الكنيسة المصرية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 10 يناير 2018 - 1:24 مساءً
الكنيسة المصرية

يروي المؤرخ « ابن عبد الحكم القرشي المصري « أنه كان بالاسكندرية أسقف للقبط يقال له « بنيامين».. فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر فى عام 640 ميلادية «20 هجرية» كتب رسالة إلى الأقباط ليعلن لهم أنه لم تعد هناك دولة للروم، وأن ملكهم قد انقطع ويطلب إليهم أن يستقبلوا عمرو.
ويروي المؤرخ ساويرس الذي كتب بعد « ابن الحكم» بحوالي قرنين من الزمان أن الكاهن «سانوتيوس»، الذي تولى إدارة شئون الكنيسة خلال فترة اختفاء البطريرك بنيامين هربا من بطش المحتلين الروم، أبلغ عمرو بن العاص بأن الأب المجاهد بنيامين فى مكان مجهول، مما دفع عمرو إلى أن يكتب إلى كل الجهات فى مصر رسالة يقول فيها أنه بصرف النظر عن المكان الذي يوجد فيه البطريرك بنيامين، فإن له العهد والأمان والسلامة من الله، وأن عليه الحضور آمناً مطمئناً ويدير أحوال كنيسته وسياسة طائفية، وعندما سمع بنيامين بذلك، عاد إلى الإسكندرية وسط الأفراح بعد غيبة 13 سنة وتوجه «سانوتيوس» إلى عمرو لإبلاغه بوصول بنيامين، فما كان من عمرو إلا أن أصدر أمره بإحضاره بكرامة وإعزاز ومحبة واستقبله وأكرمه، وقال لأصحابه إنه فى جميع المناطق التي ملكناها حتى الآن ما رأيت رجل الله يشبه هذا الرجل. وقال عمرو لبنيامين:
«جميع كنائسك ورجالك عليك تدبير أحوالهم «، ومنحه الحرية الدينية وأعاد له الكنائس التي سبق أن اغتصبها منه البطريرك البيزنطي. وانصرف بنيامين من عنده مكرماً ومبجلاً.
وشيد عمرو بن العاص مسجده فى أحضان عديد من الكنائس المتجاورة من أجل إظهار التآخي بين المسلمين والأقباط.
يقول «جورجي زيدان»: فإذا تجاوزت جامع عمرو بن العاص مسافة بضع دقائق رأيت على يسارك بناءً كبيراً مؤلف من عدة أبنية.. ثم باب قديم مصفح بالحديد الغليظ هو أحد أبواب الحصن، ثم أزقة كثيرة تقودك إلى عدة كنائس قبطية منها كنيسة العذراء وكنيسة أبي مسرجة وكنيسة ماري جرجس وكنيسة القديسة بربارة…
وعلى جدران الكنيسة المعلقة عهد قدمه عمر بن العاص لحماية الكنيسة يلعن فيه كل من يحاول تدمير الكنيسة أو هدمها أو الاعتداء على جزء من أجزائها.
حين جاءت جحافل الغرب من الفرنجة تحمل شعار الصليب تصدت لهم الكنيسة المصرية، ورفض أقباط مصر مساعدة « الصليبيين» ووقفوا إلى جانب صلاح الدين الأيوبي.
بعد هزيمة الفرنجة عام 1119 م. أمام جيش حلب قاموا بتجريد المسيحيين من أهل الشام المقيمين فى انطاكية من سلاحهم ومنعوهم من مغادرة منازلهم خوفاً من تعاونهم مع جيش حلب. ووقف المسيحيون الأرثوذكس، الذين كانوا يعيشون فى القدس إلى جانب صلاح الدين أيضا، بل إن مستشار صلاح الدين الرئيسي كان كاهناً مسيحياً أرثوذكسياً يدعي «يوسف بتيت».
وكان شعار المجلة التي أصدرها اللبناني «بطرس البستاني»، واسمها «الجنان» هو : « حب الوطن من الإيمان «، وهو شعار رفاعة الطهطاوي.
جاءت المسيحية إلى مصر فى القرن الأول الميلادي بواسطة القديس مرقس، كاتب الإنجيل الثاني.
ومنذ أن اعتنق المصريون المسيحية.. التأم المؤمنون فى جماعة منظمة هي الكنيسة القبطية.. أقدم مؤسسة شعبية مستقلة فى مصر، ومازالت مستمرة دون انقطاع ما يقرب من عشرين قرناً.
استوعبت الكنيسة القبطية الكيان المصري كله الأرض والشعب وكانت هي الحاضنة الوحيدة للوجدان المصري والتطلعات الشعبية على مدى ستة قرون متصلة (المرحلة القبطية فى التاريخ المصري).
تستشعر فى الوجدان القبطي رؤية أرض بلادهم على أنها الفردوس لا أقل فحين أراد الكتاب المقدس أن يصف أرضا خصبة جميلة، قال عنها « كجنة الرب.. كأرض مصر» وفى سفر أشعياء ينطق الرب بالبركة للساكنين فيها يقول «مبارك شعبي مصر».
وأكدت زيارة السيد المسيح وأمه القديسة مريم لمصر أن هذه البلاد التي مشى المسيح على أرضها وتنقل بين ربوعها هي الفردوس الأول نفسه، ذلك أن مصر هي البلد الوحيد فى العالم خارج فلسطين الذي سار المسيح على أرضه.
والنيل فى نظر الكنيسة القبطية نهر من أنهار الجنة.. تنظم السنة المصرية القديمة المرتبطة بتقسيم السنة الزراعية إلى ثلاثة فصول وعلى هذا الأساس تضع الكنيسة نظام السنة وتنظم صلواتها.
ففى فصل الفيضان تصلي من أجل النيل لكي تصعد مياهه فتفرح بها الأرض إذ ترتوي بعد عطش وفى وقت القاء البذور تصلي لكي تنمو الزروع وتنضج، وفى موسم الحصاد تصلي من أجل ثمار الأرض فتطرح فيها البركة.
وفى هذا كله تحيط الكنيسة أرض مصر ونيلها وزروعها وثمارها والبشر الذين يحيون فيها بمشاعر الحب العميق وتملأ قلب كل أبنائها حباً لأرض بلاده وانتماءً إليها والتزاما بخدمتها.
إنها المدرسة الأولى لحب الوطن التي انتظم فيها المصريون جميعا ستة قرون.
الكنيسة القبطية فى الوعي الشعبي كانت مرادفاً لمصر.
ولما كانت هذه الكنيسة قد رفضت أي تبعية لأية جهة دينية أو مدنية فى الخارج.. فقد صارت رمزاً للاستقلال القومي.
لقد تصدت الكنيسة المصرية لعاصمتين امبراطوريتين: روما وبيزنطة.
ولم يعرف الكيان المصري أية « تشققات أو تصدعات فى بنيته منذ نشأته كأول « أمة دولة « فى تاريخ الإنسان.
فقد كان تماسك وتجانس الكتلة البشرية للأمة المصرية عبر تاريخها الطويل واحداً من أهم الملامح الفريدة التي تميزت بها هذه الأمة التي أبتدعت مفهوم «الوطن» الذي ينتمي إليه كل أفردها، ويدينون له بالولاء فتجاوزت بذلك الانتماء الضيق إلى القبيلة « العشيرة» أو الطائفة الذي مازال يحكم سلوك بعض الأمم.
لقد نشأت فى مصر الموقع أمة حرفتها «صنع الحضارة « على حد قول د. حسين فوزي.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.