والفلسطينيين، أعلنوا تمسكهم بأن تكون القدس الموحدة هي عاصمة فلسطين، ليقود ذلك الطرفين إلى الاشتباك فى معركة حول مبادرة السلام العربية التي اعتمدتها قمة بيروت العربية عام 2002، وقامت على أساس مبادلة الأرض بالسلام، وإقامة دولتين لشعبين إحداهما فلسطينية على الأرض التي احتلت فى يونيو عام 1967، على أن تكون عاصمها القدس الشرقية، والثانية هي إسرائيل، على أن تكون عاصمتها القدس الغربية.
وهكذا عادت قضايا الخلاف حول الصراع العربي الإسرائيلي لتبرز كلها من جديد، وكأن ما حدث فى الأعوام الأربعين السابقة لم يحدث: من مطالبة الأمم المتحدة باختيار وسيط وجديد للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير الولايات المتحدة بعد أن أثبتت موافقتها على اختيار القدس عاصمة لإسرائيل انحيازها إلى أحد أطراف النزاع، إلى إحالة القضية بمجملها إلى الأمم المتحدة لكي تتولاها بنفسها دون وسطاء.
أصبح علينا نحن العرب أن نعود من جديد لممارسة هوايتنا المفضلة فى إصدار بيانات الشجب والاستنكار والإدانة، وعقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات، وتنظيم المظاهرات، وصك الشعارات البليغة كتلك التي ابتكرناها خلال حرب 1948 وكان من أشهرها شعار: البغاث البق فى أرضنا يتنسر يصبح يستطيع نسراً وهي الشعارات التي حولت البغاث إلى نسور، وإسرائيل، إلى دولة لا يستطيع أحد أن يرفض لها طلبا، حتى لو كان اتخاذ القدس عاصمة لها !.

صلاح عيسى

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

High dosage birth control pill
عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Generic azor blood pressure medicine
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.