خالد محيى الدين.. يتكلم!

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 12 يونيو 2018 - 5:22 مساءً
خالد محيى الدين.. يتكلم!


تعمدت أن أؤخر كتابة هذه المقالة حتى تمر المناسبة، والمناسبة هى رحيل خالد محيى الدين فى الشهر الماضى، لأن الكتابة عن خالد محيى الدين تصح فى كل وقت ولا تستدعيها المناسبة وحدها، حتى لو كانت خاتمة محزنة لهذه الحياة الحافلة التى عاشها هذا الرجل الذى سيعيش بعد رحيله حياة أطول وأغنى، لأنه سيظل رمزا لما جاهد فى سبيله، والرموز لا تموت، ولأن القضية التى جاهد فى سبيلها هى الديمقراطية التى لابد أن تنتصر ولو تأخر هذا الانتصار. لأن الديمقراطية شرط لحياة الأمة أفرادا وجماعة، ولأنها ليست مجرد احتياج حيوى وإنما هى فوق ذلك قيمة باقية ومثل أعلى لا يكتمل وجود الأمة إلا به، وهذا ما أدركه خالد محيى الدين وأخلص له إخلاص السادة النبلاء، وضحى فى سبيله تضحية الشهداء، وهكذا صار رمزا تعوض به الأمة المصرية ما خسرته فى ماضيها، وتجعله رائدا لها، فى حاضرها ومستقبلها، وشاهدا بصدقها حين تطالب اليوم بالديمقراطية فتجده معها والرائد لا يكذب أهله!
وأنا أعرف خالد محيى الدين كما عرفه كل المصريين الذين عاشوا معه حياته التى شارك بها فى صنع تاريخهم الحديث، فأنا واحد من أبناء الجيل الذى شهد فى شبابه الباكر ما شهدته مصر عقب الحرب العالمية الثانية من أحداث جسام تأثر بها خالد محيى الدين وجيله، وتأثرت بها الأجيال التالية ونحن منها ولا نزال نتأثر بها ونعيش تداعياتها حتى اليوم، ولا تزال فخاخها المنصوبة وألغامها المخبوءة تتفجر فى وجوهنا إلى هذه اللحظة.
أتحدث عن الأقليات الحزبية التى لم تجد طريقا للوصول إلى السلطة إلا فى الانحياز للقصر، والعدوان الدائم على الدستور، ومناصبة الوفد العداء. وعن الصراع القديم مع الاحتلال الإنجليزى الذى أضيف إليه الصراع الجديد مع الاستيطان الصهيونى فى فلسطين. وأتحدث عن جماعة الإخوان وحزب مصر الفتاة اللتين ساعدتهما هذه الأحداث فى التأثير على الفئات البسيطة والسيطرة عليها بالشعارات الخادعة وتحويلها من ساحة العمل الوطنى فى سبيل الاستقلال والديمقراطية والتقدم إلى ساحات العنف والاغتيالات وتسييس الدين. لكن الصورة لا تكتمل إلا بالحديث عن وجهها الآخر الايجابى الذى شهدته مصر فى تلك السنوات التى سبقت الحرب الثانية وتلتها. فى تلك السنوات كانت الطبقة الوسطى تنمو، وكانت الثقافة المصرية الحديثة تتأصل وتزدهر وتفصح عن عقلانيتها. وكانت الحركة النقابية تنضج وتتسع وتتغلغل فى الأوساط العمالية والحرفية. وكان اليسار المصرى يفرض وجوده فى المدن وينجح فى الوصول إلى بعض المناطق الريفية. وفى هذا المناخ بوجهيه المتقابلين المتصارعين نشأ خالد محيى الدين، وفيه تعرفت عليه واجتمعت به مرات فى القاهرة ومرة فى باريس.
خالد محيى الدين ولد عام 1922 فى تكية من تكايا الصوفية أسسها جده الأكبر لوالدته، وتربى فى أحضان ثورة 1919، وبدأ يهتم بالسياسة فى المظاهرات التى انخرط فيها تلاميذ المدارس ضد إسماعيل صدقى تطالب بالديمقراطية وتدافع عن دستور 1923 وفى تلك المرحلة، أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وجد نفسه معجبا بأحمد حسين وشعاراته الوطنية الملتهبة التى قلد فيها شعارات الايطاليين الفاشيين والألمان النازيين. وفى عام 1938 وهو فى السادسة عشرة من عمره التحق بالكلية الحربية وتعرف فيها على ثروت عكاشة، وصلاح سالم، وكمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادي، ولطفى واكد، وتخرج بعد ثلاث سنوات ليصبح ضابطا فى سلاح الفرسان.
