قضية للمناقشة: ثقافة الانتقام

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 10 يناير 2018 - 12:20 مساءً
قضية للمناقشة: ثقافة الانتقام

عبرت الأمم المتحدة عن قلق عميق حيال تنفيذ ما يقارب التسعين حكماً بالإعدام فى مصر فى الأسابيع الأخيرة.
ورغم أن تجارب كثيرة فى البلدان التي لا تزال تصدر وتنفذ أحكاماً بالإعدام أثبتت أن هذا الحكم لم يكن رادعاً فى مواجهته للإرهابيين، وبخاصة الانتخاريين منهم، بالرغم من هذا فالذين يدافعون عن عقوبة الإعدام مازالوا يعتقدون أنها العقوبة الوحيدة الرادعة التي تشفى غليل أسر الضحايا من المواطنين شرطة وعسكريين ومدنيين، وذلك دون التفات لأن هذه العقوبة تؤدي إلى توسيع وتعميق دائرة الانتقام وثقافة العنف، وتدفع بالمجتمع إلى دائرة شريرة يصبح من الصعب إغلاقها مع الزمن طالما بقيت الأسباب التي تدفع بآلاف الشباب إلى صفوف الجماعات الإرهابية، والتبريرات الدينية التي تسوقها هذه الجماعات دفاعا عن أعمالها الإجرامية الوحشية.
ألغت الغالبية العظمى من دول العالم عقوبة الإعدام، حتى قبل أن يصدر البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1989، والذي نص فى مقدمته أن الدول الأطراف فى هذا البروتوكول تؤمن بأن إلغاء عقوبة الإعدام يسهم فى تعزيز الكرامة الإنسانية، والتطوير التدريجي لحقوق الإنسان، وحماية الحق فى الحياة الذي هو أسمى الحقوق.
يقع إلغاء عقوبة الإعدام فى صلب الدعوة لتجديد الفكر الديني وما سماه الرئيس «السيسي» بحاجتنا إلى ثورة دينية، ولذلك يبقى مثل هذا الإلغاء قضية شائكة لن يكون بوسع المطالبين بها إنجازها بمفردها، إلا إذا توفر مناخ عام موات، ورأي عام مساند، وهو ما يصعب توفره فى ظل تفاقم العمليات الإرهابية، وزيادة الآلام والأحزان فى أوساط المصريين، وبخاصة الأسر المنكوبة.
ويقترح الزميل «حافظ أبو سعدة « رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، التعلم من درس تجربة الجزائر التي لم تلغ عقوبة الإعدام من قانون العقوبات، بل قام الرئيس بوتفليقة بتجميد تنفيذ الأحكام، وهو ما ادى مباشرة إلى وقف دائرة العنف.
وسوف يكون مثل هذا التجميد الذي سيغضب بالقطع الأسر المنكوبة فى مصر، بل وقطاعا من الرأي العام لكنه بحساب الأرباح والخسائر سوف يكون عملا تثقيفيا فى المقام الأول، إذ يصفى المشاعر البدائية، ويرتقى بالغرائز الأولية التي تغذيها شهوة الثأر والانتقام، وهي بعض تراثنا القبلي الذي نسعى للتخلص منه فى اتجاه ترقية العلاقات الاجتماعية وبنائها على أسس حداثية جديدة وإنسانية بعمق تفسح الطريق أمام نضج مجتمع جديد لا تتحقق العدالة فيه بالانتقام، والثأر وقد عانت بلادنا كثيرا وطويلا من تداعيات ممارسة مفهوم الثأر الذي طالما وضع كل من الدولة والقانون على الهامش ليحصل أصحاب الثأر على حقوقهم بأيديهم، وجرى تدمير أجيال من الشباب، خاصة فى الصعيد، لأنهم كانوا وقودا لثأرات توارثتها الأجيال منذ ما قبل نشوء الدولة الحديثة، وبات الثأر أحد أهم علاقات انتشار الثقافة القديمة، وقد ارتبط بمفهوم الشرف الذي طالما فقدت نساء حياتهن دون ذنب قربانا له.
ومن حق الغاضبين أن يتساؤلوا: هل يمكن أن يؤدي مثل هذا التجميد لو استجاب الرئيس «السيسي» للدعوة إلى تراجع العمليات الإرهابية، وصدور مبادرات من الجماعات المسلحة المجرمة لإدانة العنف على غرار ما حدث فى التسعينيات؟ وأظن أن الإجابة الأولية هي بالقطع لا، لأن مثل هذا الواقع الجديد لن ينبثق وحده من العدم، بل سيكون حصاد منظومة متكاملة، وعمل دءوب تقوم به كل مؤسسات المجتمع وقواه الثقافية والاجتماعية وعلى رأسها المؤسسات الدينية ثم الإعلام والنقابات وكل قوى المجتمع المدني، وفى القلب منها الأحزاب السياسية، فتغيير الواقع المادي هو عمل أسهل كثيرا من تغيير الأفكار التي تعيش طويلا، وتذوي ببطء شديد.
وسوف يعيد الغاضبون حساباتهم، ويفكرون فى الوضع مجددا، حين يرون أن التحالف الاجتماعي ضد الإرهاب، قد إزداد اتساعا بما لا يقاس، وأن الأفكار الجديدة تشق طريقها، وأن « ثأرهم « كما يسمونه ليس قضية تخصهم وحدهم، وإنما هو قضية مجتمع بأكمله لا يسعى إلى الإنتقام بل إلى الارتقاء.
وربما يكون توسيع وتطوير التحالف الاجتماعي ضد الإرهاب ليضم حتى أهالي المجرمين والمحكومين بالإعدام هو الجائزة الكبرى التي سوف يحصل عليها الجميع وهم يشهدون عملية الإنحسار البطىء للإرهاب، وتراجع الغرائز البدائية وانتصار الخطاب العقلاني والإنساني، وتخلق مناخا جديدا أكثر هدوءاً لتعمل قوات الامن والقوات المسلحة وتنجز مهماتها وهي مرتاحة بمساندة واسعة من المجتمع كله.
إن التغيير الثقافى الجذري ليس عملية تلقائية، ولكنه نتاج فعل اجتماعي وسياسي صبور وطويل المدي، ترشده رؤية شاملة لحقيقة ما تواجهه البلاد من مخاطر، وتداعيات تفاقم الإرهاب ونشوء «الثأرات» الجديدة بلا نهاية.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.