وكان خالد محيى الدين فى العشرين من عمره عندما التقى حسن عزت، وهو ضابط وطنى أثار عواطفه بكلماته النارية عن مصر وعظمتها. وكان فى الثانية والعشرين عندما تعرف على جمال عبدالناصر انضم معه للاخوان وأدى معه يمين الطاعة للمرشد، لكنهما لم يواصلا علاقتهما بهذه الجماعة وكان فى الخامسة والعشرين حين تعرف على الشيوعيين وانضم لاحدى منظماتهم، لكنه ابتعد وإن بقى على إيمانه بالاشتراكية.
لقد كان يبحث عن نفسه فى هذا الموج المتلاطم الذى ازداد عنفا بعد حرب فلسطين والهزيمة النكراء التى فتحت المجال لردود الفعل المتلاحقة. الانقلابات العسكرية فى سوريا، وسلسلة الاغتيالات فى مصر، وحملات الصحف على السلطة، والمظاهرات الغاضبة التى عجلت بإجراء الانتخابات وفوز الوفد، وشن الهجمات على معسكراتهم فى القناة. وفى هذا المناخ المشتعل تشكلت الخلية الأولى للضباط الأحرار« الذين أعلنوا أن هدفهم هو طرد المستعمرين، وإقامة النظام الديمقراطي، وإطلاق الحريات العامة، وكانت هذه الخلية الأولى مؤلفة من جمال عبدالناصر. وخالد محيى الدين، وكمال الدين حسين، وعبدالمنعم عبدالرؤوف، وحسن ابراهيم، لكن الحريات الديمقراطية التى دافع عنها البرلمان الوفدى وجدت من يتآمر عليها ويحولها إلى فوضى احترقت فيها القاهرة وأقيلت حكومة النحاس وأصيب النظام بالشلل وأصبحت خلية «الضباط الأحرار» تنظيما قويا يعقد الاجتماعات ويوزع المنشورات ويتمكن يوم 23 يوليو عام 1952 من الاستيلاء على السلطة التى أعلن أنه لن يبقى فيها الا فترة انتقالية يطهرها فيها من الذين أفسدوها ويعيدها للشعب ولأحزابه السياسية بالشروط التى يحددها الدستور، غير أن الضباط الذين استولوا على السلطة قرروا البقاء فيها إلا واحدا ظل يطالب بالديمقراطية هو خالد محيى الدين الذى أصبح وجوده فى مصر غير مرغوب فيه. بعضهم اقترح اغتياله، وبعضهم اقترح اعتقاله. أما جمال عبدالناصر فقد طلب منه أن يختار منفاه. وباستطاعتنا أن نفسر ما حدث لنا بعد ذلك، خاصة إذا قرأنا مذكرات خالد محيى الدين التى سماها «والآن أتكلم ».
ماهو هذا «الآن» الذى قرر خالد محيى الدين أن يتكلم فيه؟
لقد صدرت هذه المذكرات عام 1992 عندما كان خالد محيى الدين فى السبعين من عمره وكان نظام يوليو فى الأربعين، فأى التاريخين هو الأوان الذى آن فى نظر خالد محيى الدين ليكشف لنا فيه عن أوراقه ويدلى باعترافاته؟
إذا كان الأوان الذى آن هو السبعين فخالد محيى الدين لايقدم لنا فى مذكراته تجاربه الذاتية كانسان فرد، وإنما يقدم شهادته فى قضية تهمنا جميعا أو بالأحرى تخصنا، وإن كنا ممنوعين دائما من النظر فيها ومن الإحاطة بتفاصيلها التى لاتزال بالنسبة لنا أسرارا حتى اليوم، فهل آن لنا أن نعرفها؟ وهل آن لنا نحن أيضا أن نتكلم؟ خالد محيى الدين بهذه المذكرات يقول: نعم! الآن لكم أن تتكلموا!

أحمد عبد المعطى حجازى

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:


عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

404 Not Found
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.